ارشيف من :أخبار لبنانية
في انتظار التكليف... ميقاتي رئيس حكومة الأمر الواقع
ميسم رزق - صحيفة "الأخبار"
رُبما هو قدر فريق عمل رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي أن يبقى طويلاً في السرايا. قدرٌ يكفي لأن يُشكّل حافزاً جوهرياً له للعودة إلى نمط عمله، تماماً كما كان عليه في السابق. يكاد يكون متيقناً من أن الفترة التي تفصله عن استحقاق تشكيل الحكومة طويلة. استحقاق يبدو أنه، بحكم الظروف المحيطة به، أقرب إلى حُلم يقظة. حكومة تصريف الأعمال باقية، لا بل تسير بخُطى ثابتة طالما أن فرص تشكيل الحكومة العتيدة ضئيلة. هذه التكهنات، هي أكثر ما يتسامر به فريق العمل الذي يجد نفسه مشتّتاً بين مكاتبه في السرايا ومكاتبه في الشركات الخاصة التابعة لميقاتي. رغم ذلك، مفروض عليه التصرّف عكس الواقع، حتّى لا يُتهم بـ«الصيد في الماء العكر»، مطيعاً أوامر ميقاتي بـ«الاستمرار بالعمل في السرايا على قاعدة لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك»!
فور تكليف الرئيس تمّام سلام تشكيل الحكومة، «ضبضب» الفريق أغراضه على عجل، على أساس أن التوافق حول اسم سلام يعني أن الأمور متجهة نحو تشكيل حكومة سريعاً. لكن العوائق التي اصطدمت بها عملية التشكيل «اضطرت» أعضاء الفريق إلى التزام أماكنهم. أغرب ما في سلوكهم، التزامهم التعليمات «الميقاتية»، حتّى أن أحداً منهم لم يغامر بإعادة بعض أمتعته التي أخرجها، ولا حتى إدخال شتلة من الزهور، حتّى لا يُفسر الأمر وكأنه تشبث بالموقع. هذه الصيغة الظاهرية لا تعكس واقع السرايا كما هي، باعتراف الجميع هناك، حتّى المقرّبين من الرئيس ميقاتي فـ«حكومته تصريف أعمال في الشكل، أما في المضمون فقائمة وفعلية».
تبدو السرايا شبه خالية، مع غياب ميقاتي الذي استأنف نشاطه مساء أمس إثر إجازته العائلية. باب مكتبه الكبير مغلق، بانتظار الاجتماعات الأمنية والإدارية التي تعقد اليوم، والتي جعلت من فريقه يتهيب لدورة جديدة من العمل المتواصل. حتّى مع غياب جدول الأعمال عن جلسات لا تُعقد، لا تتوقف الاتصالات الداخلية بين الموظفين للاستفسار عن ملفات عالقة، لا تدخل في إطار الأعمال التصريفية، أبرزها موضوع المساعدين القضائيين وكتّاب العدل.
في الداخل تسير الأمور بشكل طبيعي، بغض النظر عن التجاذبات في الشأن الحكومي. وإن كانت الإشاعات تتمحور حول الحديث عن إعادة تعويم حكومة ميقاتي أو إعادة تسميته للتكليف بدلاً من سلام. «لا أصداء لهذا الجو في السرايا» بحسب مقربين من رئيس الحكومة المستقيلة. بالنسبة إلى ميقاتي، الأمر بات محسوماً، ومع أن الدخان الأبيض غدا بعيداً، لا يزال يُشدّد أمام كل زوّاره على أهمية التشكيل في أسرع وقت. لدى سؤاله، من قبل المقربين منه، عما إذا كان كلامه عن ابتعاد الدخان الابيض نابعاً من تمنٍّ شخصي أو مبنياً على معطيات، يؤكّد أن الموقف «مرتبط بالإثنين معاً». قبل ذهابه إلى إجازته، تكّلم ميقاتي مع مقربين منه، بحسب ما أكدت مصادره، عن «وجود معطيات تؤكّد أن تشكيل الحكومة بات قريباً جداً، وهي عبارة عن معلومات استقاها من حديثه مع رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قبيل سفره إلى نيويورك».
وبين التمنيات والمعطيات، يقف ميقاتي بعيداً عن خط الإتصالات والمشاورات «كي لا يفهم تحركه وكأن تعدٍّ على صلاحيات الرئيسين». يريد ميقاتي الوقوف على الحياد لا على الهامش، وهو الأمر الذي يترجمه في حديثه مع كل من يزوره محاولاً فتح باب النقاش الحكومي. هذا ما حصل مع رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة الذي قصد مكتب ميقاتي منذ ما يقارب الأسبوعين، إذ قطع الأول على الثاني الطريق لمحاولته فتح جدال في شأن موقف ميقاتي من المشاورات الحاصلة، طالباً منه الذهاب إلى «تمّام بيك والحديث معه. أما غير المألوف فهو رفض ميقاتي الدخول في تفاصيل عملية التشكيل حتّى مع رئيس الحكومة المكلّف. منذ فترة، إتصل سلام بميقاتي طالباً لقاءه، فما كان من الأخير الا أن دعاه وزوجته إلى العشاء في منزله. لم تكن وقتها الوجبة «حكومية»، ولا دسمة، إذ تحاشى ميقاتي تبادل وجهات النظر معه في شأن العراقيل التي تقف سداً منيعاً أمام نجاح مهمّته، فكان اللقاء «أقل من عادي».
يتصرف نجيب ميقاتي من منطلق «ما لقيصر لقيصر وما لله لله». يترك الجميع أمام مسؤولياتهم في ملف تشكيل الحكومة، ويتصرف هو في «سراياه»، مصراً على المضي قدماً كما يُجيز له الدستور، أو أكثر. يستقبل ويودّع، ويصدر البيانات. يُصرّف الأعمال، بغض النظر عن أي طارئ على المستوى السياسي. الأكيد أنه «لا يريد عقد جلسات استثنائية»، مع العلم أن المقربين منه يحاولون إقناعه بالتراجع عن هذا القرار «فلا يجوز للحكومة الاستمرار في تصريف الأعمال، ولا سيما أن أحداً لم يحسب حساب أن تطول مدّتها، في وقت تنام فيه الملفات المعنية بشؤون الناس في الأدراج».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018