ارشيف من :أخبار لبنانية

بيـروت الأولى: سياحـة انتخابيـة... و«الطاشنـاق» يفـاجـئ بحشــده

بيـروت الأولى: سياحـة انتخابيـة... و«الطاشنـاق» يفـاجـئ بحشــده
السفير

من بوابة ثانوية لور مغيزل للبنات في الشحروري حيث يقترع الناخبون الأرمن الأرثوذكس والسريان الكاثوليك، تصدح اللغة الأرمنية باكراً في صباح الشارع الضيق الموازي للمدرسة.
يحضر شاب أرمني، يتبين لاحقاً أنه وارطان، ويبدأ بتوزيع القمصان البيضاء التي تحمل شارة الحزب على المندوبين. وبسرعة تتناسل ماكينة الطاشناق لتصبح مؤلفة من عشرات المندوبين.
داخل القلم 58 (ذكور، أرمن أرثوذكس) يدخل المقترعون واحداً بعد آخر. يصرخ رئيس القلم باسم مرشح من آل هوفاغبيان. تبحث عنه المندوبة في ماكينة المرشحة نايلة تويني فلا تجده. بعد تدقيق، تجد الاسم، وتعلق ممتعضة: «الأرمني صعب علي!». ثم تسأل رئيس القلم: «كيف نكشف الهويات المزورة هنا؟» فيطمئنها: «لا تعتلي هم». يدخل ستيني ليقترع. ينادي رئيس القلم باسمه على الملأ من اجل تأكد المندوبين من وجود اسمه على اللوائح. يلتبس الاسم على مندوب القوات اللبنانية بين الستيني وناخب آخر، فيسأل الستيني: «عمرك أربعين سنة عم؟» لكن العم لا يستسيغ سؤاله ويجيبه هازئاً: «بعد ما صاروا». فيضحك السامعون!
لا تجد مندوبة تويني الأسماء على اللوائح بسرعة. تستغرق الكثير من الوقت لإيجادها. يغضب منها مندوب القوات ويعلق: «فليرسلوا أحداً يقرأ الأرمنية!». وعندما يخرج من الغرفة ليدخن سيجارة يطلب منه رئيس القلم الدخول. يرضخ المندوب ويقول:»حتى لا يقولوا أن القوات زعران».
عند الثامنة والربع تصل متأخرة مندوبة «تيار المستقبل» الثابتة إلى القلم 64 (إناث، أرمن أرثوذكس). يطلب منها رئيس القلم تصريحها، وبعدما يتأكد من هويتها يسمح لها بالجلوس إلى جانب زملائها. وفي القلم نفسه ستنتخب الكثير من السيدات الأرمنيات بجوازات السفر.
يقول كيفورك برصومايان، الستيني، إنه متحمس للمشاركة في الانتخاب «لأن هذا واجب وطني». وقد أعطى كيفورك صوته للائحة المعارضة «لأنه في حزب الطاشناق ما في هيك... هيك». يقصد أن الطاشناق يحترم كلمته.
أربعة شبان يحملون السيدة المقعدة كي تنتخب في الطابق الثاني من المدرسة. المدرسة غير مجهزة لذوي الإحتياجات الإضافية. ونسبة المشاركة العالية في الانتخاب واضحة للعيان لا سيما من المغتربين. من بين هؤلاء استيفان أغوبيان، الثمانيني، الذي ينتخب للمرة الأولى في حياته.
ويعيش استيفان في اللاذقية، في سوريا، منذ أكثر من ستين عاماً. والعجوز الهادئ الذي لا يحسن القراءة والكتابة لا يعلم لمن انتخب. فقد أعطاه ابن عمه لائحة ليضعها في المغلف، وهكذا فعل.
في مركز لور مغيزل، سلمت المعارضة «الأرض» لماكينة حزب الطاشناق النشيطة. فبالكاد يمكن رؤية مندوبة واحدة للتيار الحر. أما الموالاة فتوزع مندوبوها فرادى ينسقون بين بعضهم البعض.
تسأل السيدة الخمسينية الممتلئة التي وضعت صليباً ذهبياً كبيراً في عنقها «كلّو روم أرثوذكس؟» ثم تجيب نفسها: «اسم الله!» تصنع شارة الصليب على صدرها. السيدة التي دخلت مدرسة زهرة الإحسان حيث يقترع الناخبون الروم الأرثوذكس ذهلت بمشهد الواقفات في صفوف طويلة وعريضة. هذا الازدحام يبدأ في الباحة ولا ينتهي أمام أقلام الاقتراع. ولاحقاً يسود أكثر من تلاسن بين الناخبات ورجال الأمن، وبين الناخبات أنفسهن، حول الحق بأفضلية الاقتراع.
وفي مدرسة زهرة الإحسان أيضاً لا تجهيزات خاصة بذوي الإحتياجات الإضافية فالنساء المتقدمات في السن سيحملن على الكراسي البلاستيكية ليضعن مغلفاتهن في صناديق الاقتراع. والشاب النحيل سيصعد الدرج وحيداً، على عكازيه، في الازدحام، من أجل أن يصل إلى القلم الذي يقترع فيه.
لن يشفع للمتقدمة في السن عمرها ولا للحامل وضعها الصحي الخاص للهروب من الازدحام والتدافع الذي ينقلب شتائم أمام أقلام الاقتراع.
في القلم 15 (إناث، روم أرثوذكس) كانت 123 ناخبة قد اقترعت من أصل 756 واحدة. وكانت الساعة لم تبلغ الحادية عشرة والربع. علب المحارم التي وزعتها وزارة الداخلية لم تعد كافية لتنظيف الأصابع من الحبر الانتخابي. العلبة تحوي مئتي ورقة فقط والأقلام كبيرة.
ببطء كانت الساعة تسير والناخبات يبحثن عن طريقة تسهل اقتراعهن. حالات إغماء بسبب الحر الشديد وسيارة الإسعاف التابعة للصليب الأحمر ستحضر على عجل إلى باحة المدرسة.
داخل القلم 14 تسأل السيدة إذا كان من الضروري أن تدخل وراء العازل فيجيبها رئيس القلم: «ضروري جداً». أما السيدة التي تقف وراءها فلامت نفسها على انتظار فاق الساعتين وقالت: «الحق علينا، نحنا الغنم!».
وعندما وصل دورها وحاولت أن تعترض لدى رئيس القلم طلب منها هذا الأخير الهدوء حفاظاً على العملية الانتخابية وتسجيل اعتراضها خارج جدران القلم.
«الحمد الله على السلامة» و «مبروك». العبارتان الأخيرتان تسمعان مراراً، تتناقلهما ألسن السيدات مهنئات اللواتي استطعن أن يمارسن حقهن الانتخابي من بينهن.
والازدحام الشديد تسببت به كثافة الاقتراع غير المتوقعة في بعض الأقلام، وبعض الحالات التي كانت تطلب صبراً طويلاً من رئيس القلم. إحدى هذه الحالات سيدة سبعينية دخلت العازل وخرجت منه ثلاث مرات لأنها لم تكن تدري ماذا يتوجب عليها أن تفعل في الداخل. ما اضطر رئيس القلم إلى إعادة شرح الإجراءات لها ثلاث مرات مختلفة وسط تململ الحاضرات.
وفي المركز يلتقي المرشحان عصام أبو جمرا ونايلة تويني فيتبادلان السلام والقبل. وهو الأمر ذاته الذي يحدث بين تويني والمرشح مسعود الأشقر.
عند الواحدة وعشر دقائق كان 248 ناخباً من أصل 647 قد اقترعوا في القلم 76(ذكور، موارنة) التابع لمدرسة الحكمة، حيث يقترع ناخبو الرميل. الازدحام على باب القلم واضح. تختلط الأعمار والألوان السياسية للداخلين. يقرأ رئيس القلم أرقام الهويات بالعربية والإنكليزية ثم يقرأ أسماء الناخبين من بعدها.
وعند التقاطع الذي يودي من المدرسة إلى ساحة ساسين أو لناحية جسر فؤاد شهاب كانت الأعلام الحزبية وأبواق السيارات والأغاني الحزبية تتبارى بين بعضها. وكان الشبان والشابات يوزعون اللوائح الانتخابية على السيارات العابرة. والتقاطع بات نقطة ثابتة مثالية لكاميرات المراسلين المحليين والأجانب.
في ثانوية علي ابن أبي طالب الملاصقة لمسجد بيضون اقترع الناخبون السنة والشيعة واللاتين. عند الرابعة من بعد الظهر كان قد اقترع في القلم 36 (ذكور، سني) 450 ناخباً من أصل 677. وفي القلم 39 (إناث، سني) نحو خمسين بالمئة من الناخبات اللواتي يبلغ عددهن 771 ناخبة.
أما في القلم 52 (ذكور، شيعة) فكان قد اقترع نحو 350 ناخباً من أصل 731. وفي القلم 54 (إناث، شيعي) اقترعت نحو 300 من أصل 760 ناخبة. ومن المفارقات في مركز علي ابن أبي طالب أن المندوبة المحجبة في القلم السني ارتدت قميص نديم الجميل الأحمر «ثابتون اليوم وغداً»، والمندوبة المحجبة في القلم الشيعي اختارت البرتقالي لباساً لها.
2009-06-08