ارشيف من :أخبار لبنانية

من حكومة الانتخابات إلى حكومة «مهــما كان الثمن»

من حكومة الانتخابات إلى حكومة «مهــما كان الثمن»

فراس الشوفي - صحيفة الاخبار

مرّت ستة أشهر، والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة تمام سلام يجلس في بيته، يده على سماعة الهاتف، ويده الأخرى على خدّه. ومنذ تكليفه بتأليف حكومة جديدة، لم يترك سلام شرطاً وضعه إلا كسره بنفسه: من حكومة الانتخابات، إلى حكومة مهما كان الثمن.

لم يكن في بال رئيس الحكومة المكلّف تمام سلام، حين قَبِل مهمّة تكليفه بتأليف الحكومة الموعودة، أنه سيتحوّل «أيوب» هذا العصر. من المؤكد أن سلام لن يصير نبيّاً، لكنّ النائب الذي ضجّ بيته بالحياة بعد أن نبت العشب على أدراجه، بات مثالاً في الصبر. للحقيقة، ليس في وسع سلام أن يفعل شيئاً غير انتظار هاتف من هنا أو هناك، من مركز قرار يعطيه ضوءاً أخضر، أو أحمر، وبصبر. فالصبر مهنة النائب الجديدة، هذا إن لم يختر الاعتذار طبعاً.

في 6 نيسان الماضي، طار سلام إلى مملكة آل سعود. أخذ بركة الرئيس سعد الحريري في باكر ذاك الصباح، وعاد رئيساً مكلفاً. وفي حملة التسويق، قيل إنه «وسط»، أي لا مع 14 آذار ولا مع 8، ثم توسّط الرئيس فؤاد السنيورة والنائب جورج عدوان من على منبر بيت الشيخ الحريري، وأعلنه السنيورة مرشح 14 آذار.

جلس و«الأمل بعينيه»، بأن «الإجماع النيابي في الظروف الراهنة يحملُ إلى جانب الثقة التي أعتزّ بها شخصيّاً مؤشراتٍ من القوى السياسيّة كافةً على الرغبة في الانتقال إلى مرحلة انفراج»، وأن الأصوات الـ124 التي سمّته رئيساً للحكومة، ستكون كفيلة بنيله لقب دولة الرئيس، فعلياً، كوالده. الآن، لا يحسد النائب البيروتي على ما آلت إليه أحواله. وهل يُحسد من كان «لا معلّق ولا مطلّق»؟

 في بداية تكليفه، اختار سلام كلماته بعناية: «أريد تشكيل حكومة مصلحة وطنية». لم يذكر شكلها أو توزيعها بين القوى السياسية، كما لم يذكر ما هي «المصلحة الوطنية»، ولا من يحدّدها.
تصريحات سلام تكفي وحدها لاستطلاع أوضاع الرجل. بقي مقتنعاً، لوقت طويل، بأن الحكومة التي أتى من أجلها هي «حكومة انتخابات عمرها من عمر الانتخابات»، على ما أكد لوكالة «رويترز» بعد يومين من تكليفه. وفي التصريح ذاته، أقرّ سلام بأن الأمور ليست ممهدة للتشكيل، فـ«الأمر ليس سهلاً ويتداخل مع الكثير من المعطيات».
كان صائباً إحساس سلام. الأمر ليس سهلاً. في اليوم التالي، قال لـ«الأخبار»: «أُجري الانتخابات أو أُخلي لسواي »... لم يُجر الانتخابات، ولم يُخل لسواه.
حسناً، لا يُلام سلام، فهو قال بعظمة لسانه «عندما يبرق الملك السعودي وولي العهد إلى رئيس مكلف ولم يكن قد انقضى يومان على تكليفه، وعندما يحضر السفير الروسي... ويحضر السفير الإيراني، وكذلك موفد الأمين العام للأمم المتحدة، ويصدر عن فرنسا موقف تأييد للرئيس المكلف، وعندما يتصل به وزير الخارجية التركي... ما تُراه يكون ذلك كله وأنا لمّا أزل رئيساً مكلفاً ولم يصر بعد إلى تأليف الحكومة؟». حقاً، ما تراه يكون كل هذا الدعم من القناصل والمندوبين السامين، كلام في الهواء؟ غشّ السفراء الرئيس المكلّف حين وعدوه خيراً وأخلفوا. وهل «يُجرّب المُجرَّب»؟.
في اليوم التالي أيضاً، قال سلام لجريدة «السفير»: لا حكومة سياسية ولا ثلث معطل. أراد أن يضغط على حزب الله. جرّب تسويق مطالب 14 آذار بعدم إعطاء فريق 8 آذار ما يعتبره ضمانات، وقدم شخصه ضمانة. لم يقتنع حزب الله. عَتِب سلام، وصعّد في الموقف، إلى درجة أنه صرّح لأكثر من جريدة ووسيلة إعلامية! لكن شيئاً لم يتغير. فاته أن يقول «لا حكومة».

بعد أسبوع، أكد الرئيس المكلّف أنه ينتظر «الأسماء من القوى السياسية». الأرجح أنه لا يزال ينتظرها إلى الآن. لم يمضِ يومان حتى أعلن سلام من جديد أن «الاعتذار أفضل من حكومة فاشلة». معه حقّ، الاعتذار أفضل من حكومة فاشلة، ومن «لا حكومة» أيضاً.
بقيت حال الرئيس المكلّف تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، بين «الحكومة الآن الآن وليس غداً» وبين «للصبر حدود». وفي الكواليس، كان التمديد للمجلس النيابي وتأجيل الانتخابات يُطبخان. الانتخابات التي أتى سلام من أجلها.

وفي تصريحات متتالية، أكد سلام أنه «لن أعتذر» وأن «الاعتذار غير وارد». الرئيس المكلف ليس عنيداً، غَيَّر رأيه بعد أيام، أو قل انقلب على رأيه. ففي 15 حزيران، أعلن أن «التأليف ينتظر، لا تقدّم ولا تراجع»، ثمّ «لن أنتظر إلى ما لا نهاية»، وبدا حازماً في 20 حزيران: «لن أنتظر لا شهراً ولا شهرين». بانتظار الـ«إلى ما لا نهاية»، مرّ بدل الشهر ثلاثة.
«الخبطة» في تصريحات سلام أتت في بداية شهر تموز، إذ قال لـ«النهار»: «سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري!»، وصدق. وبعد أسبوع، قال لـ«السفير»: «لم أيأس بعد». «أيوب» عن حقّ.
كما محطة الانتخابات، أتت محطة عيد الفطر. تحوّل مزاج سلام، فأكد في أواخر تموز أن «لا حكومة قبل العيد... وفي التأنّي سلامة الوطن». وبعد يومين، «سلام: أنا الصابر». مع بداية شهر آب، بدا سلام كمن يعوّل على دور رئيس الجمهورية ميشال سليمان، إذ أكد في أكثر من تصريح أن «موقف الرئيس سليمان من الحكومة فرصة أخيرة للقوى السياسية لتسهيل تشكيلها»، وبدا مقتنعاً في الأسبوع الأول من الشهر بأنه ذاهب إلى التأليف. مضى الشهر، والرئيس لم يؤلّف، ولم يعتذر. اتّكل على سليمان، «على الفاضي».

لم تعد الحكومة محطّ نقاش في أيلول. صار النقاش في مكانٍ آخر: «الحوار». أحسّ سلام بأن ثمة من يأخذ حكومته الموعودة بـ«العجقة». «عجقة» الحوار. وفي مقابلة مع «الأخبار»، أكد أن «طاولة الحوار ليست مكان تأليف الحكومة»، في ردّ على مبادرة الرئيس نبيه برّي. طبعاً، طاولة الحوار ليست مكاناً لتأليف الحكومة، الحكومة تُؤلّف ببضعة اتصالات هاتفية من القناصل ذاتهم، لا أكثر.
أمّا آخر أخبار الرئيس المكلّف، فدعوة إلى «حكومة مهما كان الثمن»، على ما أكد زواره لـ«السفير» قبل أيام. تدرّج سلام منذ بداية تكليفه، وغَيَّر التزامه شكل الحكومة عدة مرات. طبعاً ليس عليه لوم، لأن الأمر ليس بيده، لكنه طبّق المثل، «صام وفطر على بصلة»، من «حكومة المصلحة الوطنية»، إلى «مهما كان الثمن».
2013-10-01