ارشيف من :أخبار لبنانية

«تسوية كبرى» يبدأ تنفيذها صيف 2014

«تسوية كبرى» يبدأ تنفيذها صيف 2014

طارق ترشيشي - صحيفة "الجمهورية"

لم ينطلق رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في مبادرته الحوارية من فراغ، وإنّما بناها على معطيات توافرت لديه حول مسار ومصير التطوّرات التي تشهدها المنطقة في ضوء الحراك السياسي والديبلوماسي الإقليمي الدولي في شأنها، وهو حراك لا بدّ أن يؤدي في النهاية إلى تسوية كبرى مهما طال الزمن، ومهما تصاعدت الأزمات الإقليمية، فلا حروب دائمة ولا أزمات دائمة أيضاً.

مبادرة برّي ذات الأيام الحوارية الخمسة التي تنصّ عليها، تنطوي على دعوة غير مباشرة للافرقاء السياسيين في 8 و14 آذار إلى اقتناص هذه الفترة الزمنية القصيرة والسريعة، للتوصل الى إدارة الأزمة في حال تعذّر التوافق على حلول ناجعة وسريعة لها. والعجلة التي قصدها برّي هنا من خلال هذا الحوار الخماسي الايام، هي إبطال ذرائع البعض القائلة بأنّ هذا الحوار لن يجدي نفعاً، او أنّه لن يثمر، وأنّ مصيره سيكون شبيهاً بمصير الحوارات السابقة، أو انّه سيكون "مضيعة للوقت" حسب تعبير بعضٍ آخر من السياسيين.

وغاية برّي من حصر الحوار بأيام معدودة ايضاً، هي إشعار الجميع بضرورة تحمّل المسؤولية والعمل على إنتاج حلول سريعة للقضايا الخلافية، من جهة، وإشاعة أجواء سياسية إيجابية في البلاد من شأنها إنهاء حال التشنّج الطائفي والمذهبي السائد من جهة ثانية، ما يساعد على تحقيق الاستقرار الامني، لأنّ ما يشهده لبنان من قلاقل أمنية وتفجيرات من حين الى آخر، سببه هذا التشنّج الذي تفاقمه تداعيات الأزمة السورية وغيرها من الأزمات الاقليمية التي نجمت من "الربيع العربي" الذي تحوّل خريفاً في بعض الدول وبات يهدّد بحروب اهلية فيها، بل إنّ بعض هذه الحروب قد بدأ بالفعل.

ولكنّ الأبعد من الايام الحوارية الخمس هذه، معطيات ربّما يكون برّي بنى عليها مبادرته، وهي تتصل بمستقبل الوضع في المنطقة خصوصاً، والوضع الدولي عموماً، فقبل المبادرة كان الرجل يردّد في كلّ مناسبة أنّ هناك فرصة ثمينة متاحة للبنانيين لكي يحققوا سيادتهم الفعلية وقدرتهم على القرار والاختيار في شؤونهم من دون تدخّل الآخرين على جاري العادة منذ الإستقلال عام 1943 على الأقل، ويؤكّدوا حرّية قرارهم في ظلّ انشغال العالم القريب والبعيد عنهم، وعليهم المبادرة، حتى إذا نجحوا فإنّهم يلاقون المتغيّرات الاقليمية والدولية بموقف موحّد يجنّب لبنان ايّ تداعيات او عواصف.

وقبل المبادرة، كان برّي، الذي رعى حوار 2006 الشهير، يدعو دوماً إلى الحوار ويحضّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على الدعوة الى طاولة حوارية، مؤكّداً أنّ من لا يحضرها الآن، يلتحق بها لاحقاً، لأن ليس من عاقل يستطيع رفض الحوار الى ما لا نهاية، وأنّ الحوار يبقى الافضل للبنانيين حتى ولو لم يحقّق نتائج سريعة، فبمجرّد جلوس المتخاصمين على الطاولة يتغيّر المناخ السياسي في البلاد من السلب الى الايجاب، فيتبدّد التشنج، او على الاقل ينحسر، ليساعد المتحاورين لاحقاً على النقاش في مناخات غير ضاغطة كي يتوصّلوا إلى التوافقات المطلوبة حتى ولو طال انتظارها.

وقبل مبادرة برّي لم يكن هناك التهديد الاميركي ـ الغربي بضرب سوريا الذي بدّدته المبادرة الروسية الكيماوية الأخيرة (وإن كان البعض يقول إنّها أجّلته ولم تبدّده) وفتحت الآفاق امام حلّ سياسي للأزمة السورية اللصيقة بلبنان عبر مؤتمر جنيف ـ 2 الذي تنشط الديبلوماسية الروسية والاميركية الآن لعقده الشهر المقبل بين ممثلي النظام والمعارضة.

وقبل المبادرة أيضاً، بل منذ الأشهر الأولى للأزمة السورية، حذّر برّي من خطر النزوح السوري الى الأراضي اللبنانية في ظل انعدام الامكانات اللبنانية وشح الدعم الدولي لاستيعابه، ما قد يضع لبنان مستقبلاً في مواجهة مشكلة نزوحين، أو لجوءين: اللجوء الفلسطيني القائم منذ عشرات السنين، واللجوء السوري المستجد. ولكن الحاصل ان عدد النازحين السوريين بلغ حتى الآن نحو مليون ونصف مليون نازح، والحبل على الجرار..

وقبل المبادرة الحوارية كانت لبرّي مبادرات لتسهيل تأليف الحكومة العتيدة، الى درجة انه أعلن انّ مطلب "الثلث المعطل" لم يعد موجوداً، وما على المعنيين بتأليف الحكومة إلّا مفاوضة أطراف فريق 8 آذار "بالمفرّق" في اطار تأليف حكومة تضمّ 24 وزيراً أو 30 وزيراً اذا اقتضى الأمر، الى ان كان له أخيراً اقتراح بأن يكون له احقية تسمية "وزير وسطي" ضمن "الكوتا" الوزارية الوسطية التي تتكوّن من 8 وزراء يسميهم كل من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تمام سلام ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، فكان ردّ المعنيين بالتأليف وفريق 14 آذار رفضاً لهذا "الوزير الوسطي" لأنه سيكرّر، في رأيهم، تجربة "الوزير الملك" في حكومة الرئيس سعد الحريري التي سقطت بفعل استقالة هذا "الملك" الى جانب وزراء فريق 8 آذار العشرة مطلع العام 2011.


وكان رد قوى 8 آذار في المقابل أنها تعتبر ان الرئيس المكلف الذي سمّته قوى 14 آذار"ليس وسطياً"، وانّ مَن سيسميهم وزراء ضمن "الكوتا" الوسطية، لن يكونوا وسطيين ايضاً، وانما سيكونون "قيمة مضافة" الى حصّة فريق 14 آذار المكوّنة من 8 وزراء ما يجعلها تمتلك أكثر من "الثلث المعطل" الذي تريده 8 آذار.

كل هذه الطروحات اثمرت إبقاء البلاد حتى الآن بلا حكومة دستورية في ظل استمرار الحكومة المستقيلة في تصريف الاعمال، بغضّ النظر عما طرح من "فيتو" على مشاركة "حزب الله" في الحكومة، والذي غضّ الطرف عنه في الآونة الاخيرة، ما ادى الى استبعاد طروحات "حكومة الامر الواقع" و"الحكومة الحيادية" وقبلهما "حكومة التكنوقراط" وغير ذلك من التسميات.

الى ان عاد الحديث قبل ايام عن حكومة 8+8+8، او حكومة "لون واحد" يراد تأليفها حتى إذا لم تنل ثقة مجلس النواب تخلف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في تصريف الأعمال.. لكن خطوة من هذا النوع قد تكون غير مأمونة الجانب لأنّ وزراء الحكومة المستقيلة قد لا يسلّموا وزارتهم لحكومة لا تنال الثقة النيابية، ما يجعل البلاد أسيرة حكومتين في انتظار "الفرج أو الإنفراج الاقليمي والدولي" الذي يتوقعه كل فريق ان يكون لمصلحته، او متلاقياً مع توجّهاته ولمصلحة تحالفاته الداخلية والخارجية.

أحد السياسيين البارزين الواسعي الاطلاع يستبعد انزلاق المعنيين الى حكومة 8+8+8 او حكومة "لون واحد"، لأنهم، في رأيه، يدركون مدى خطورة مثل هذه الخطوة على مستقبل البلاد، وتالياً على مستقبلهم السياسي أنفسهم، حتى ولو برّروا هذه الخطوة بأنهم يريدون ضمان عدم حصول فراغ في السلطة في حال حان موعد استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية ولم يتم انتخاب رئيس جديد.

ويجزم هذا السياسي، استناداً الى معطيات اقليمية ودولية توافرت لديه، بأنّ رئيساً جديداً للجمهورية سينتخب في أيار 2014، سواء تألفت حكومة جديدة او لم تتألف، لأن مجلس النواب هو مَن ينتخب هذا الرئيس أولاً وأخيراً.

ويضيف ان المبادرة الروسية في شأن السلاح الكيماوي السوري والتي أنهت الحرب التي كانت الولايات المتحدة الاميركية تنوي شنّها ضد نظام الرئيس بشار الاسد، هي احد ابرز بنود تسوية اقليمية ـ دولية كبرى توصلت اليها موسكو وواشنطن وتم تتويجها في اللقاء الذي انعقد بين الرئيسين الاميركي والروسي باراك اوباما وفلاديمير بوتين على هامش قمة "مجموعة العشرين" الاخيرة في سان بطرسبرغ الروسية.

ويعتقد السياسي نفسه، انّ ابقاء البلاد بلا حكومة والرهان على التطورات الاقليمية والدولية لم يعد يجدي، وبات المطلوب تحضير لبنان لملاقاة التسوية الاميركية ـ الروسية لتمكينه من الافادة منها لكي لا تأتي على حسابه في بعض جوانبها.

ويؤكد السياسي اياه، استناداً الى معلومات من مصادر معنية، انه لم يعد هناك من امكانية لتدخل عسكري اميركي ـ غربي في سوريا، بل يجزم انّ التهديد الأخير بضرب سوريا، ربما كان من "عدّة الشغل" التي انتجت المبادرة الروسية في شأن وضع السلاح الكيماوي السوري تحت الرقابة الدولية، وأنتجت بالتالي التسوية الاميركية ـ الروسية التي ستظهر بنودها تباعاً في قابل الايام والاسابيع والاشهر، وسيكون منها تسوية للملف النووي الايراني، وانفراج في العلاقات الاميركية ـ الايرانية، وكذلك في العلاقات الايرانية ـ الخليجية عموماً والعلاقات السعودية ـ الايرانية خصوصاً، علماً انّ انفراجات حصلت، أو بدأت، في العلاقات الايرانية ـ الاوروبية دشنها لقاء الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ولقاء وزير الخارجية الايرانية الايراني محمد جواد ظريف مع نظيره البريطاني وليم هيغ، وهناك حديث عن لقاءات اميركية ـ ايرانية رفيعة ربما تنعقد في وقت ليس ببعيد في طهران او واشنطن.

غالب الظن ان تنفيذ بنود التسوية الاميركية ـ الروسية الكبرى التي ستشمل كل الملفات العالقة في المنطقة، سيكون مقروناً بضمانات عملية متبادلة بين واشنطن وموسكو، بحيث انّ كلا منهما يضمن موافقة حلفائه على هذه البنود والتزامهم تنفيذها، تماماً مثلما تؤكد موسكو حالياً انّ النظام السوري سينفذ إلتزامه وضع ترسانته من السلاح الكيماوي تحت الرقابة الدولية.

ويؤكد هذا السياسي على انّ المدى الزمني لإنجاز هذه التسوية وتطبيق بنودها سيكون مطلع الصيف المقبل، بدءاً من سوريا، خصوصاً اذا انطلق مؤتمر جنيف ـ 2 في الشهر المقبل.
2013-09-26