ارشيف من :أخبار لبنانية

ثلاثية النووي والكيماوي وسلاح ’حزب الله’

ثلاثية النووي والكيماوي وسلاح ’حزب الله’
كانت إيران تنتظر حرباً إسرائيلية عليها، فأصبحت تنتظر رفعَ العقوبات الدولية عنها، وكان محورُ صراعِ الغرب معها طبيعةَ نظامِها فأصبح المحورُ المَلفَ النوويّ وليَبقَ النظام حالياً. كانت سوريا تنتظر ضربةً أميركية فأصبحت تنتظر استضافةَ خبراءِ الأسلحة الكيماوية، وكان محورُ الضغط عليها تغييرَ النظام فأصبح المحورُ السلاحَ الكيماوي وليُعمِّر النظام مرحلياً.

نزعُ السلاح الكيماوي السوري وحلُّ الملف النووي الإيراني سيؤدي إلى تسوية سلاح «حزب الله»

كانت روسيا تنتظر لحظةَ إجلاء رعاياها من سوريا، فأصبحت تنتظر الدخولَ إلى باقي دول الشرق الأوسط. كانت أميركا باراك أوباما على عتبةِ الرجوعِ إلى سياسة الرئيس جورج بوش الابن (التدخّل العسكري)، فعادت إلى مبدأ الرئيس جيمس مونرو (أميركا للأميركيين). كانت فرنسا فرنسوا هولاند على أُهبِة التشبُّهِ بسياسة نيقولا ساركوزي (التدخل في ليبيا) فانكفأت إلى سياسةِ جاك شيراك (عدم التدخّل في العراق).

كان المسؤولون الغربيون يَقطعون إلى الرصيف الآخر من الشارع ما أن يَلمحوا إيرانياً لئلا تقعَ رموشُ عيونِهم على طلائعِ لحيته، أصبحوا اليوم يُهرولون إلى الرصيف الذي يسير عليه حسن روحاني ليُحيّوه (من دون ضمان رد التحية).

كانت الولاياتُ المتّحدة الأميركية تحظّر على الوفدِ الإيراني إلى الأمم المتحدة التجولَ خارجَ مساحةِ البيت الزجاجي، فأصبحت اليوم تفتح له الولاياتِ الخمسين، فيعتذر عن لقاء رئيسها، فيتّصل به الأخير، أوباما، متودّداً (التواضعُ فضيلة الكبار).

كانت أروقةُ الأممِ المتّحدة في دورتها الماضية تَضُجّ بالقادة والأمراء العرب، هذا يُحدّد تاريخاً لسقوطِ النظام السوري وآخرُ يَضرب موعِداً لقصفِ المنشآت النووية الإيرانية. هذه السنّة غابوا كلهم وتبخّرت التواريخ. وحده الرئيسُ اللبناني صالَ وجال في نيويورك هذه المرة: خطابان، اجتماعٌ مع أوباما، لقاءاتٌ برؤساء الدول الكبيرة وبزعمائها، تمديدُ الاعجاب الدولي بدوره، مؤتمرٌ خاص لمساعدة لبنان، وعودٌ بمساعدات عسكرية ومالية، وحمايةُ الاستقرار اللبناني.

تحسين شروط التسوية

مجموع هذه التحولات تؤسِّس لانفراجاتٍ قابلةٍ لأن تصبحَ معادلاتٍ جديدةً في حال ثَبَت الأطراف على تعهّداتهم. وُلدت التسوياتُ بين سان بيترسبورغ وجنيف ونيويورك في ظروفٍ مناسِبة لكنها سلبية. فأوباما يبحث عن مَهربٍ من حرب لا يريدها، وبوتين يبحث عن منفذٍ لتفادي المواجهة المباشَرة مع أميركا، وبشار الأسد يبحث عن مَخرجٍ لاتقاء الضربة الغربية، وخامنئي يبحث عن مدخل لرفع العقوبات الدولية عن بلاده وانقاذ الاقتصاد. وحين تَفرض الظروفُ السلبية التسويات، يُخشى أن يتحيّنَ كلُّ طرفٍ ظروفاً أخرى لتحسين شروطه في التسوية من دون أن يَمسّ بإطارها العام.

هذا ما ستحاول أن تفعله سوريا في مؤتمر "جنيف 2"، وإيران في اجتماعات "الخمسة زائد واحد" في فيينا، وأميركا وروسيا في لقاءاتهما الثنائية. وتاريخياً، لا تُصِرّ الدولُ الكبرى عموماً على اتفاقاتٍ كاملةٍ لكي تستغلَّ، في زمن لاحق، الثغراتِ والعيوبَ الموجودةَ لتحافظ على دورها وتبرّر تدخلها، وإلا تصبح باطلةً عن العمل الدولي.

لذلك، لا تَعني هذه التحوّلاتُ انسحابَ الغرب من الشرق الأوسط وإعادةَ تلزيمه إلى دول إقليمية كما كانت الحال من سبعينات القرن الماضي حتى سنة 2000، حيث عُهِد إلى إسرائيل وسوريا دورُ الشرطي الإقليمي ومهمةُ النيابة أمنياً وعسكرياً عن الغرب.

ولا تعني هذه التحولات أيضاً أنّ الغرب سيتحالف مع إيران على حساب علاقاته المميَّزة مع دول مجلس التعاون الخليجي؛ فلن تمرَّ أيامٌ حتى تبادرَ واشنطن إلى طمأنةِ السعودية، وحتى وتركيا وإسرائيل، ولو استدعى الأمرُ عودةَ جون كيري إلى المنطقة، وزيارة حسن روحاني إلى الرياض.

الحقيقة أن التحولات الغربية، والأميركية تحديداً، جرَت على حساب الخيارات العسكرية وليس على حسابِ الأخطار الأساسية. فسوريا ستسلِّم السلاحَ الكيماوي، وإيران ستتراجع عن تصنيع القنبلة النووية. لكن هناك خمسة أخطار تهدد هذه التسويات:

خمسةُ أخطار

1. مدى قَبول إسرائيل بالتسوية التي حصلت بشأن الملف النووي الإيراني، ذلك أنّ إيران، وإن وَعدت بعدم إنتاج قنبلة نوويّة، فإنها لم تلتزم نهائياً بعد بإبقاء نسبةِ تخصيبِ الأورانيوم دونَ درجةِ القدرة على انتاج قنبلة نووية في حال أرادت ذلك مستقبلاً. وهو مسار ترفضه دولةُ إسرائيل وهي مستعدة للقيام بما يَلزم لمنع حصوله، والإدارة الأميركية تجاريها في هذا الموقف. إضافة إلى الموضوع النووي، لا تحبِّذ إسرائيل حصولَ تقاربٍ جِدّي بين واشنطن وطهران قبل أن تُوقفَ الأخيرةُ دعمَ الحركات الإسلامية الفلسطينية وحزبِ الله وقبل أن تعترفَ بدولة إسرائيل على غرار الدول العربية (من ساواكَ بالعربِ ما ظَلمك).

2. مدى جهوزيّة إيران لتعديل سلوكها السياسي تجاه إسرائيل ودول الخليج والشرق الأوسط. فإذا كانت القنبلةُ النووية الإيرانيةُ هاجسَ إسرائيل، فالسياسةُ التوسعيّة الإيرانيّة هي هاجس دول المنطقة. وفي الأساس، ما كانت طهران لتقبلَ التراجعَ عن برنامجها النووي بشقه العسكري لولا العقوباتِ الدوليةَ التي أنهكت اقتصادَها وهدّدت استقرارها الداخلي. معيار الحكم على تحسن السلوك الإيراني هو لبنان من خلال حزب الله دوراً وسلاحاً.

فعلاوة عن المعلومات، لا بد، منطقياً، من أن يؤديَ نزعُ السلاح الكيماوي السوري وحلُّ الملف النووي الإيراني إلى تسوية موضوعِ سلاح حزب الله استطراداً طالما أن حزب الله هو جزءٌ من المحور السوري/ الإيراني.

معالجةُ وضعِ حزب الله تَتِمّ عبر المراحل الآتية: التزامُ إعلان بعبدا، الانسحابُ التدريجي من سوريا بعد ضبط عسكري ومذهبي للحدود اللبنانية السورية الشرقية، احترامُ عمليّ للقرار 1701 في الجنوب، استيعابُ سلاح الحزب في الجيش اللبناني في إطار تطبيق اللامركزية الأمنية عبر خطةٍ مُقَسَّطةٍ على ثلاثِ سنوات (فترة تحمِل إيحاءاتٍ كثيرة). إلا أن تنفيذَ هذا المشروع المتكامِل يظل رهن تقدمّ العلاقات الإيرانية - الأميركية وتطورِ الأوضاع في سوريا والتزامِ بعض الدول العربية بوقف تمويل الحركات الإسلامية المتطرفة (البِحار مليئةٌ بأسماكٍ فَـلَتت من الشباك).

3. مدى قدرة المعارضة السورية، من الآن وحتى موعد الانتخابات الرئاسية السورية في الصيف المقبل، على خلق قيادةٍ (عسكرية أو مدنية) متحِدةٍ، محتَرمةٍ، أهلاً للثقة، وتمثّل بديلاً ديموقراطياً من النظام الحالي. حينئذ، تُقدِم واشنطن وتَطلب من روسيا نَهْيَ بشار الأسد عن الترشّح لولاية رئاسية جديدة. أما في حال فشلت المعارضةُ مرة أخرى في تقديم بديل، فالتغيير سيتمّ من داخل النظام على الطريقة المصرية؛ والمعارضةُ تبلغت أخيراً ذلك، فصُدِمت.

4. مدى تأثيرِ غضب دول الخليج الآن في تعديلِ الموقف الأميركي الجديد حيال سوريا وإيران وإبقاءِ الخِيارات العسكرية مفتوحة. فدول الخليج تُصرّ على ربطِ إسقاطِ النظام السوري بنزعِ السلاح الكيماوي، وعلى ربط موضوع الملف النووي الإيراني بالحدِّ من دور الثورة الإيرانية الشيعية. ومن هذا المنطلق، تتصلب السعودية بمواقفها حيالَ عدد من أزمات المِنطقة ولا تقبل التفاوضَ إلا على أسس واضحة. ومن هنا أتى إرجاءُ زيارةِ رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان إلى الرياض مع ما سيتبع ذلك من تأثير على مصير الرئيس المكلف تمام سلام والحكومة العتيدة والوضع الأمني.

5. مدى استعداد الشعوبِ العربية، الثائرةِ والمتأهِّبة للثورة، أن ترفضَ جوانبَ من التسويات الإقليمية والدولية، وأن تواجهَها حفاظاً على حركةِ التغيير التاريخيةِ في مجتمعاتها. فهذه التسويات ستسلك طريقَ التنفيذ ما لم تتصدَّ لها الشعوب، وهو أمر سبقَ أن حصل. فالشعب التركي بقيادة مصطفى كمال (أتاتورك) انتفض سنة 1919 على هُدنة مودروس Moudros (استسلام السلطنة) ومعاهدة سيفر Sèvres (تقسيم السلطنة).

والشعبُ المسيحي في لبنان رفض سنةَ 1920 بقيادة الكنيسة المارونية اتفاقية سايكس - بيكو التي ارتكزت على نظرية سوريا الكبرى. وفي السنوات العشرين الأخيرة، رأينا شعوبَ أوروبا الشرقية تُطيح بحدودِ الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي وتُنشئ كياناتٍ جديدةً على قياس قوميّاتِها وخصائصها الثقافية ونمطِ عيشها. لكنْ، هل الشعوب العربية التي فشِلت بإقامةِ أنظمةٍ جديدة فُضلى قادرةٌ على تغيير النظام الإقليمي والدولي؟

لبنان هو المعيار

الملاحظُ أن الأطرافَ الثلاثةَ الأوَل (إسرائيل، إيران وسوريا) سبقَ أن أَفشَلوا عدداً من مشاريع التسويات الأميركية والروسية في لبنان والعراق والشرق الأوسط على مدى العقود السابقة.

ليس الأمرُ بغريب، فلطالما التقت مصالحُ هؤلاء الأطراف الثلاثة وإن اختلفوا في طموحاتهم وتنافسوا على أدوراهم. فعلى رغم كل الصراعات العلنية والمزايدات الشعبوية، توجد أهدافٌ مشتركة بين إيران (الفارسية الشيعية) وإسرائيل (اليهودية) وسوريا (العلوية) انطلاقاً من خيطٍ تاريخي يَشدّ الأقليات إلى بعضها البعض في هذه البقعة المعروفة عبر العصور بأنها منبَتُ الأقليات ومرقدُ نموّها.

مسيحيّو لبنان والشرق تميّزوا وخرجوا عن هذا الخطّ الأقلّوي واختاروا العيش مع بيئتهم العربية والإسلامية المباشرة غير عابئين بالعدد، فكان ما كان عليهم في قديم الزمان وحاضره... وكفى.

إن لبنان هو معيار الحكم على مصير المنطق الوطني تجاه المنطق الأقلّوي مثلما هو أيضاً معيار الحكم على مصير التسويات والتحولات الدولية والإقليمية الأخيرة. من هنا، نفهم استمرارَ رهان الغرب والشرق على استقلال لبنان واستقراره فيما تتساقط الأنظمة المحيطة به.

لكن يبقى علينا كلبنانيين أن نستفيد من هذا الاجماع الدولي على وحدة لبنان من أجل تحصين الدولة بتأليفِ حكومة وانتخابِ رئيس جمهورية والتزامِ الحياد لئلّا ننزلِقَ نحو انفصام الشخصية الكيانية.

2013-09-30