ارشيف من :أخبار لبنانية

منعطف التسويات السياسية

منعطف التسويات السياسية

سليمان تقي الدين - صحيفة السفير


انتُخب الرئيس الإيراني حسن روحاني بأكثرية شعبية موصوفة على برنامج واضح هو الإصلاح في الداخل والحوار مع الخارج. بديهي أن يتلقف الغرب هذا التوجه الإيراني لأنه كان يراهن على التحولات الداخلية في إيران ويسعى إلى تجنّب المواجهة العسكرية. يعرف الغرب أن إيران دولة راسخة تتصرف بعقلانية براغماتية وقد خبرها في الحرب مع العراق وقبولها قرار وقف الحرب، وكذلك حين تعاملت مع الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق. كانت مرحلة رئاسة محمود أحمدي نجاد المتشددة إيديولوجياً ذات وظيفة دفاعية تغطي على حصار الغرب وتفتح له جبهات ثانوية. عمليا، أدت تلك السياسة أغراضها، ونجحت في مواقع عديدة في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين وسوريا، لكن كلفتها كانت عالية على تطور الاقتصاد الإيراني والتقدم الاجتماعي.

وصلت المواجهة إلى ذروتها في سوريا حيث حقق الطرفان الإيراني والغربي أقصى ما يمكنهما من الإنجازات المتاحة والمرغوبة. فالحرب ليست هدفاً بذاتها، بل بنتائجها. والحرب التي دارت بالواسطة على أرض سوريا شارفت على استنفاد أغراضها، وبدأت الحاجة إلى استثمارها في المفاوضات. حصيلة أي تفاوض تتبع موازين القوى والمصالح الفعلية للأطراف لا ما يمكن أن نظنّه أو نتخيّله. لا نعرف بالضبط ما الذي يختبئ خلف كثير من الإعلانات السياسية والحركة الديبلوماسية. ما نعرفه هو عناصر ما تسميه أميركا باستمرار «أمنها القومي» الذي يرتكز على أمن إسرائيل ومصالحها والنفط. وما نعرفه عن إيران دفاعها عن حقها في اختيار طريق تطورها الداخلي المستقل وشكل نظامها السياسي، على نفوذ إقليمي هو مزيج من «المدى الحيوي» لأمنها القومي في الجوار وتأثيرها في النظام الإقليمي الذي سينشأ من خلال القوى المحلية التي تدعمها.
ولقد كان الرئيس حسن روحاني واضحاً حين أعلن عن الرغبة في إيجاد حل شامل للمشكلات مع أميركا، وعن استعداد بلاده للتعاون في الملف النووي والنزاعات الإقليمية. طالب الرئيس الإيراني بجدول أعمال لهذا الحوار مستكشفاً حدود الاستعداد الأميركي لطرح القضايا والملفات. أكد على سلمية البرنامج النووي الإيراني والدعوة إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. ساهم أصلاً في تخلي سوريا عن سلاحها الكيماوي. طالب برفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وأعلن انضمامه إلى الحلف الدولي في مكافحة «التطرف والإرهاب». أكد وقوفه مع حرية الشعوب في اختيار أنظمتها وعارض التدخل الخارجي لتحقيق ذلك. في هذه الأفكار وضع الرئيس روحاني قاعدة مشتركة للتعاون مع الغرب وفك الاشتباك معه. رحّب بمؤتمر «جنيف 2» والحل السياسي في سوريا وأبدى استعداده للمشاركة.

هذا جدول أعمال فعلي لمعالجة المشكلات وله حظوظ عالية للوصول به إلى تسوية النزاعات في المنطقة. لا نعرف كيف سيتطور هذا الحوار أو التفاوض وأين وكيف تتدخل القوى والمصالح الأخرى الإقليمية والدولية ولا حتى القوى المحلية لدعم هذا التوجه أو لعرقلته، لكن المؤكد أن المنطقة سلكت الاتجاه القوي للحلول السياسية.

هذا المزيج من المصالح والنفوذ والمداخلات من الصعب تصور نتيجة بسيطة له. ليس أدل على ذلك من تسوية العراق غير المستقرة، أو تسوية لبنان كذلك. لعلنا سنكون أمام مرحلة من النزاعات لبلورة الأحجام وللكشف عن المطالب التي هي ما دون التوافقات الدولية أو حتى الإقليمية. إلا أن المنطقة تخرج تدريجياً من احتمالات التفكك والتقسيم، وتتضافر فيها القوى المتعاونة على مواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف، وتتبلور أكثر صيغ أنظمة التعددية السياسية مع ما تجلبه من منسوب للحريات العامة والحكومات المنتخبة بصورة ديموقراطية. هذا المسار ليس طريقاً مستقيماً نظيفاً صافياً، فما زال دونه محطات كثيرة من أشكال العنف، كما ما زال أمامه مرحلة طويلة من بعض مظاهر «عسكرة السياسة» في الشرق الأوسط. هناك الإرث الكبير لظاهرة العسكرة، وهناك الحاجة لهذه الظاهرة في ضعف المكوّنات السياسية المدنية، وهناك تحدي التطرف والعنف اللذين تحوّلا إلى ظاهرة واسعة الانتشار في معظم دول المنطقة. كل هذه أمور معالجتها الجذرية تتطلب بيئة تنموية واسعة شاملة وتصحيح أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية، وفوق ذلك انتشار ثقافة سياسية جديدة وتعميمها، وأبرز عناصرها علاقة سليمة بين الحاكم والمحكوم والاعتراف بالآخر وحقه في الوجود والحرية.

انعطفت المنطقة نحو التسويات السياسية، لكن آثار العنف وتداعياته كثيرة. هناك أخطار ثقافة التطرف وخيبات بعض القوى والجماعات التي تحاصرها الضوابط الدولية. لكن الأهم من ذلك هو الشعور الفعلي بتراجع كل الأطراف عن مشاريعها القصوى لمصلحة سياسات واقعية ينكشف فيها «الشحم والورم».

   
2013-10-01