ارشيف من :أخبار لبنانية
فرصة لتسويات ممكنة
سميح صعب - صحيفة الصباح العراقية
الانظار كلها تتجه هذه الايام الى نيويورك. الجميع في انتظار اختراق ما، سواء على الجانب السوري مثلا بحيث تتمكن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن من الاتفاق على مشروع قرار يدعم تنفيذ الاتفاق الاميركي-الروسي في ما يتعلق بازالة الاسلحة الكيميائية السورية، او تحقيق مفاجأة على المسار الايراني فتنعقد قمة اميركية-ايرانية بين الرئيسين باراك اوباما وحسن روحاني، لا سيما بعد الرسائل المرنة التي تبادلها الجانبان في الايام الاخيرة بما اوحى بأن واشنطن وطهران على وشك فتح صفحة جديدة ليس في علاقاتهما فقط وانما في تاريخ المنطقة.
ولان هناك ترابطا بين أزمات المنطقة، فإن اي اختراق على أي منها، يمكن ان يترك انعكاسات ايجابية على الاخرى.
فالرئيس الايراني يعرض وساطته بين النظام في سوريا والمعارضة، ويحاول اقناع الغرب بعدم "حل الحرب بحرب" والالتفات اكثر الى الوسائل الدبلوماسية لايجاد حلول للأزمات.
وليس بعيدا عن الموقف الايراني الموقف الروسي الذي يعد الذهاب الى الحرب خارج قرار مجلس الامن "عدوانا".
لكن ايران وروسيا ليستا وحدهما. فالغرب لا يزال يحمل تفسيرا مختلفا للقضايا الدولية. وليس أدل على ذلك من اصرار باريس ولندن الباحثتين عن دور في سوريا بعدما فوجئا بالاتفاق الاميركي -الروسي في جنيف في 14 ايلول، على ان يتضمن مشروع القرار الذي يعتزم مجلس الامن اصداره اشارة الى الفصل السابع، بينما يتجنب الاميركيون الاشارة الى المطلبين الفرنسي والبريطاني ويكتفون بابداء الرغبة في اصدار قرار "قوي" وكأن في ذلك تورية للفصل السابع، الامر الذي حمل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على اتهام الغرب بـ"ابتزاز" روسيا في ما يتعلق بالشأن السوري والاعلان صراحة ان الغرب "مصاب بالعمى الايديولوجي في ما يتعلق بتغيير النظام في سوريا"، وان هدف الغرب هو الوصول الى الاطاحة بالرئيس بشار الاسد اكثر منه التخلص من الاسلحة الكيميائية؟.
بيد ان هذا الخلاف الروسي-الغربي، ليس مستعصيا الى درجة انعدام افق التوصل الى حل وسط او لغة مشتركة طالما ان واشنطن وموسكو متفقتان على الجوهر، فيما تبدو المزايدة الفرنسية-البريطانية من قبيل البحث عن دور في التسويات الممكنة لأزمات المنطقة.
هكذا يمكن قراءة اللقاء الذي عقده الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وروحاني، وكذلك اللقاء بين وزيري الخارجية البريطاني وليم هيغ ونظيره الايراني محمد جواد ظريف، او اللقاء الذي سيعقد غداً بين الوزير الايراني ونظرائه في مجموعة (خمسة زائد واحد) لمناقشة الملف النووي الايراني.
وعلى الرغم من الايجابيات التي تحملها كل هذه اللقاءات ، يبدو ان واشنطن وموسكو وحدهما القادرتان على التأثير في مجريات الاحداث في الشرق الاوسط، بينما ادوار الاخرين تتسم بين المزايدة من دون امتلاك القدرة على التحكم بمسار الامور. وما يصح على فرنسا وبريطانيا يصح على دول عربية وعلى تركيا، لا سيما بعدما وجدت هذه الدول نفسها خارج اطار التسوية الكيميائية اولا وخارج المسار السياسي الذي يمكن ان يلي المضي في تنفيذ الاتفاق.
ويزداد وضع الدول الاقليمية الداعمة للمعارضة السورية حراجة بعدما سقط رهانها على حرب اميركية تعجل بسقوط الاسد وتريحها تاليا من اعباء الاستمرار في تحمل تكاليف الحرب بالوكالة.
وبعدما تجاوز الاتفاق الاميركي-الروسي توقعات دول اوروبية وعربية واقليمية، بات الشغل الشاغل لهذه الاطراف، تثقيل الاتفاق بالفصل السابع حتى يقال ان موافقتها على اتفاق جنيف الكيميائي اتى ملبياً لشرط اساسي من الشروط التي كانت تطرحها هذه الدول ألا وهو استخدام القوة اذا ما أخل الاسد بنزع سلاحه الكيميائي.
لكن كل ذلك لن يعيق التفاؤل الذي انطلق بعد اتفاق جنيف بامكان التوصل الى مشروع قرار مرض في مجلس الامن والى الاتفاق على موعد لعقد مؤتمر جنيف-2 . وليست الخيارات الموجودة امام المعارضة السورية من الاتساع بحيث تتيح لها الاستمرار في رفض الحضور او ارفاق الموافقة بشروط تعجيزية.
وكانت بداية التراجع اعلان رئيس الائتلاف الوطني السوري احمد الجربا استعداد الائتلاف لحضور جنيف-2 شرط ان يفضي الى حكومة سورية بصلاحيات كاملة.
واذا ما تمكنت واشنطن وموسكو من اقناع طرفي الحرب بأنه بات من الضروري تحديد موعد لجنيف-2 فإن شوطا مهما يكون قد تم اجتيازه على طريق البحث عن تسوية للأزمة السورية.
ومثلما تبدو امكانات الاختراق كبيرة على المسار السوري، فإن الملف النووي الايراني يبدو بدوره قابلا للمعالجة الدبلوماسية اذا ما بدأت اميركا وايران مفاوضات موازية للمفاوضات بين طهران ومجموعة( خمسة زائد واحد)، على ان اسرائيل تبدو الان في اوج قلقها من احتمال حصول تطبيع اميركي-ايراني ينهي الازمة باعتراف غربي لطهران بحقها في تخصيب اليورانيوم عند درجة معينة.
فاسرائيل تريد تدمير البرنامج النووي الايراني بالكامل ولا تريد ان تبقى ايران دولة تتمتع بأي حق من حقوق تخصيب اليورانيوم بأي شكل من الاشكال، ولذلك لم تكن مصادفة عودة اسرائيل الى اطلاق التهديدات ضد ايران.
مهما يكن من امر فإن ايام نيويورك تبدو مفتوحة على احتمالات جدية بتحقيق اختراقات ما على صعيد ازمات بدأ استفحالها يترك ذيوله على الجميع.
واذا كانت علامات التعب ليست بادية على المتورطين في ازمات المنطقة، فإنه من الممكن تلمس ذلك من خلال سلوك هذا الطرف او ذاك او من خلال المواقف المتوترة والمتشجنة التي تظهر عكس ما تبطن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018