ارشيف من :أخبار لبنانية
باريس: لا ثلث معطّلاً إلّا بصفقة شاملة
«ouf»! خرجت التنهيدة من أعماق صدور المسؤولين الفرنسيين عند إعلان نتائج الانتخابات اللبنانية. تنهّدات مرفقة بابتسامة مصدر فرنسي مسؤول، أعرب لـ«الأخبار» عن سعادته بخروج النتائج كما جاءت، فجر أمس. وحاول المصدر نفسه، الذي «اعترف» قبل أيام بأن باريس «تفضّل أن يفوز فريق ١٤ آذار»، إلباس موقفه المرحّب بنتيجة التصويت رداءً «دبلوماسياً» بقوله: «لقد أظهر لبنان أنه مستقل وأنه يتحلى بديموقراطية مميزة».
أما بعد؟ الانتظار هو سيد الموقف في الدوائر الفرنسية رغم اعتبار المصدر المقرب جداً من الملف اللبناني، بأن انتصار الأكثرية هو «ساحق»، وهو ما يملي استنتاجاً بأنه «من المستبعد العودة إلى ما قبل اتفاق الدوحة» 2008.
ويعترف المصدر بأن «أقطاب ١٤ آذار كانوا متخوّفين من تلقّي صفعة قوية» قبل أن يتحقق انتصارهم. أما الآن، فإن تفسير معنى عدم العودة إلى الوراء هو أنه «لا أحد يستطيع أن يملي عليهم أي موقف إلا إذا كان ذلك ضمن معادلة سياسية شاملة». ولدى محاولة استفساره عن هذا الموقف، يرى المصدر الفرنسي أنه «لا يمكن العودة إلى الثلث المعطل»، لأنّ فرض المعادلات يتم «بتنازلات متبادلة»، أي إن الثلث المعطل يدخل ضمن «صفقة... إذا وُجدت».
أمّا عن تباشير الحلول التي يمكن أن تُطرح، فيشير إلى أنه «يجب أن ننتظر يومين» لكي تظهر ملامحها؛ فرغم أن «موقف ١٤ آذار قد تعزز سياسياً، إلا أنه ميدانياً لم يتغير». ويسترسل المسؤول لافتاً إلى أن «جماعة ١٤ آذار تعزز دورها داخلياً في مواجهة حزب الله، و(النائب ميشال) عون خسر الانتخابات نسبياً، إذ إن المسيحيين لم يتبعوه، ولكن هذا لا يغير الكثير من المعطيات».
ولكن، هل ينعكس هذا الوضع الجديد على التوازنات الإقليمية؟ يأتي الجواب صريحاً للغاية، ومختلفاً عما نسمعه في الدوائر الدبلوماسية المهذّبة: «وكأن لقاء الرئيسين نيكولا ساركوزي وباراك أوباما قد فعل فعلته». وهنا يؤكد المصدر أنه «يجب انتظار اللقاء الأميركي ـــــ الإيراني».
وفي السياق، ترى مصادر فرنسية أخرى أن «هناك التزاماً إيرانياً في الساحة الداخلية اللبنانية»، معترفة بأن الانتخابات الأخيرة «أثبتت أنه لا وجود لوصاية إيرانية على لبنان». ويضيف أحد المسؤولين، الذي يرفض الكشف عن هويته، بأنه «إذا أعيد انتخاب محمود أحمدي نجاد للمرة الثانية رئيساً لإيران» في انتخابات 12 حزيران الجاري، فإن باريس متأكدة بأن واشنطن سوف «تفتح موضوع حزب الله مع طهران».
ورغم كل هذه المقدمات، لا يرى المصدر الفرنسي مهرباً من قيام «حكومة وحدة وطنية» في بيروت. ويرى أن الرئيس فؤاد السنيورة يمكنه أن يترأسها، إذ «بات يتمتع بشرعية أقوى»، لأن الموالاة أصبحت بدورها أقوى، معترفاً بـ«صعوبة وصول النائب سعد الحريري» إلى رئاسة الوزراء. وبحسب المصدر نفسه، فإن باريس تثق بالكامل بأن الرئيس ميشال سليمان، الذي اتصل به ساركوزي لتهنئته، «يستطيع قيادة البلاد بطريقة تؤمّن الاستقرار»، وهو ما يدل على أنه «لا ضرورة لرحلات مكوكية» لوزير الخارجية برنار كوشنير إلى العواصم المعنية بالشأن اللبناني.
وبالعودة إلى حديث «الصفقة» التي لا بد أن يتضمنها أي اتفاق على اسم رئيس الحكومة، فإن باريس، واستناداً إلى مصادر عديدة، «ترفض الدخول في تفاصيل المداولات السياسية». حتى إنّها لا تستطيع جزم وجود «مفاوضات تحت الطاولة يمكن أن تحرك الخطوط»، في إشارة إلى «إمكان حصول تغييرات في تحالفي 8 و14 آذار» الحاليين. ووفق هذا المصدر، فإن أي «صفقة» يجب أن تشمل «حديثاً عن سلاح حزب الله»، وهو ما سيكون «الصفقة الكبرى» التي يمكن «أن تشمل التفاهم على الدور الأمني للحزب». كل ذلك في ظل «تقاليد ديموقراطية باتت مترسّخة في لبنان»، وخصوصاً أن الانتخابات أثبتت أن الجميع في بيروت يقبل بشروط اللعبة، وهو ما يدفع بالمصدر إلى القول «انطلاقاً من هذا الواقع، لا خوف على لبنان»، مشيراً في الوقت نفسه، إلى أن «المساعدات إلى لبنان تنتظر تأليف الحكومة الجديدة والبدء بالإصلاحات».
وكان بيان لوزارة الخارجية الفرنسية، تلاه المتحدث باسمها إريك شوفالييه، قد أشاد بـ«حسن سير الانتخابات»، منوّهاً بعمل السلطات اللبنانية «وحسّ المسؤولية الذي تمتعت به التشكيلات السياسية المختلفة»، إضافة إلى المجتمع اللبناني ككل. ولفت البيان نفسه إلى أن هذه الانتخابات «تمت بشروط مرضية وتعبّر عن حيوية الديموقراطية اللبنانية». وطمأن إلى أن باريس ستبقى «صديقة لجميع اللبنانيين»، وتتمنى أن يستمر «مناخ الحوار الذي يسود منذ عام». ونال سليمان حيزاً من التعليق والإشادة الفرنسيين، إذ إن فرنسا «تجدد ثقتها بالرئيس الضامن للمؤسسات ولاستقرار البلد». وانتهى البيان إلى التشديد على «رفض فرنسا إفلات المجرمين من العقاب»، في إشارة إلى ضرورة التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بمقاضاة قتلة الرئيس رفيق الحريري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018