ارشيف من :أخبار لبنانية
عن أجواء قمة نيويورك … والغباء الإسرائيلي المستمر
غسان بو دياب - صحيفة المراقب العراقي
في السياسة، عندما يجتمع رئيسا جمهورية سوية، يكون الحدث بارزاً، ويحتل الصفحات الأولى في جرائد البلدين لليوم التالي، وحينما تكون اللقاءات ثلاثية، فهي تتحول إلى شأن إقليمي وربما دولي بارز. فكيف حينما تجمع أكثر من مئة وثمانين دولة في مكان واحد، الحدث يصبح “عالمياً” ويحظى باهتمام جميع وسائل الإعلام، كما هو الحال اليوم في نيويورك.
مما لا شك فيه أنه، واستناداً إلى المعطيات السياسية، والظروف الإقليمية والدولية الحالية، فإن “نجم” اللقاء الدولي” المتمثل بإجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدورتها الثامنة والستين بلا منازع كان الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، ويليه، في النجومية، “معلم” الدبلوماسية السورية الوزير وليد المعلم. أما الوجوه البارزة، فقادة “الدول الكبرى” والمؤثرة في صناعة القرار.هذا في الشكل، أما في المضمون، فخطابات رؤساء الوفود. الأبرز كان خطاب كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما، لما تضمن من مبادرات إيجابية، ومن رؤيا سياسية مختلفة في مقاربة الملفات، إذ، فعلياً، تخلى الرئيس أوباما عن “الشيطنة المسبقة” لإيران ممثلة ببرنامجها النووي، بالمقابل، وفتح الحوار أما التكهنات والإستنتاجات حول مستقبل الدور الأميركي في العالم. بالمقابل، زادت “نجومية وألق” الرئيس الإيراني، بسبب الخطاب “الفوق اعتيادي” الذي أطلقه ، والذي اشّر لمرحلة جديدة من العمل السياسي الإيراني مع المجتمع الدولي، بدأ بحديثه مع السي أن أن، وقوله “أية جريمة ضد الإنسانية، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبها النازيون تجاه اليهود، تعد أمرًا مستنكرًا ومدانًا”. خطاب، سمعته جميع الوفود التي اكتظت بها مدرجات القاعة العامة، وبدا بديلاً “لطيفاً” وتاريخياً للخطابات النارية التي كان سلفه “يقصف” بها المقاعد “الشبه خالية” للوفود المنسحبة.
المشهد “دراماتيكي للغاية” وحده الوفد الإسرائيلي المكون من يوفال شتاينتس، وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي، المعروف بقربه من نتنياهو، والسفير الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة، رون بروشاور، غادر القاعة، بطريقة شبهها البعض بـ” فليرحل المزروك”، ليلقى هذا التصرف هجوماً عنيفاً من المحللين الإسرائيليين، الذين نعتوا تصرف نتنياهو بالغبي، قائلين أن الخروج “الاستعراضي من القاعة كان مشهدًا عبثيًا وهزليًا”، وأن الخروج كان “مثل الأوز المنتفخ” وأن” تلك التصرفات الغبية لا تصدر عن أحد آخر سوى “نتنياهو” الذي جعل إسرائيل مثارًا للسخرية.”في ظل “بقاء مئتي زعيم دولة لسماع الخطاب التاريخي الذي يدعو إلى السلام”. حتى داخل الحكومة الإسرائيلية، ظهرت تصدعات برز أحدها في الموقف الذي ابداه عن رئيس حزب “يوجد مستقبل” وزير المالية الإسرائيلي يائير لبيد، إن قرار إسرائيل بخروج مندوبيها من قاعة الجمعية العامة خلال خطاب روحاني، هو قرار خاطئ.إذ “لا يتعيّن على إسرائيل أن تبدو كرافضة مواظبة للمفاوضات، وكدولة ليست مهتمة بالحلول بطرق سلمية” كما قال. كلام لا يعلم “أين سيصرف” على مستوى تماسك الحكومة التي تتلقى صفعات متتالية تكتيكياً، فكيف بخطأ “إستراتيجي” كالذي حصل.إلا أن الغباء الإسرائيلي لم يتوقف عند حدود “الثنائي النتنياهوي”، فقد ترافق هذا الموضوع مع هجوم إعلامي، تولته سفارة إسرائيل في واشنطن، التي “سخرت” من الرئيس روحاني “تويترياً” واصفة إياه بأنه “يتاجر على مستوى دولي” و”يدافع عن الانتشار النووي” و”يحترف العلاقات العامة”.، ومشبهة أياه بصفحة “لينكد اين” بعد إعلانه في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده لا تمثل تهديدا للعالم ولا لمنطقتها، وفي خطوة “غير ديبلوماسية مطلقاً، نشرت سيرة ذاتية وهمية له مكتوب فيها على لسانه “منذ انتخابي رئيسا لإيران في 2013، قمت بحملة علاقات عامة غير مسبوقة لمصلحة الحكومة الإيرانية، وأضافت: “بفضل سلسلة من التصريحات و التغريدات وعمليات التواصل والابتسامات، تمكنت من تحويل نظام آيات الله، المعادي لحقوق الإنسان، إلى نظام معتدل، يبعث على الأمل في إطار المجموعة الدولية”.
عملياً، يتصرف الساسة الإسرائيليون في هذا الملف بمراهقة سياسية كبيرة جداً، تشبه إلى حد بعيد مجموعة من الأطفال الذين يلعبون بالرمال، في حين يرون “الكبار” يحاولون إنجاز فلك يستطيع حماية الناس من الطوفان الآتي، فعلياً، صمَّ نتنياهو أذنيه”كي لا يسمع” وهو يرى خيبته أمام العالم، وهو الذي حمل صورة تمثل قنبلة بفتيل مشتعل، وباللون الأحمر يتصاعد ليصل إلى حدود الإنفجار، مترافقاً بشرح مستفيض حول “خطورة” إيران على الأمن العالمي.بالعربي، ربما كان من الأجدى بكثير، بدل أن تقوم الديبلوماسية الإسرائيلية بتضييع الوقت بإنشاء حسابات وهمية باسم الرئيس الإيراني في “العالم الإفتراضي” لو استثمرت هذا الوقت لمواجهة تداعيات “خفت وهج” عدوانية الجمهورية الإسلامية الإيرانية لها، وتحول التذرع بـ”الحوت الإيراني القادم ليلتهم إسرائيل” إلى “حجة واهية”، كما وهت وسقطت الحجة التاريخية التي دأب قادة إسرائيل على التقوي بها، لتبرير وجودهم كحاملة طائرات سياسية للولايات المتحدة، وهي “أن العرب قد وحدوا جهودهم ويريدون رمي إسرائيل المسكينة في البحر”، كما بالأجدى بنتنياهو، أن يكف عن السير عكس الزمن، ويذهب لمعالجة إشكاليات التضخم في الإقتصاد لكيانه، وربما من الأجدى أيضاً، بدل التلهي بالسخرية من الكلام “العنصري” بحق الرئيس الإيراني، لو تخفف حكومته البتراء، المهددة بالتفكك المستمر، من سياساتها العنصرية الغاشمة، بحق الشعب الفلسطيني، والمسجد الأقصى، كما من الأجدى أن ينضم إلى معاهدة حظر إنتشار السلاح النووي، وتسليم ترسانة إسرائيل الكيمياوية والنووية، بدل إتهام إيران السياسي بأنها تهدف ” لكسب الوقت لتحقيق مزيد من التطور في القدرة النووية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018