ارشيف من :أخبار لبنانية
عبّارة ’جاكرتا’ ... مؤامرة إيرانية على تيار المستقبل!
آخر اختراعات تيار المستقبل، «سبق صحافي» نشر أمس في الموقع الإلكتروني الرسمي للتيار، كشف عن «مؤامرة فارسية»، بعدما وردته معلومات «شديدة الخطورة» تفيد بأن «المسؤول عن كارثة العبارة التي قضى فيها لبنانيون من طرابلس وعكار، ينفّذ أجندة إيرانية»
لازم أحد نوّاب عكار مكتبه بعدما حوّله إلى غرفة عمليات. أوراقٌ مبعثرة، في وسطها جهاز «لابتوب» مفتوح، يبحَث فيه عن آخر المعطيات حول عبّارة إندونيسيا. أخذ سمّاعة هاتفه وطلب سكرتيرته، داعياً إياها إلى التواصل مع «الشباب» بغية عقد اجتماع عاجل لمعرفة من يقف وراء «مؤامرة» استهداف أهالي عكار وطرابلس.
في الموعد المحدد حضر الجميع، فيما كان النائب المعنيّ قد استعان بالطابعة الخاصة به للحصول على نسخة من صيده الثمين: «الحرس الثوري الإيراني وراء عملية إغراق العبّارة»!
سريعاً، حوّل الموقع الإلكتروني الرسمي لتيار المستقبل الرواية إلى خبر خاص، تحت عنوان «المتهم بكارثة العبّارة سجين 5 نجوم في إندونيسيا، وأجندته إيرانية!». فقد «علم» الموقع من «مصادر مطلعة» على ملف غرق العبّارة، أن «الاسم الحقيقي لأبو صالح العراقي، المُتهم بمسؤوليته المباشرة عن كارثة الغرق، هو حسين حميد ميمونة، ويُدير عصابة تصدير أشخاص الى أستراليا منذ حوالى ثماني سنوات، وأغلب من يأتون إليه هم من العراقيين والإيرانيين». وتفيد «معلومات الموقع» أن «عدد اللبنانيين الذين ذهبوا الى إندونيسيا عن طريقه تجاوز الـ500 أغلبهم من عكار وطرابلس، بكلفة 10 آلاف دولار عن الشخص الواحد، حصة العراقي منها 8 آلاف دولار». وكان الرجل، كما تقول معلومات الموقع، «قد دخل إلى لبنان عبر شخص سوري يُدعى (م. هـ.)، تولى تسويق هذه الفكرة بين اللبنانيين في الشمال، وأشرف على الوساطة بينهم وبين أبو صالح الذي ما لبث أن بدأ يبني علاقات مع كل من يأتيه من اللبنانيين، حتى إن رقم هاتفه أصبح في حوزة الكثير من أبناء عكار وطرابلس». وتشير معلومات الموقع إلى «أن طريقة السفر الى إندونيسيا كانت تتُم عبر مكاتب سفريات في طرابلس وبيروت، ومن ثم يقوم أشخاص من عصابة أبو صالح العراقي باستقبالهم في جاكرتا، حيث يتولّون حجز غرف في الفنادق لهم إلى حين موعد انطلاق العبارات الى جزيرة كريسميس، وهناك كان اللبناني يدفع الأموال في أغلب الأحيان إلى شقيق أبو صالح أو إلى ابن شقيقه».
حتّى الآن، يكاد يكون الخبر أكثر من عادي لأي قارئ دخل صدفةً لمتابعته، قبل أن يصطَدم بـ«السكوب» الذي سيُفجّره الموقع في نهايته. فـ«أبو صالح العراقي ينفّذ أجندة إيرانية في إندونيسيا، لكونه أحد أبرز المموّلين للتشيّع هناك، وأمواله تعود إلى بناء الحسينيات في جاكرتا وغيرها، عبر جمعيات دينية إيرانية»! لكن كيف يُمكن لـ«عميل» إيراني مكلّف بقتل العكاريين والطرابلسيين أن يُنفّذ مهمّته وهو «محكوم مؤبد ومحجوز في أحد سجون العاصمة الإندونيسية منذ عشرة أشهر»؟ يَحبُك المسؤول عن كتابة الخبر قصّته، التي ينسِبها أيضاً إلى المصادر ذاتها، بحجّة تؤكّد أن «العراقي موجود في سجن خمس نجوم، يُدير من داخله كل أموره، حيث تتوافر له جميع وسائل الراحة والاتصالات من هواتف ذكية وإنترنت»، لا بل «لديه يوم في الأسبوع يخرج فيه 12 ساعة من السجن للسهر والترفيه عن النفس».
لا يكُفّ تيار المستقبل عن ممارسة «بثّ الفتنة»، باعتبارها أهم فعل ثوري هذه الأيام. بسبب تراجع قدرة نوابه وإعلامييه عن إنتاج «مادة» صحافية حقيقية مبنية على معطيات صادقة. يجد نفسه أمام خيار وحيد: «استغلال البشر بهدف خدمة مشروعه السياسي». منذ فترة يأبى نواب عكار إلا أن يستغلوا مصائب الفقراء، ويزجوهم في معارك هم في غنى عنها، فلا يجدون سوى في تحميل عدوّتهم إيران وحلفائها في لبنان مسؤولية كل ما يحصل، وسيلة وحيدة لحقن الناس مذهبياً.
من قضى غرقاً في بحر إندونيسيا هو لبناني بالدرجة الأولى، لكنه، في عرف المستقبل، مواطن سنّي مستهدف من محور الشرّ. وقاتله هذه المرة عراقي ينشر التشيّع بأوامر إيرانية في بلاد أهل السنّة والجماعة. ولكي يكتمل قالب الحلوى المستقبلي، يُضيف الخبر شخصاً سورياً. الفرصة هنا لا تُعوّض للعب على الوتر المذهبي.
لكن اختراعات التيار لم تعُد تنطلي على جميع الناس، طوال الوقت. أحد الظرفاء من حلفاء المستقبل علّق على «إبداعات» الإعلام الأزرق بالقول إن «معلومات توافرت لديه عن نيّة أحد مخرجي هوليوود تحويل القصة إلى فيلم سينمائي، يُطلق عليه تسمية: «آخر نهفات التيار الأزرق»، مستغرباً «اعتماد المستقبل، عبر وسائل إعلامه في كثير من الأحيان، أسلوب الذين ينتقدهم اليوم وهو على خصام معهم، أي المخابرات السورية»، فهو «لا ينفك عن اتهامها بفبركة الأخبار، في وقت يختلقها هو بغرض الاستهداف السياسي».
لم تعد بعد جثث اللبنانيين الذين غدره بهم البحر الإندونيسي. لكن «المتاجرة بالموت» عادة تمرّن عليها المسؤولون في تيار المستقبل منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. عطّل هؤلاء عقلهم، مُصرين على ارتكاب المزيد من التصرفات المستفزة. ما زالوا يُمارسون أفعالهم الفاضحة بخروجهم يومياً للنفخ في نار مذهبية انطلاقاً من أن «إيران وحزب الله سبب كل كارثة في العالم، وإن كانت قضاءً وقدراً»! ما نشره موقع المستقبل أمس على أنه سبق صحافي ليس تصرفاً عابراً، إنه برنامج عمل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018