ارشيف من :ترجمات ودراسات

إفلاس الولايات المتحدة: ديترويت أو مستقبل أوروبا

إفلاس الولايات المتحدة: ديترويت أو مستقبل أوروبا
أوليفييه بيرلاندا
2 سبتمبر / أيلول 2013
عن موقع interinfo


تشكل مدينة ديترويت التي سحقتها الحقبة الصناعية مؤشراً على السياسات الرأسماليةـ الإشتراكية التي ستقود إلى الباب المسدود قسماً كبيراً من البلدان الأوروبية. لنلق نظرة على ديترويت المنكوبة وعلى ما ستؤول إليه أوروبا الغد.
الفصل الأول، الفترة بين 1930 - 1950
عرفت ديترويت نهوضاً صناعياً غير مسبوق في التاريخ. فقد تحولت خلال بضعة عقود إلى مدينة ضخمة يسكنها مليونان من البشر، وذلك بفضل ثلاث من الشركات العملاقة لصناعة السيارات: كرايزلر، فورد وخصوصاً جنرال موتورز. وأحاطت هالات التمجيد بهنري فورد الذي قدم على أنه أبو الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة.
إفلاس الولايات المتحدة: ديترويت أو مستقبل أوروبا
مدينة ديترويت ..افول نجمها
خمسة آلاف مهاجر من أوروبا كانوا يصلون يومياً إلى محطة ميتشيغان للقطارات التي أصبحت بذلك رمز الازدهار في الولايات المتحدة. وجسدت ديترويت "الحلم الأميركي" خصوصاً بالنسبة للطبقات الشعبية المكونة من السود الأميركيين القادمين من مناطق الجنوب الريفية.

الفصل الثاني : مهمشون وغير متكيفين


ومع هذا، فإن النمو السريع للمدينة أفرز شريحة من السكان المهمشين وغير المتكيفين. وكان أكثر هؤلاء من السود الذين التحقوا حديثاً بالحياة المدينية، ولكنهم لم يتمكنوا من الاندماج اقتصادياً في مدينة كانت تشهد، مع ذلك، نمواً اقتصادياً سريعاً. وكانت صعوبة الاندماج هذه انعكاساً لما كانت عليه أوضاع تلك الفترة. وقد ذكرتنا بذلك الخمسين عاماً من خطابات مارتن لوثر الداعية إلى المساواة بين الأعراق. كان هنالك انقسام فريد من نوعه بين شريحة سكانية مكونة من البيض المتبرجزين والشرائح السكانية المكونة من السود المحرومين والخاضعين اجتماعياً لنظام التمييز العنصري.

وقد وصل التوتر بين السود والبيض إلى ذروته في العام 1967، حيث أفضت صدامات الشارع رقم 12 إلى نتيجة مروعة : 43 قتيلاً 467 جريحاً و7200 معتقل. كما أحرق أكثر من 2000 مبنى واضطر حاكم الولاية إلى استدعاء القوات المسلحة للحرس الوطني لفرض الهدوء.

ثم تزامن انتخاب محافظ أسود للمدينة عام 1973 مع اعتماد سياسة يسارية نيو اشتراكية وذلك كواحدة من الحالات النادرة في الولايات المتحدة، ما أدى إلى تشكيل نقابة اتحاد عمال قطاع السيارات الذي ضم مليوناً ونصف مليون من الأعضاء. وقد دعت هذه النقابة إلى العدالة الاجتماعية ولم تتقاعس عن المواجهة مع إدارة مجمعات صناعة السيارات، وأجبرتها على تقديم تنازلات كبيرة في وقت كانت العولمة قد جعلت من العمال في ديترويت الأكثر غنى بين أجراء العالم.
    
الفصل الثالث : رحيل الطبقة الوسطى

بعد الصدامات، حمل البيض المنتمون إلى الطبقة الوسطى حقائبهم وغادروا المدينة نهائية ليستقروا في المناطق المحيطة.
الخوف من السود(علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها) لم يكن السبب الوحيد الذي دفع البيض إلى الرحيل. فالضغوطات التي مارستها نقابة عمال السيارات دفعت شركات صناعة السيارات إلى المغادرة نحو أماكن يضعف فيها الوجود النقابي وتقل أجور اليد العاملة.

ومع ذلك، لم يغير رجال السياسة توجهاتهم، حتى مع تحول ديترويت في هذه الأثناء إلى عاصمة للفساد السياسي.  وقد استمرت هذه السياسة حتى العام 2007 لتتفاقم مع "الرهون الائتمانية" (بفوائد مستديمة) التي تم منحها إلى الفقراء وخصوصاً إلى الأقليات بهدف تمكينهم من مغادرة البيوت النقالة إلى قصور الأحلام.
إفلاس الولايات المتحدة: ديترويت أو مستقبل أوروبا
منازل مهجورة في ديترويت

وبالمقابل، تحول من تبقى من الطبقة الوسطى إلى بقرة حلوب في خدمة النظام. فالضرائب المحلية أضافت إلى حركة رحيل العمال الذين تحولوا إلى عاطلين عن العمل، أضافت هجرة ضرائبية وضعت المدينة في مواجهة المزيد من النفقات في ظل استمرار تضاؤل العائدات.
 
ولحسن الحظ، سارعت آلهة وول ستريت إلى مد يد العون للمدينة. وساد الاعتقاد بأن ديتروت سيتم إنقاذها، وأن المخلص قد وصل، وأن هذا المخلص يحمل اسم "الديون".
 
الفصل الأخير : خراب ديترويت
 
تبخرت الطبقة الوسطى في المدينة الأميركية الوحيدة ذات العرق الواحد والتي يتكون 90 بالمئة من سكانها من ورثة الحلم الذي راود مارتن لوثر والذي تحول إلى كابوس. وبعد أن كان يعيش فيها مليون إنسان تقلص هذا العدد، عام 2013، إلى 675 ألفاً 40 بالمئة منهم ينوون مغادرة المدينة.
الافلاسات تعقب أعمال الحجز على العقارات (هذا إذا كان بمقدورنا أن نطلق اسم العقارات على البيوت المبنية، بفضل الرهون الائتمانية، من الجص والكرتون). وتقلص عدد أعضاء نقابة عمال السيارات إلى 300 ألف يقبضون أجوراً في حين أن 600 ألف يحصلون على المساعدات وأكثرهم غادروا المدينة. ديون المدينة وصلت إلى 18 مليار دولار. ولم يبق من الشرطة ورجال الإطفاء والبريد غير الذكريات. وارتفعت نسبة الجنوح فيها من ثلاث إلى خمس مرات بالمقارنة مع المدن الأخرى في الولايات المتحدة. أما نسبة البطالة الواقعية فتصل إلى 30 بالمئة، وأصبحت البلدية عاجزة عن توفير الأموال اللازمة لإزالة الأنقاض أو لجمع النفايات. وتتعرض الكنائس للنهب حيث تنتزع تماثيل المسيح المعدنية ويجري صهرها على عجل قبل بيعها لتجار الخردة.
أما محطة قطارات ميتشيغان التي كانت تستقبل المهاجرين فلم تعد غير مقبرة لأحلام الأميركيين. وفي وضعها كمحطة معدمة ومهجورة، فإنها لم تعد تستقبل غير المصورين الذين يأتون لالتقاط صور برسم الأجيال القادمة عن موت مدينة واغتيال طبقة وسطى. وما يزال تمثال هنري فورد منتصباً بانتظار أن يرميه بعض الجانحين أرضاً ويبيعونه لشراء بضع "جرعات من الكوكايين".
إفلاس الولايات المتحدة: ديترويت أو مستقبل أوروبا
كساد صناعة السيارات

المخطط الجديد للمدينة يقوم على تلوين بعض الأحياء باللون البرتقالي أو البنفسجي أو الأصفر. مع التنبيه إلى أن السكان الذين يعيشون في حي تدفع فيه الضرائب هم وحدهم من سيستفيد من الخدمات العامة. أما الباقون فلن يكون أمامهم غير التوجه إلى العصابات الناشطة في المدينة.

الخلاصة :

لن نطيل عليكم بالطلب إليكم أن تسحبوا ببساطة هذه القصة السريعة عن ديترويت والحلم الأميركي المتبل بالصلصة الرأسمالية-الاشتراكية... أن تسحبوها على مدينة تقع بالقرب منكم في أوروبا. الاسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها.
أولئك الذين يقودون بلداننا في أوروبا ليسوا مختلفين عن المجانين والفاسدين الذين قاموا خلال بضع عقود من الزمن بتحويل مدينة كانت في ذروة الازدهار إلى حيز للخراب الشامل.
2013-09-27