ارشيف من :أخبار لبنانية
أوباما ـ روحاني الدروس البليغة
ياسين مجيد - صحيفة البيان العراقية
لم تحظ زيارة رئيس دولة الى الأمم المتحدة بإهتمام سياسي وإعلامي إستثنائي على مدى السنوات الماضية كما حصل مع زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني، فقبل توجهه الى نيويوك ، حرص روحاني على توجيه رسائل سياسية عدة الى الدول الغربية وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية من خلال اللقاءات التلفزيونية والصحفية التي أجراها مع وسائل الإعلام الغربية، وهو ما إستدعى ان ترد الدول الغربية على هذه الرسائل بطريقة إيجابية.
وتصاعد الإهتمام بزيارة روحاني الذي أخذ طابعاً إحتفالياً مع إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما انه سيلتقي نظيره الايراني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم جاء (تمنع) روحاني عن لقاء أوباما بمثابة الصدمة التي زادت من الإهتمام بالزيارة واختطفت الأضواء عن الكثير من زعماء العالم وسلطتها على (الشيخ المعتدل)، وقبل إنتهاء زيارته الى نيويورك التي تحولت الى حدث تاريخي، جاءت الصدمة الثانية حين أعلن الرئيس أوباما انه أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس روحاني استمر خمسة عشر دقيقة ، فظهر أوباما وكأنه يطارد روحاني في نيويورك، وهذه ظاهرة سياسية لم تحدث بين واشنطن وأي من العواصم العالمية، فضلاً عن طهران منذ سقوط نظام الشاه عام 1979.
وبينما كان الجميع في نيويورك ينّشد الى خطابي أوباما – روحاني اللذين تضمنا رؤية جديدة ازاء الكثير من القضايا والتطورات التي تهم العالم والمنطقة، كانت خيوط الدبلوماسية تنسج بهدوء لقاءً مهماً بين وزيري الخارجية الأميركي والايراني على هامش إجتماع دول (5 +1) للبحث بشأن البرنامج النووي الايراني، وهو أول لقاء يجمع وجهاً لوجه بين وزيرين اميركي وايراني منذ ثلاثة وثلاثين عاماً.
وبعيداً عن مدى تأثير زيارة روحاني على العلاقات الايرانية – الأميركية والبرنامج النووي الايراني والأزمة السورية، فان مايهمنا نحن شعوب ودول المنطقة ان نقوم بقراءة ودراسة هذا التحول المفاجئ في العلاقة بين طهران وواشنطن بعقلانية وموضوعية، وما يمكن ان يتركه هذا الإنقلاب السياسي من تأثيرات على مجمل الأوضاع في المنطقة بعيداً عن (القراءات الجاهزة) التي تعبر عن عجز حقيقي في فهم مايجري حولنا من تحولات تاريخية مهمة ومن بين هذه الدروس:
اولاً : إن (المصالح العليا) للشعوب هي الأساس في العلاقة بين الدول وإن العداء الدائم والصداقة الدائمة لايمكن ان تستمر في عالم متغير، فمن كان يتصور حتى وقت قريب ان تقترب واشنطن – الشيطان الاكبر- حسب التسمية الايرانية من طهران التي كانت تُعد أحد أطراف محور الشر في العالم كما صنفتها إدارة جورج بوش الأبن ، والأكثر من ذلك ، انه في الوقت الذي كان الرؤساء الاميركيون المتعاقبون يفرضون عقوبات إقتصادية على مدى أكثر من ثلاثين عاماً ضد ايران ويهددون بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية ، يبادر الرئيس أوباما الى انتهاج خطاب سياسي معتدل غير مسبوق تجاه ايران مما أثار إنزعاجاً شديداً في اسرائيل وتركيا والدول الخليجية وتحديداً السعودية، وهو الخطاب الذي أحدث إنقلاباً في السياسة الأميركية تجاه ايران، وبدون أدنى شك فإن الإنقلاب في الرؤية الأميركية لم ينطلق من الشد العاطفي تجاه إعتدال روحاني أو من عقدة الشعور بالندم لما قامت به واشنطن تجاه طهران في مرحلة مابعد سقوط الشاه، إنما من قراءة متأنية وواقعية للمصالح العليا والأمن القومي الأميركي أولا إنطلاقا من تداعيات الحرب السورية التي شكلت نقطة تحول في النظام العالمي الجديد، ودون أي إهتمام أو مراعاة للدول العربية التي وضعت جميع مالديها من إمكانيات لإسقاط الإسد بالضربة العسكرية، على خلاف ايران وبالتعاون مع روسيا والصين التي أثبتت قدرة وفعالية كبيرة في لعبة الصراع بين القوى الاقليمية والدولية.
ثانياً : إن الولايات المتحدة لاتعير أي إهتمام لحلفائها في المنطقة العربية وبشكل خاص السعودية، فواشنطن حين تقرر إتخاذ قرار استراتيجي لاتفكر سوى بإسرائيل، وهو ماحدث مرتين، الأولى حين تجاهلت واشنطن بطريقة مذلة حلفاءها العرب والمعارضة السورية بعد أن قررت الإتفاق مع موسكو في الملف السوري، وهو مايمثل هزيمة سياسية قاصمة بإمتياز للسعودية وتركيا وقطر والجامعة العربية التي راهنت طويلاً على الخيار العسكري لحل الأزمة السورية، أما المرة الثانية التي تجاهلت فيها واشنطن حلفاءها العرب فجاءت مع ايران، فبعد الإتصال الهاتفي بين أوباما وروحاني، أبلغت واشنطن تل أبيب بما جرى بين الرجلين، ولاشك في ان إدارة أوباما قد اطلعت حكومة نتنياهو على اللقاء الذي تم بين جون كيري ومحمد جواد ظريف، إن واشنطن لاترى في الدول العربية الحليفة لها سوى (محفظة نقود) تستخدمها عند الحاجة في أية معركة سياسية أو إعلامية أوعسكرية تخوضها ضد أية دولة في العالم.
ثالثاً : إن الانفراج في العلاقة بين طهران وواشنطن لايعني ان المشاكل سوف تحل بين البلدين، فالأزمات المتراكمة وإنعدام الثقة على مدى ثلاثين عاماً لايمكن ان تحل بلقاء او إتصال هاتفي، كما إن واشنطن التي لاحظت ما حققته طهران في الأزمة السورية قد يدفعها للقيام بعملية إمتصاص لهذا الإنتصار بوسائل متعددة ومن بينها الحوار الثنائي الذي قد يستغرق فترة طويلة دون ان يحقق أي إختراق حقيقي.
رابعاً : ماجرى بين روحاني وأوباما ، كان قد حدث بين المالكي وأوباما في شهر كانون الأول من عام 2011، فبعد اللقاء الذي جمع الرجلين في البيت الأبيض، فجّر المالكي قنبلة من الوزن الثقيل حين عارض صراحة ماقاله أوباما بإن على بشار الأسد ان يرحل فوراً، وأضاف المالكي وسط ذهول الصحفيين الذين لم يتعودوا ان يسمعوا رئيساً عربياً يختلف مع سيد البيت الأبيض، ليس من حق أية دولة في العالم ان تقول لفلان حاكم إرحل وتنصب نفسها بديلاً عن شعب تلك الدولة، لقد أحدث تصريح المالكي ضجة كبيرة في وسائل الإعلام الاميركية التي تساءلت كيف يمكن ان يتحدث رئيس وزراء دولة كانت تخضع حتى قبل أيام معدودة الى إحتلال عسكري أميركي بهذه القوة والصراحة؟.
إن سر قوة الدول والشعوب يكمن في الإرادة السياسية قبل كل شيء، وإن التفاهم مع جميع دول العالم يجب أن ينطلق من قاعدة المصالح المشتركة وليس من عقدة التبعية، وما حدث في نيويورك بين روحاني وأوباما وقبل ذلك في واشنطن بين المالكي وأوباما يمثل درساً بليغاً لكل الدول التي تحترم شعبها وتاريخها الحضاري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018