ارشيف من :أخبار لبنانية
ما بعد نيويورك ليس كما قبلها - جوني منيّر
جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"
لم يكن غريباً أن تلغيَ المملكة العربية السعودية، لا أن تؤجل، زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لها. ذلك انّ ما بعد نيويورك لن يكون كما قبلها. ففي نيويورك فوجئ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كما غيره من المسؤولين بـ"المناخ الاميركي ـ الإيراني الودّي"، والذي لا بدّ من أن يعكس ما يشبه تفاهمات كثيرة قد حصلت في العمق.
وبدا ذلك واضحاً على الفيصل لدى لقائه بالرئيس اللبناني حيث غلب التوتر على الاجتماع الذي دام نصف ساعة. فلقد أيقنت السعودية انّ مرحلة جديدة بدأت على أنقاض المرحلة السابقة وتقوم على تفاهم أميركي مع ألدّ أعداء المملكة في المنطقة.
وأما الغاء زيارة سليمان للرياض فله علاقة بالمسار الذي تتجه اليه الامور. ذلك انّ المملكة العربية السعودية كانت تحضّر الأجواء اللبنانية لتأمين ولادة حكومة "مستقلّة" او بمعنى أوضح من دون مشاركة حزب الله، وفي احسن الحالات حكومة 8+8+8، بحيث يُترك لهذه الحكومة هامش المساهمة في المعركة السياسية الضاغطة على "حزب الله" وفق تطوّرات المعارك الدائرة في سوريا، وفي إطار المواجهة المفتوحة بين السعودية وإيران.
ومن هذه الزاوية عمد السفير السعودي علي عواض العسيري على الانفتاح بلا حساب على حلفاء "حزب الله" في لبنان تمهيداً لتعريته وكشفه امام مرحلة قاسية من الضغوط السياسية. ووفق هذا المفهوم إستعدّ رئيس الجمهورية لتأمين ولادة حكومة الـ24 وزيراً مطلع الشهر الماضي، ومن ثمّ تفاهم مع الرئيس المكلف تمام سلام على إعلان هذه الحكومة قبل سفره الأخير الى نيويورك، وفي موعد أخير أعلن بصوت اعلى قُبيل سفره انّ الحكومة ستولد بعد عودته.
وفي تأكيد لذلك ووفق ما يشبه الالتزام أكد لصحيفة "الفيغارو" الفرنسية انّ الحكومة ستولد قبل الاول من شهر تشرين الاول. لكنّ الاجواء الصادمة في نيويورك حول فتح صفحة جديدة بين واشنطن وطهران أجهضت فكرة "حكومة المواجهة" مع حزب الله لتصبح المعادلة الجديدة حكومة بالتفاهم معه.
وكما رئيس الجمهورية وجد رئيس "جيهة النضال الوطني" وليد جنبلاط نفسه مضطراً الى ركوب الموجة تماشياً مع مبدأ السياسة الواقعية التي ينتهجها وبنحو "فجّ"، فأعلن سقوط حكومة الـ8+8+8 وتأييده حكومة الـ6+9+9. وعندما عاد سليمان الى بيروت وفق هذا الإقتناع كان لا بدّ للرياض من إلغاء زيارة لم يعد لها معنى على مستوى النزاع الدائر في المنطقة. لكنّ ذلك لن يعني ابداً ولادة قريبة للحكومة.
فعدا "الفيتو" السعودي الذي اصبح حاضراً من خلال التمسك بشروط الرياض، فإنّ "حزب الله" قد يطرح قريباً الانتقال الى صيغة الـ8+11+11 والتفاهم سلفاً على البيان الوزاري.
في كلّ الحالات، فإنّ ولادة الحكومة لا يمكن أن تتمّ من دون اتفاق على الدور المطلوب منها سلفاً، ما يعني تأمين تفاهم سعودي ـ إيراني مسبق عليها، وهو ما أصبح مهدداً بعد التلويح الايراني باحتمال إلغاء زيارة روحاني للسعودية.
فالرئيس الايراني لوّح باحتمال إلغاء زيارته الى السعودية من خلال موقف صادر عن نائب وزير الخارجية الايراني. وصحيح انّ إعلان تأجيل الزيارة لا يحصل بهذه الطريقة وعبر الشخصية الرقم اثنين في وزارة الخارجية، إلّا انّ المقصود كان توجيه رسالة حاسمة باحتمال إلغاء هذه الزيارة.
كذلك فإنّ اختيار نائب وزير الخارجية لهذه المهمة يهدف ايضاً الى قطع التأويل حول إقدام المتشددين على "القوطبة" والتشويش، ذلك انه يحصل على لسان احدى الشخصيات الإصلاحية المحسوبة على روحاني.
على انّ القيادة الإيرانية تدرك جيداً انّ التطورات الحاصلة انما صبّت في خانتها وجعلت ورقتها اكثر قوّة وأهمية، على عكس السعودية التي "جاءت التطورات على حسابها، ما يستوجب منها سلوكاً اكثر تواضعاً، على ما يعتقد الايرانيون.
كما انّ طهران العارفة تماماً بأنّ الانفتاح الاميركي عليها نابع من مصلحة أميركية صرفة في المنطقة، تدرك ايضاً انّ إدارة اوباما والتي تحضّر للانسحاب العسكري الاميركي من افغانستان سنة 2014 في حاجة الى تعاون ايران لتأمين انسحاب آمن وناجح ومضمون. وهذا ما يتيح لإيران مزيداً من "الدلال" في مواقفها.
أما ما صدر من مواقف أميركية خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن فالواضح أنها لاستيعاب غضب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، وقد تُرجم هذا الغضب في تأجيج مواقف الرافضين للموازنة في الكونغرس الاميركي.
وبدا انّ كلام نتنياهو حول الانخداع بروحاني موجهاً الى أوباما الذي كان يقف الى جانبه. فالرئيس الأميركي يحاول تسويق انفتاحه لدى إسرائيل والعواصم الخليجية على أنها خطوة لحماية التيار الايراني المعتدل وجعله أقوى من المحافظين تمهيداً لتمكينهم من السلطة الكاملة في إيران.
الّا انّ هذا التبرير لم يُقنع القلقين من التقارب الحاصل. ولكنّ واشنطن تقرأ كلام نتنياهو من زاوية أخرى، وعلى أساس انّ تل ابيب ترفع السقف لتضمن حصتها لاحقاً، وهي التي كانت تتمتع بعلاقات متينة بإيران ايام الشاه محمد رضا بهلوي.لكنّ طهران تبدو حذرة في تقدّمها في المساحة الجديدة. وهي تدرك انّ الاستياء السعودي تستفيد منه واشنطن في تحسين ظروفها.
في ايّ حال، فإنّ الرئيس الايراني والذي كان قد حضّر جيداً لزيارته الى السعودية، وانتقى الوفد المرافق بعناية شديدة من خلال اختيار شخصيات تتمتع بعلاقات جيدة مع مسؤولين سعوديين كمثل رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال شمخاني، لم يقطع الامل بعد نهائياً في خلق أجواء مواكبة تسمح بإجراء الزيارة وقد تنعكس ايجاباً على لبنان.
امّا في حال العكس، فإنّ مرحلة ميدانية قاسية قد تكون في انتظار المنطقة، حيث يستعدّ الجيش السوري لإنجاز معركة عسكرية سريعة في القلمون لقطع التواصل نهائياً بين عرسال والداخل السوري، فيما لبنان سيخضع الى مزيد من التجاذبات الداخلية في وقت عادت واشنطن الى رهانها على أنّ الجيش السوري هو الوحيد القادر على ضرب "الجهاديّين" في سوريا، وانّ التعاون مع الاجهزة الامنية اللبنانية اساسي لإقفال الساحة اللبنانية أمام الخلايا المتطرّفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018