ارشيف من :أخبار لبنانية
معادلات الربح والخسارة في سوريا
يعقوب يوسف جبر - صحيفة الصباح العراقية
من البديهي أن شعوب منطقة الشرق الأوسط لا يزال مصيرها وسيادتها رهينة الإرادات والتدخلات الخارجية ، بسبب تدني الوعي السياسي وهيمنة نزعة المصالح السياسية والطائفية ، ويقينا أن ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من صراع سياسي وعسكري يعود لعدة أسباب أولها اقتصادي فسوريا بنظامها الحالي الممانع والمقاوم قد اصبح عقبة كأداء أمام مشروع الغاز الذي سينطلق في حال تغيير النظام في سوريا من قطر مرورا بالسعودية والأردن ثم سوريا عابرا الى اوروبا من خلال تركيا لكن وجود نظام بشار الاسد بصيغته الحالية يجعل هذا المشروع الاقتصادي محكوم عليه بالفشل الذريع ، ووفق هذا المعطى فإن بعض دول العالم والمنطقة ما تزال تحكمها نزعة احتكار السوق الاقتصادية في المنطقة لنفسها فقط، لتثرى شعوب وتجوع شعوب أخرى وتنزف دما ودموعا وآهات، ولتبقى دول منعمة تبدد موارد العالم حسب ما تشتهي بينما تظل دول ضعيفة تلعق جراحها وتتكفن بجماجمها ، فليس مهما لدى بعض الدول التي تنزع إلى الهيمنة على دول أخرى أن يهدأ العالم ويتجه إلى تحقيق السلم الدولي والتنافس الاقتصادي لحساب كافة الشعوب ؛ بل المهم أن تبقى هذه الدول المستكبرة غارقة في وحل التسلط والسايكوباتية ، ومن المؤسف أن صنفا من الشعوب الفقيرة لا يزال صيدا سمينا لخداع الدول المستكبرة ، ففي سوريا سقط في الفخ أحد الاتجاهين المتضادين، وهو الاتجاه المعارض على خلفية طائفية ، كان من الممكن واستجابة لصوت العقل إيجاد تقارب سلمي بين الاتجاهين لتفويت الفرصة على كافة الدول التي نجحت في إشعال فتيل الحرب بين الطرفين ، فبحسب المعطيات على الأرض فإن الاتجاهين المتعاكسين السوريين قد خسرا الكثير من المكاسب الاقتصادية أولا والسياسية ثانيا ، فاستقواء المعارضين بالقوى الخارجية لإسقاط النظام على افتراض تحقق ذلك لن يحقق مكاسب للمعارضة مطلقا ، كما أن بقاء النظام على حاله السيء سيكون بمثابة نقطة ضعف له ولسوريا كدولة ، من هنا باتت الضرورة ملحة لانطلاق مبادرة سلمية سياسية من قبل الاتجاهين رغم ما لحق بسوريا من دمار ، ومن المهم أن يتم تسوية الصراع داخليا دون السماح لتدخل خارجي إقليمي او دولي ، وليس الأمر بمعجز بالنسبة للطرفين ، لأن سوريا كدولة هي ملك لجميع السوريين دون استثناء ، وتتماشى هذه المبادرة مع المبادرة السلمية التي أطلقتها الحكومة العراقية وأعلنها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مؤخرا ، وليس مستحيلا أن يحدث التقارب السوري السوري لحقن الدم السوري لأن مصير سوريا وسيادتها ووحدتها شأن سوري بحت يهم السوريين بالدرجة الأولى رغم حرص بعض الدول على ذلك.
أما السبب الثاني لما يدور من صراع فهو العامل الايديولوجي لأن سوريا حتى هذه الساعة لم تغادر المعسكر الاشتراكي ولم تترك قلعة المقاومة والممانعة وترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني سرا وعلنا وتدعم وبشكل واضح وصريح حركات المقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة وهذا ما يزعج الغرب وبقية الدول التي طبعت علاقاتها سرا وعلنا مع الكيان الصهيوني ، ومن البديهي أن بعض دول المنطقة ومنها قطر والسعودية تسير في ركاب مشروع التطبيع مع إسرائيل فليس مستغربا أن تكون السباقة والداعمة لمشروع تغيير النظام لتعزيز أمن اسرائيل ، كما أن هنالك هدفا أبعد من ذلك يكمن وراء اندلاع الحرب في سوريا هو تهديد أمن المنطقة وتمزيق نسيج شعوبها وتفتيت وإضعاف دولها ومنها مصر والعراق الذي لم يستعد عافيته بعد لأنه مرهق أمنيا وسياسيا ، فافتراض تغيير النظام السوري بالشكل الذي يدعم المشروع الغربي سيكون الخطوة الأولى لتغيير خارطة المنطقة ، وكأنه سايكس بيكو جديد سيضع المنطقة لعقود أخرى تحت الهيمنة الخارجية ، لكن افتراض تحقيق التسوية بين السوريين أنفسهم والاحتكام إلى مبدأ التداول السلمي للسلطة والدولة سيكون مكسبا سياسيا واقتصاديا ، سينعكس على سوريا والمنطقة برمتها وسيفشل المخطط المضاد الذي تم تنفيذ بعض مراحله للأسف بأيدي سورية وبأذرع قوى الإرهاب الدولي وبدعم عربي خليجي وأمريكي وغربي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018