ارشيف من :أخبار عالمية

البحرين من جنيف... مروراً بستراسبورغ... إلى نيويورك

البحرين من جنيف... مروراً بستراسبورغ... إلى نيويورك
عبد النبي العكري - صحيفة الوسط البحرينية

«نحن نرفض فكرة أن هذه المبادئ (حقوق الإنسان) غربية وتتعارض مع الإسلام أو العالم العربي ونحن نعتقد أنها حق لكل شخص، وعلى رغم أننا ندرك الجهود المبذولة لفرض الديمقراطية عن طريق القوة العسكرية وعلى رغم أننا في بعض الأحيان سنتهم بالنفاق والتناقض إلا أننا ملتزمون تجاه المنطقة ولمدة طويلة، ونعلم أن العمل من أجل الحرية والديمقراطية شاق ويتطلب جيلاً كاملاً. وتشمل الجهود التي نبذلها حل التوترات الطائفية التي لاتزال تظهر على السطح في أماكن مثل العراق والبحرين وسورية»... هذا ما قاله الرئيس باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، حليفة مملكة البحرين، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلثاء (24 سبتمبر/ أيلول 2013).

وقبل أسابيع خرج علينا وزير حقوق الإنسان في مملكة البحرين صلاح علي، مراراً وتكراراً ليؤكد لنا ويقسم بأغلظ الإيمان أن ملف حقوق الإنسان في البحرين ليس مطروحاً البتة أمام الدورة الـ 24 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، فكيف به في نيويورك. لكن صلاح علي مثل في ذلك فعل حكومة البحرين، التي تدفن رأسها في الرمال ليس لأنه لا توجد انتهاكات يومية ومنهجية لحقوق الإنسان، لكن الوهم الذي يعيش فيه البعض، وهو أنه مادامت تنكر هذه الانتهاكات، وتشيع أن البحرين جنة حقوق الإنسان، وتقوم شركات العلاقات العامة بالترويج إلى أن البحرين ترعى حقوق الإنسان، وضمانها دستورياً وقانونياً، هو ما يحسدها عليه الكثير من الدول الحاقدة والمنظمات الحقوقية الدولية الموتورة، والمنظمات والشخصيات الحقوقية، وتلك العميلة لجهات خارجية... فإن المجتمع الدولي من دول وهيئات دولية ومنظمات حقوقية عالمية، والرأي العام سيصدقها، واضعاً عقله في ثلاجة.

وفجأة تم تكليف الوزير صلاح علي برئاسة وفد إلى جنيف مشكل من مختلف الوزارات المعنية، وبه مستشارون حقوقيون، تسبقه حملة ترويج في أجهزة الإعلام، ومن قبل مكاتب العلاقات العامة على امتداد العالم ومصحوباً بوفد يشتمل على أشخاص من ذوي العيون الزرق.

سبق الوزير الجميع إلى جنيف قبل بدء دورة مجلس حقوق الإنسان، وبدأ سلسلة اجتماعات مكثفة مع السفراء الغربيين والشرقيين، كما طلب الاجتماع مع المفوضة السامية لحقوق الإنسان، والتي أحالته إلى نائبتها. كما استنجد الوزير بسفراء الدول الشقيقة في دول مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. لكن المفاجأة جاءت في افتتاح الدورة الـ 24 للمجلس في 9 سبتمبر/ أيلول 2013، حيث جاء خطاب المفوضة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي، تلك الشخصية المرموقة ذات السجل الحافل في مقاومة النظام العنصري في جنوب إفريقيا، والقاضية المؤتمنة، خطاباً واضحاً في التطرق لانتهاكات حقوق الإنسان في البحرين، ومطالبة السلطات بالوفاء بالتزاماتها بقرارات مجلس حقوق الإنسان الـ 158 التي قبلتها على الأقل وقرارات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصى الحقائق (تقرير بسيوني).

وقبل أن يفيق الوفد الحكومي من الصدمة جاء بيان الدول السبع والأربعين، ومن بينها حلفاء البحرين مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، والذي ألقاه سفير سويسرا (الذي اجتمع به الوزير صلاح علي قبل يوم من ذلك). وفي هذا البيان عبرت الدول السبع والأربعون عن قلقها لأوضاع حقوق الإنسان مطالبة أيضاً حكومة البحرين بالوفاء بالتزاماتها والدخول في حوار جاد يخرج البلاد من أزمتها.

وكأن ذلك لا يكفي صدر قرار البرلمان الأوروبي في جلسة عامة عقدها يوم الخميس (12 سبتمبر/ أيلول 2013) في ستراسبورغ، حول حقوق الإنسان بالبحرين، أعرب فيه عن أسفه للإجراءات التقييدية للحريات الأساسية، وحث فيه حكومة البحرين على «احترام الحق المشروع للمواطنين البحرينيين للتعبير عن آرائهم بحرية، وتنظيم التجمعات والتظاهر السلمي». كما طالب أعضاء البرلمان الأوروبي في قرارهم بـ «وضع حد فوري لجميع أعمال القمع، وإطلاق سراح جميع سجناء الرأي، واحترام حقوق الأحداث، وأن تلتزم السلطات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان»، مطالباً (الاتحاد الأوروبي) باتخاذ موقف جراء ذلك. كلنا يعرف رد الوزير بالمسارعة بالقول إن كل هؤلاء ليست لديهم المعلومات الصحيحة، فأوضاع البحرين عكس ما يقولون مزدهرة ولها ضمانات دستورية وقانونية، وكأن هذه الدول تعيش في المريخ... ثم عاود نغمة مهاجمة المنظمات الحقوقية الدولية ذات الأغراض الخبيثة.

أما في البحرين فقد توالت الإجراءات ضد منظمات المجتمع المدني المستقلة بتفعيل القوانين التعسفية مثل المتعلقة بجمع الأموال، وممارسة من يعتبر منظمات غير مشروعة لأية نشاطات وملاحقتها بكل السبل، والتلويح بقانون مكافحة الإرهاب ضد المجتمع المدني المستقل. وعلى الأرض تصاعدت حملات التنكيل بحيث طالت القيادات بعد أن كانت محصورة بالكوادر والنشطاء، حيث جاء اعتقال نائب الأمين العام لجمعية الوفاق خليل المرزوق، والضغط المستمر حالياً لإبعاد الشيخ حسين نجاتي عن وطنه بعد أن جرى نزع الجنسية عنه ضمن 31 مواطناً، والاعتداء على جمعية الوفاق الذي وثقته كاميرات المراقبة حول مبنى الجمعية، ومنع اجتماعات المعارضة السلمية، وغيرها من العمليات القمعية، لتظهر استخفاف البعض بما عبر عنه المجتمع الدولي في جنيف، بل إن بعضهم علق على وثيقة بيلاي وبيان الدول الـ 47 بالقول: «بلوها واشربوا مايها».

ومن الواضح أن الحكومة تمضي في تجاهل مطالب شعب البحرين ومطالب المجتمع الدولي الذي أضحى مقتنعاً بعدالة وسلمية ومعقولية مطالب شعب البحرين.

إن خطاب أوباما أمام كل العالم لا يمكن تخطيه بالأساليب العدائية ذاتها، وذكر البحرين مع العراق وسورية، والحديث عن التوترات الطائفية إنما هو بسبب الإعلام الحكومي الذي ركز موضوعات الطائفية، وحتى أن الوزراء والمسئولين لديهم تصريحات موثقة تقول إن المشكلة في البحرين «طائفية»، وإنهم لا يستطيعون حل مشكلة عمرها 1400 سنة... والآن عندما ذكر أوباما البحرين في سياق الحديث عن «التوترات الطائفية» انهالت التصريحات الرسمية لتقول إن البحرين جنة التسامح بين الأديان، وإن تاريخ البحرين يشهد أنه لم تكن ولن تكون مرتعاً لتوترات طائفية، لكن ألم تسألوا أنفسكم لماذا إذاّ روجتم منذ مطلع 2011 بأن المشكلة في البحرين «طائفية»؟ أليس هذه نتيجة سياستكم الخاطئة وإعلامكم وشركات علاقاتكم العامة؟

نأمل من البعض أن يكون قد استنتج الدرس الصحيح في أن هناك إجماعاً وطنياً ودولياً لإخراج البلاد من مأزقها وهذا لصالح الجميع فلا تفوتن الفرص فهي تمر مر السحاب.
2013-09-27