ارشيف من :أخبار لبنانية

«إيجابيّات» نيويورك شكليّة لكنّها مهمّة

«إيجابيّات» نيويورك شكليّة لكنّها مهمّة

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

الأجواء التي رشحت عن نيويورك وتضمّنت اعتذار الرئيس الإيراني حسن روحاني عن الاجتماع بنظيره الاميركي باراك أوباما أدّت إلى انكماش الأجواء التفاؤلية التي سادت خلال الاسابيع الماضية، وتحديداً منذ التوصّل الى الاتفاق الاميركي- الروسي حيال ملف الكيماوي في سوريا.

وإذا كان واقعياً خفض منسوب التفاؤل بعض الشيء، إلّا انه من الخطأ العودة الى الأجواء التشاؤمية. ذلك ان ما تحقق في نيويورك هو تكريس "فض اشتباك" في الشرق الاوسط بين واشنطن وطهران، وهو ما أعلنه صراحة أوباما في كلمته عندما تحدث عن قناعة إدارته بعدم الانخراط في اي مشاريع حربية.

في المقابل، اعطى روحاني موقفاً مهماً ولو أنه يبقى في اطار الشكليات، حين اعترف في حديث مع شبكة "سي. أن.أن" بالمحرقة النازية في حق اليهود وهو ما كان يرفضه بالمطلق سلفه احمدي نجاد. طبعاً تبقى هذه الإيجابيات في اطار الشكل لا المضمون ولكنها تشكّل خطوة مهمة الى الأمام.

أمّا لماذا تمنّع روحاني عن الاجتماع بأوباما؟ فهو قال في كلمته إنّ بلاده دولة كبرى في الشرق الاوسط ويجب معاملتها على هذا الأساس. أي أنه يطلب اعترافاً مسبقاً وثمناً ملموساً، لا ان تترك هذه المسائل بشكل ملتبس وغامض لمراحل لاحقة، اي أنّ روحاني مارس الاسلوب التفاوضي المعروف بأنه "يعلّ النفس"، وعلى طريقة البازار او التجار الايرانيين، فيما يعتقد ديبلوماسيون اوروبيون بأنه جاء نتيجة ضغط الجناح المتشدّد والحرس الثوري.

لكن ذلك قد لا يمنع من ترتيب "لقاء صدفة" بين الرئيسين وطرح السلام وربما تبادل الحديث لبضع دقائق، يحتاجه الرئيس الاميركي لتسويقه داخلياً ووضعه في رصيده السياسي. ولكن هذا يعني ان ظروف انعقاد مؤتمر "جنيف- 2" لم تنضج بعد، وأنه قد لا يكون قريباً.

والواضح أيضاً انّ ثلاثة أطراف ستعمل للخربطة على الخط الضعيف المفتوح بين واشنطن وطهران:

- الجماعات الإسلامية المتشدّدة التي ستكون اول نقطة تفاهم بينهما، وذلك من خلال تصعيد نشاطها الأمني.

- إسرائيل التي تبدو متضرّرة من أي تقارب قد يحصل لأنّ الحاجة الاميركية الى دورها الكبير في المنطقة ستتراجع.

- الدول الخليجية التي تخوض مواجهة عنيفة مع التمدّد الإيراني في المنطقة وتوسّع نفوذ طهران، إضافة الى الصراع الايديولوجي والعقائدي.

وقد كان واضحاً تصعيد المتطرفين على الأرض عشية انعقاد الهيئة العامة للامم المتحدة، إن في سوريا أو حتى في اليمن. وفي إسرائيل غلبت مواقف التشكيك بإيران التي "تراوغ"، أما في العواصم الخليجية فصدر كلام واضح عن أنّ الثورة اندلعت في سوريا لإزاحة النظام وليس لإيجاد حلّ لـ"الكيماوي".

فأوباما تحدّث بكثير من الالتباس عن مصير الرئيس بشار الأسد. فهو قال من جهة ان من قتل شعبه لا يمكن ان يستمر في السلطة، ولكنه عاد واعتبر انّ الشعب السوري وحده يقرّر من يحكمه... وبالتأكيد فإنّ الالتباس يبقى مقصوداً.

لذلك تبقى زيارة روحاني الى السعودية مهمّة ومعبّرة على رغم انّ الأجواء التي واكبت اجتماعات الامم المتحدة لا توحي بالكثير.
وتتوقع الكواليس الديبلوماسية نتائج مشابهة لما حصل في نيويورك. أي "فض اشتباك" وتحقيق خطوات في الشكل وترك المشاكل المعقدة من دون حلول، او مؤجلة لتواصل لاحق.

وتقول المعلومات انّ روحاني سيحمل معه "هدايا" الى القيادة السعودية التي لن تتزحزح عن معارضتها بقاء الأسد كمدخل لتحجيم الدور الايراني في المنطقة. ربما سيقدّم روحاني معلومات أمنية تفيد الاستقرار الأمني السعودي ولا سيّما بعد ما يحصل في اليمن. معلومات قد تساعد في القبض على خلايا متطرفة تتابعها ايران وتقوم بأنشطة ارهابية في شبه الجزيرة العربية. وهذا بالطبع سيكسر من برودة اللقاء لكنه لن يزيل الغيوم الكثيفة المكدّسة في سماء العلاقة بين البلدين.

ولم يكن من باب المصادفة ان يلقي الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله كلمة مدروسة جداً يعلن فيها عن اكتشاف هوية منفّذي جريمة الرويس، وفي مكان آخر يأتي على ذكر السعودية بعبارات جافة وسقف مرتفع. هو لم يربط بين الفقرتين لكن الخيوط المتشابكة كانت واضحة. ذلك أنّ الملفات الثقيلة ستكون حاضرة الى جانب "الهدايا" الصغيرة. ملفات العراق وسوريا ولبنان والخليج.

واشنطن راهنت على الضعف الذي يصيب الاقتصاد الايراني نتيجة العقوبات المفروضة، لكنّ طهران كانت قد حسبت "لليوم الأسود" فاشترَت الذهب من روسيا ليكون الاحتياطي القوي لها أيام الشدة. وهناك من يقول انّ احتياطي الذهب الايراني يبلغ نحو مئة مليار دولار أميركي.

في المقابل، تراهن طهران على الحمل الثقيل الذي باتت تئنّ تحته الرياض والذي بات اكبر من قدرة اقتصادها، فهناك الدعم للبحرين ولليمن الذي يشكل الخاصرة الامنية الرخوة للسعودية. والأهم من ذلك، هناك المشروع الكبير في مصر لضرب الاخوان المسلمين ومنعهم من التمدد لاحقاً الى الشارع السعودي.

كما انّ هناك العراق السنّي المشاكس للحكومة الموالية لطهران. والحرب الدائرة في سوريا تحتاج للكثير من الاموال والاعتمادات وكذلك الساحة اللبنانية واستقرار الاردن والمواجهات تطول وستطول كثيراً وهي تشتدّ وتحتاج للمزيد من الاموال.

ولكن ماذا سيعني ذلك بالنسبة الى لبنان؟

النتيجة واضحة، استمرار المراوحة وعدم الوصول الى حل حاسم ينعكس انفراجاً. لكنّ اللبنانيين على مختلف فئاتهم قادرون على استغلال حال الصدمة الايجابية التي ستنتج عن لقاء روحاني بالملك السعودي، اي ان يستفيدوا من الايجابيات "الشكلية" التي ستظهر وأن يعمدوا بهدوء وواقعية الى انقاذ التحلل الذي يدهم الدولة اللبنانية، فالمعركة في المنطقة طويلة لا بل طويلة جداً، ومن يراهن على تبدلات جذرية وحاسمة إنما يمعن اكثر فأكثر في خطأ التقدير.
2013-09-26