ارشيف من :أخبار لبنانية

15 ألف شكوى إلى الداخلية

15 ألف شكوى إلى الداخلية
الاخبار


في غرفة عمليات وزارة الداخلية التي أنشئت لمواكبة الإجراءات الأمنية والإدارية للعملية الانتخابية أمس، لم يحُل ضغط الاتصالات الحاملة شكاوى المواطنين دون تقدّم أحد العاملين من زميل له ليهمس في أذنه قائلاً: «زميلتنا لابسة سترينغ أحمر». من الطبيعيّ، ربما، أن يكون الشاب في وزارة الداخلية والبلديات مشغولاً بلون الملابس الداخلية لزميلته، رغم أنه، وزملاءه، تلقّوا أكثر من 15 ألف اتصال. لكن الرقم الهائل للشكاوى الإدارية والأمنية التي تلقّتها غرفة العمليات قبل إقفال صناديق الاقتراع، عبر 40 خطاً هاتفياً، لم يعكّر صفو الهدوء في وزارة الداخلية. فالوضع الأمني لم يخرج من دائرة ما درج وزراء الداخلية السابقون على وضعه في خانة «ضربة الكف». إذ إن كل الحوادث الأمنية التي سجلت خلال النهار لم تتجاوز الإطار الفردي، والتي تمكّنت القوى الأمنية من السيطرة عليها مباشرةً، بالتنسيق مع ممثلين للأطراف السياسيين الذين بدوا مصرّين على إمرار اليوم الانتخابي بسلام، فيما كان وزير الداخلية مطمئناً طوال الوقت إلى أن الانتخابات التي تجري في يوم واحد للمرة الأولى في لبنان ستمر على خير.
في الشق الإداري، كان أكثر ما أرّق الوزارة طوال ساعات ما قبل الظهر هو العدد الهائل من الشكاوى التي وردت من جميع المناطق عن مئات الأشخاص المزدحمين أمام أقلام الاقتراع. وتمحورت معظم الشكاوى حول بطء الإجراءات الانتخابية التي يقوم بها رؤساء الأقلام، والتي أدت إلى ازدحام كبير أمام أقلام الاقتراع. وزير الداخلية حمّل وزر الازدحام للنسبة المرتفعة من الناخبين الذين اقترعوا بين الساعة السابعة والتاسعة صباحاً (18 % من عدد الناخبين المسجلين)، وهو ما سبّبه خفض عدد أقلام الاقتراع إلى أقل من نصف ما كان عليه عام 2005، رغم أن عدد الناخبين ارتفع خلال الأعوام الأربعة الماضية، وأن نسبة الإقبال كانت أمس غير مسبوقة في تاريخ لبنان. ويرد الوزير الإقبال الصباحي الكثيف إلى التعليمات التي أصدرتها الماكينات الانتخابية لمناصريها بضرورة الاقتراع باكراً خشية حصول إشكالات أمنية بعد الظهر. وقد حاولت وزارة الداخلية التخفيف من حدة الازدحام، فأمرت بزيادة عدد المعازل داخل الأقلام، إضافة إلى الإيعاز إلى رؤساء الأقلام بإدخال 3 مقترعين دفعة واحدة إلى كل قلم، شرط دخول كل واحد منهم على حدة خلف العازل.
أمر آخر أخذ حيزاً كبيراً من الشكاوى التي وردت إلى وزارة الداخلية، وهو الأشخاص الذين لم ترد أسماؤهم على لوائح الشطب، إما سهواً، أو بسبب ورود خطأ في بياناتهم. وكانت الوكالة الوطنية للإعلام قد أوردت قبل يومين أن وزيري العدل والداخلية عمّما على لجان القيد بضرورة الترخيص بانتخاب من سقطت أسماؤهم سهواً. وقد أكّدت وزارة العدل لعدد من المتصلين بها صدور هذا التعميم. لكن التدقيق في الأمر أظهر أن وزارة الداخلية نأت بنفسها عن الخبر، ونفت علمها به من جهة، وأن رأي قضاة ومستشارين في وزارة العدل قضى بأن إجراءً مماثلاً هو مخالف للقانون من جهة أخرى. وبالتالي، فإن لجان القيد غير مخوّلة الترخيص بانتخاب من سقطت أسماؤهم سهواً. وكل ما كان مسموحاً به للجان القيد فعله بحسب القانون، هو تصحيح الأخطاء في البيانات الواردة ضمن لوائح الشطب. لكن الشكاوى لم تتوقّف في هذا الإطار، وكان الجواب الدائم لقانونيّي وزارتي الداخلية والعدل أن أي إضافة لأسماء على لوائح الشطب تعني مخالفة صريحة للقانون، فيما وصف وزير الداخلية زياد بارود أي إجراء مماثل بأنه «حفلة تزوير»، نافياً في الوقت عينه بشكل قاطع إلى أن تكون أي لجنة قيد قد قامت بإجراء مماثل.
حُسِم الأمر إذاً، وبقيت غرفة العمليات تتلقى الشكاوى التي كانت تعالج بثلاث طرق. الأولى، يتولّاها العقيد سعيد فواز من قوى الأمن الداخلي، إذ يجري اتصالاته بغرفة عمليات الأمن الداخلي لمعالجة أي طارئ داخل مراكز الاقتراع. أما الثانية، فتولاها العميد الركن علي سرور من عمليات الجيش، إذ كان يستقبل الشكاوى المتعلقة بأمن محيط مراكز الاقتراع، ويتولّى معالجتها مع قيادة الجيش. أمّا الطريقة الثالثة فتتعلّق بالشق الإداري، حيث كان رئيس غرفة العمليات يحيله على المدير العام لوزارة الداخلية، الذي يتولّى معالجة أي شكوى مع المحافظين والقائمقامين، فضلاً عن وضع وزير الداخلية في صورة ما يجري لحظة بلحظة.
أما الهيئة المشرفة على الانتخابات، فقد استمرت أمس في تنفيذ ما قامت به في اليوم السابق: توجيه تذكير وتنبيه وتحذير إلى وسائل الإعلام، وخاصة المرئية منها. فبحسب مصادر الهيئة، خالفت 4 قنوات تلفزيونية لبنانية قانون الانتخاب يوم أول من أمس. وعندما أجرت الهيئة اتصالاتها بهذه القنوات لمحاولة ثنيها عن الاستمرار في المخالفة المتمثلة باستضافة سياسيين يتحدّثون عن الانتخابات، أو بإعلان استطلاعات للرأي وتوقّعات، استجابت 3 قنوات، فيما أعلنت الرابعة أن تحذير الهيئة لن يثنيها عما تقوم به. ويوم أمس، كانت الأمور مضبوطة قبل الظهر، إذ تحاشت معظم القنوات تجاوز القانون، بحسب ما أكّد أحد أعضاء الهيئة، لكن الأمور تبدّلت بعد الظهر. فقد بدأت القنوات التلفزيونية تستضيف مرشحين أو مسؤولين إعلاميين وسياسيين وانتخابيين، إلّا أن ما يمكن إدراجه ضمن الحملات الانتخابية العَرَضية جرى تكرار بثه على الشاشات، بحسب أحد أعضاء الهيئة، «مما حوّلها إلى مخالفات للقانون الذي قضى بوقف الحملات الانتخابية منذ فجر السبت الفائت». وعندما بدأت الهيئة تحذّر القنوات التلفزيونية أو تنبّهها، لم تستجب أي منها بعد الظهر. ويشير العضو ذاته إلى أن الهيئة ستعد تقريراً تفصيلياً بالمخالفات، وستقدّمه إلى كل الجهات المعنيّة به، ومنها المجلس الدستوري الذي قد يكون مضمون التقرير جزءاً مما سيستند إليه المجلس خلال النظر في الطعون التي ستقدّم إليه.
أما بالنسبة إلى خطة المرور، فقد تحدّث معنيون بها في وزارة الداخلية عن أن شرطة السير لم تضطّر أمس إلى بذل أي جهد إضافي لفتح الطرقات التي كانت خالية طوال يوم أمس، آملين ألّا ينقلب الوضع اليوم وغداً، مع عودة المواطنين من المناطق والأرياف.
أُقفِلَت الصناديق عند السابعة، لكن إحدى السيدات أبت إلّا أن تتصل بوزارة الداخلية لتشكو شباناً أزعجوها بأبواق سياراتهم. بالطبع، لم تجرِ معالجة هذه الشكوى. فجميع من كان في الداخلية انهمك في محاولة معرفة نسب الاقتراع، وأخذ الجميع نفساً عميقاً. بدوا كمن لا يصدّق أن الانتخابات التي أُجريت وسط انقسام سياسي شديد الحدّة مرت على خير، علماً أن إجراءها كان قبل عدة أسابيع موضع تشكيك عدد كبير من السياسيين والمراقبين.
بُعيد الثامنة، دخل وزير الداخلية زياد بارود إلى غرفة الصحافيين في الوزارة. تحدّث عن نسبة الاقتراع غير المسبوقة، التي وصلت بحسب النتائج الأولية غير الرسمية إلى 52.35 في المئة. ورأى بارود أن إجراء الانتخابات في يوم واحد قد يكون «مدخلاً إلى إصلاحات أخرى يجب أن تدخل إلى نظامنا الانتخابي، وهذا واحد منها حيث ثبت أن اللبنانيين قادرون عندما يقرّرون أن ينفّذوا مسألة بديهية كدول أخرى في العالم فيها ملايين الناخبين يصوّتون في يوم واحد». وأشار بارود إلى أن إجراءات وزارة الداخلية أدت إلى نتائج فعلية لمكافحة «قصة التزوير التي «فقعت» في وجوه اللبنانيين قبل أيام من الاقتراع. واليوم لدينا أعداد قليلة من البطاقات التي لا تتخطى أصابع اليد الواحدة، والأعداد القليلة هذه جرى ضبطها».
انتهى اليوم الانتخابي، ودخل بارود إلى مكتبه منتظراً نتائج لجان القيد، لكنه لم يكن يتوقع أن تكون نتائج الانتخابات كما ظهرت عليه فجر اليوم.



2009-06-08