ارشيف من :أخبار لبنانية
المتن: صراع ماكينات لم تشهد مثله دائرة أخرى
لذلك، وقبل أن تبدأ الشمس بالتنفّس، كانت الساحات المجاورة لمراكز الاقتراع تشهد وفوداً كثيفاً لشباب لم يجدوا صعوبة في الاستيقاظ باكراً هذا الأحد، فيما النساء «فقدن القدرة على الانتظار، وقرّرن حمل القهوة وترويقة الأولاد إلى هنا، واليوم سنتغدّى نحن والأولاد هنا أيضاً، ولن نعود إلى منازلنا قبل معرفة النتائج». وقبل الساعة السابعة ـــــ موعد فتح الصناديق ـــــ بنحو ساعة كانت الصورة الانتخابيّة شبه مكتملة: سيارات تجوب الطرقات ملوّحة بالأعلام، ومطلقة الزمامير الحزبية، موزّعو اللوائح في أماكنهم، ملاعب مراكز الاقتراع تغص بعشرات ينتظرون أن يفرج رئيس القلم عن الحق المنتظر، والماكينات تترقّب اللحظة الصفر. وبدا منذ الصباح أن الضغط الشعبي سيكون كبيراً، وخصوصاً أن المتن أكبر دائرة مسيحية، يبلغ عدد ناخبيه 170735، يمثّل الموارنة منهم 76,187. كما أن موقع هذه الدائرة الجغرافي في وسط لبنان تماماً وتماسّها مع دائرة زحلة يزيدان من رمزيتها المستمدة أساساً من وجود حياة سياسية حزبيّة تاريخياً فيها.
■ احتفال في عاميّة انطلياس
المتن 3 مناطق هي الساحل والوسط والجرد. في الساحل تمثّل بلدة الجديدة ـــــ البوشرية ـــــ السد ما يشبه العاصمة، سواء من حيث عدد الناخبين أو من حيث التأثير على البلدات المجاورة. هناك، كان أمين سر تكتل التغيير والإصلاح النائب إبراهيم كنعان يواجه 4 خصوم، هم مطران السريان الأرثوذكس جورج صليبا، رئيس بلدية الجديدة المقرب من المر أنطوان جبارة، والمجنّسين غير المقيمين في المتن. رغم ذلك بدت المعركة شبه متوازنة، وبدا كنعان في نهاية اليوم الانتخابي كما في بدايته واثقاً بالفوز بالمقاعد السبعة المتنافس عليها. وبالقرب من الزلقا، افتقد الناخبون طاولة اعتاد رئيس البلدية الملقّب بالشريف وضعها قرب باب مركز الاقتراع ليوصي العابرين «بالالتزام وإلّا». وكان السؤال منذ الصباح في الزلقا عن نوايا الناخبين الأرمن. ليتبيّن أن حزب الطاشناق لم يوزع لوائح كثيرة تحمل اسم المر، وإن أبدل في المتن كله نحو 1500 من لوائحه الموزعة اسم غسان مخيبر بميشال المر، وأبدل في نحو 1500 لائحة اسم غسان الرحباني بالمر، حتى لا يتأثر أي منهما كثيراً، وتبقى حظوظ فوزهما متوازية. مع العلم أن العونيين، في معظم البلدات، كانوا الأكثر حماسة لانتخاب الرحباني.
وفي بلدة جل الديب، لم يسجل تحرك كبير للمطرن رولان أبو جودة، الذي أدّى دوراً أساسياً إلى جانب آل الجميل في الانتخابات الفرعية، ووضع المرشح المنسحب جان أبو جودة نفسه وماكينته في تصرف العونيين. وفي أنطلياس ـــــ بلدة الرحابنة ـــــ تذكّر المرشح غسان الرحباني قبل إدلائه بصوته أن يوم الانتخاب يتزامن مع «عامّية انطلياس حين اتفق الزعماء اللبنانيون على الشراكة»، فيما شهدت المدرسة حشداً كبيراً للناخبين، وتسابقاً إلى التخلي عن الحق المفترض بالاقتراع ومغادرة المركز. ولم يكن معظم عناصر القوى الأمنية لطفاء في حديثهم مع الناخبين، فعندما حاول أحد المسنّين الوقوف في الفيء موضحاً للدركي أن الشمس قاتلة، أتاه الجواب: «إيه، تشمّس، بلكي بتموت ومنرتاح من واحد».
في عوكر، حي زوق الخراب، تزداد كثافة المقترعين، وفي أحد الصفوف يحتشد ثلاثون مندوباً، إضافة إلى رئيس القلم ومساعديه: في جهة يجلس خمسة عشر مندوباً مرتدين الأورانج على خمسة مقاعد، بعضهم تجاوز الخمسين وبعضهم لم يودّع المدرسة إلا منذ سنوات. ويفصل ممر ضيق بين هؤلاء الخمسة عشر والآخرين المرتدين العلم اللبناني، والمزروكين أيضاً في المقاعد الضيقة. وبعد ساعات على انحباسهم جميعاً في «غرفة الشوب» يخفّ التوتر، ويبدأ النقاش السياسي وتبادل وجهات النظر الذي يمهّد لتبادل الطعام حين يكتشف أحد الكتائبيين «أن العونيين أكرم على مندوبيهم رغم ادعائهم الدائم الفقر والزهو».
في بلدة بيت الشعار، صداقة أخرى تنشأ، أبطالها هذه المرة مندوبون من الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخابات وجدوا أنفسهم، رغم تنوّعهم المناطقي، في مجموعة المراقبة نفسها، واستفادوا من هدوء الجبهة في المدرسة التي وضعوا فيها ليتعرّف بعضهم إلى بعض. ويلاحظ في بيت الشعار، كما في غالبية بلدات المتن، أن المسنّين الوافدين إلى مراكز الاقتراع للانتخاب هم أكثر من الشباب. وتقول إحداهن «أنتخب ليكون البلد أجمل، وليعود أحفادي إليّ»، فيما تلوّح زميلتها بعلم الكتائب مردّدة أنها تنتخب انتقاماً ممن حرمونا «طلّة بيار». مع العلم أن هناك دائماً، في غالبية مراكز الاقتراع، ذلك الشاب الذي لا يحق له الانتخاب بعد، وقد وفد إلى مركز الاقتراع وأمه عن يمينه، ووالده عن يساره، محمّلاً إياهما اللائحة التي يريد، يأتي معتزاً: صوتي صوتان، شاء السياسيون أم أبوا. لكن ذلك لا يمكن تعميمه. في بلدة الدوار، تعض إحدى الصبايا على شفتها قائلة: «كل عمري ناشطة مع التيار الوطني الحر، لكن قلقي على مصلحة والدي سيجبرني أن أقترع للائحة ميشال المر كاملة».
بين بيت شباب ـــــ عاصمة القوميين في المتن إلى جانب ضهور الشهوير ـــــ وبكفيا ـــــ عاصمة الكتائب ـــــ خلاف سياسيّ لا تنفع في تهدئته بساتين الزهور الفاصلة بين البلدتين اللتين رغم ترشّح غسان الأشقر عن القوميين، وسامي الجميل عن الكتائب، لم تشهد حركة سياسية كبيرة، واتسمتا بالهدوء. هدوء لم يعجب بعض عناصر القوى الأمنية في بكفيا، وقد كان هؤلاء منذ وصولهم إلى البلدة قبل يومين يتوقعون أموراً مختلفة ومشاكل تخرجهم من الروتين، لكن أحدهم يرى خيراً، وخصوصاً «أن مشاهدة جميلات بكفيا تعوّض كل شيء». وأعلى قليلاً، في بلدة ضهور الشوير، كثافة الاقتراع كانت غير مسبوقة، وفي ساحة البلدة كان ثمة شابان يلوّحان بعلم حزب الله، موضحان لسائليهما عن الغاية من الأعلام أنهما يريدان أن يوضحا للخصم قبل غيره أن «خيار المقاومة يشرّفنا، وأن عنوان المعركة بالنسبة إلينا هو الحفاظ على سلاح حزب الله».
في بتغرين، صور المر وخلفه جبال صنين تملأ البلدة التي احتشدت عند الساعة الأولى ظهراً لتستقبل «دولته» وهو كعادته لا يسمح بأن تطأ قدماه أرض بتغرين، فيجوب بلدته على أكتاف أهلها، الذين لم يحتشدوا لاستقباله بكثافة هذه المرة، وإن كانوا قد اقترعوا بكثافة غير مسبوقة. وفي غمرة الاحتفال بدولته، على إحدى الشرفات، كان صبيّ صغير يقف في الزاوية متمتماً: لماذا يتذمّرون منه طوال الوقت، ثم يبايعونه؟ ولماذا على والدي أن يكون أحد الذين يحملونه بعدما تسبّب له بمصائب؟. ويذكر أن رئيس القلم حيث يقترع المر كان «في منتهى العذاب» حين اقترح على دولته عدم الدخول إلى خلف العازل، وقال له إنه حرّ أن يختار التوقيع بعد الاقتراع أو لا يوقّع. وبدوره لم يكترث أبو الياس كثيراً للقانون، فأدخل معه إلى قلم الاقتراع المرافقين وبعض المناصرين، وصرّح من داخل القلم مخالفاً القانون أيضاً بتوجيه نداءات إلى الناس بالاقتراع.
■ عرض عضلات
كان المتن إحدى الدوائر القليلة التي شهدت تنافس ماكينات: فجراً نصب العونيون خياماً مجاورة لكل مراكز الاقتراع في بلدات المتن الواحدة والتسعين، وعملوا على طريقة الطاشناق، فتوزّع بضعة شبّان فقط أمام مراكز الاقتراع ليتركّز الاهتمام على المنازل، حيث نشطوا منذ الصباح وإلى الساعة الثالثة بعد الظهر في نقل الناخبين من المنازل إلى مراكز الاقتراع، ونجحت الماكينة للمرة الأولى في تنظيم العلاقة بين المندوبين الثابتين والمندوبين الجوّالين الذين كانوا يزوّدون الماكينة المركزية كل خمسين دقيقة بأسماء من اقترع، ومن لم يقترع بعد لتوفد الماكينة المركزية من يحضره من منزله. أما ماكينة حزب الكتائب، فأدّت دوراً أساسياً في بعض البلدات المتنية فقط لا فيها كلها، مفضّلة تقاسم الأدوار مع ماكينة النائب المر. وقد حصل بدايةً بعض التضارب بين ماكينَتي الكتائب والمر لأن بعض الأسماء كانت واردة على لوائح الفريقين. مع العلم أن حضور الماكينة الكتائبية في المتن تاريخي. فيما واجهت ماكينة المر مشكلات كثيرة أولاها عدم اعتياد رؤساء المجالس البلدية والمخاتير القيود التي فرضها عليهم قانون الانتخابات لجهة التعاطي مع الناخبين؛ فيما ثانيتها مفاجأة الماكينة بأعداد كبيرة من الناخبين أبلغتها في اللحظة الأخيرة عدم تأييد المر، وقرارها الذهاب إلى الانتخابات في سيارات العونيين؛ وثالثتها التزام القوى الأمنية وعدد كبير من رؤساء الأقلام بالقانون، وعدم انصياعهم للتهديدات المبطّنة. أما ماكينة حزب الطاشناق، فحالها من حال ماكينة الكتائب في المتن، إذ لديها من الخبرة ما يجعلها تعرف ما لها وما عليها. ويسجّل أن ماكينات الوطني الحر والقومي والطاشناق قدّمت صباحاً عرض عضلات كبيراً، فأحضرت أفواجاً من المقترعين إلى المراكز، ولكن بين الساعة العاشرة والأولى ظهراً عاد حضور ماكينَتي المر والكتائب ليطغى، قبل أن تبدأ ماكينات الطرفين تبادل الفوز بالنقاط من الساعة الأولى ظهراً وحتى السابعة مساءً موعد إقفال الصناديق، فكان الكتائب يحضرون أحداً منهم ليصل العونيون بعد دقائق قليلة بناخب آخر، وهكذا دواليك.
سجّلت في المتن كمية كبيرة من الشكاوى، غالبيتها ضد الأكثرية. فبعد البلبلة التي سبّبها توزيع بعض الشبان المرتدين لباساً برتقالياً لوائح «ملغومة» تضمّ اسم المرشح سامي الجميل أو المرشح سركيس سركيس بدلاً من النائب نبيل نقولا، أتى خبر الأب السرياني الياس العكاري، الذي ادعى لاحقاً أمام مكتب المدعي العام على مسلّحين تابعين للنائب المر بأنهم احتجزوه، واتهم أحد أحبار انطلياس أحد مخاتير البلدة باحتجاز بطاقته.
في النهاية، كاد تطلّع العونيين في اليوم الانتخابي المتني يقتصر على غاية واحدة هي إقصاء أبو الياس، ومنعه من العودة مرة سابعة إلى المجلس النيابي. تحقيق الهدف بدا قريباً في الصباح في ظل دفق الأصوات الأرمنية. لكن لاحقاً بدأ التوازن يعود.
أما الكتائب، فكانوا يتطلّعون إلى استعادة مقعد بيار، وهو هدف بدا صعب التحقق صباحاً لكن سرعان ما تغير المشهد عد الظهر وبدا أن تحقيقه سهل، وربما أكيد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018