ارشيف من :أخبار لبنانية
الصلاحيات أولاً والحريري مع الحكومــة قبل الحوار
هيام القصيفي - صحيفة الاخبار
منذ آب وحتى اليوم، يدور صراع حول صلاحيات الرئاستين الثانية والثالثة، تارة يكون مستترا وأخرى يكون مكشوفا. وفي ظل التطورات الاقليمية الاخيرة، لا يبدو انه يمكن ان يبقى خلافا صامتا.
رغم أن الخواء السياسي يتحكم بالمشهد اللبناني الداخلي، الا ان ثمة صراعات داخلية لا تزال مكتومة، ولا تطفو على سطح الازمة الا عند اشتدادها. ففي خضم البحث المستجد حول الحكومة العتيدة، برز مرة اخرى موضوع الصلاحيات بين الرئاستين الثانية والثالثة، الذي كان في جوهر السجالات التي تفاقمت على خلفية مبادرة الرئيس نبيه بري التي أطلقها في نهاية آب الفائت، وتضمنت الدعوة الى مناقشة تشكيل الحكومة على طاولة الحوار. اذ ان التحرك الجديد لقوى 14 آذار للضغط لتشكيل الحكومة سيكون حاسما في اتجاه رفض عقد طاولة الحوار للبحث في الملف الحكومي.
واذا كان المسيحيون في قوى 14 آذار معنيين بفرض سلاح حزب الله فقط على طاولة الحوار، الا ان الرفض يعني المستقبل من زاوية مختلفة تماما. اذ ان موضوع الصلاحيات كان ولا يزال جزءا من الصراع بين تيار المستقبل وبري ومعه حزب الله بطبيعة الحال. فالقصة بدأت على خلفية جلسات الهيئة العامة التي كان قد دعا اليها رئيس المجلس النيابي بعد التمديد للمجلس، وفي جدول اعمالها التمديد للقادة الامنيين. حينها اضطر بري الى عقد مؤتمر صحافي نادر له لشرح موقفه من جدول اعمال المجلس الذي لن يغير حرفا فيه. في حين قاطعت قوى 14 آذار الجلسة حفاظا على صلاحيات الرئاستين الاولى والثالثة، بعدما رفض الرئيس نجيب ميقاتي اعداد مرسوم لفتح دورة استثنائية كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان طلبها لعدم جوازها في ظل حكومة مستقيلة.
استمر رفض المستقبل حضور جلسات الهيئة العامة، ولا سيما بعد الاجتماع الذي عقد في السرايا الحكومية وضم رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي والرئيس فؤاد السنيورة والرئيس المكلف تمام سلام، واثاروا فيه انتقاص صلاحيات رئاسة الحكومة. في المقابل مضى بري في الدعوة تكرارا الى الجلسات، وبدا رفض المستقبل الدائم محاولة لتطويق دور الرئاسة الثانية، التي استمرت قائمة بعدما تعطل دور الرئاسة الثالثة باستقالة حكومة ميقاتي وعدم تشكيل حكومة جديدة برئاسة سلام.
جاءت مبادرة بري في اواخر آب، لتشكل بالنسبة الى المستقبل ردا من رئيس المجلس على محاولة تطويقه، بسعيه الى تعويم دور الرئاسة الثانية على حساب الرئاسة الثالثة.
لم تسلك المبادرة طريقها الى النجاح، الى ان جاءت زيارة السنيورة الى بري اخيرا خارقة جدار الازمة بينهما. لكنها لم تكن مطابقة لما حاول الطرفان اشاعته من اجواء ايجابية، ولم تحمل مطلقا اي اشارة، ولو صغيرة، الى قبول ضمني ببحث الملف الحكومي على طاولة الحوار. وبحسب مصدر سياسي مطلع فان العقدة الاساسية لا تزال هي نفسها: «لا شكل الحوار ولا شكل الحكومة ولا طبيعتهما، بل احقية الرئاسة الثانية في الامساك بملف الحكومة، ورفض الطرف السني ان يكون الطرف الشيعي صاحب قرار فيه، وحصر ملف التشكيل بالرئيس السني المكلف منعا للانتقاص من صلاحياته».
جاءت زيارة السنيورة في لحظة تقاطعات دولية واقليمية وبين مواعيد كانت محددة للانفتاح السعودي الايراني، لكن مفاعيلها انتهت ما ان بدأت المتغيرات العربية ترخي بثقلها على الملف الداخلي. ورغم الحديث عن لقاء ثان، فان لا شيء يوحي انه يمكن للرجلين ان يتوصلا الى تفاهمات في وقت تنقلب الاوضاع الاقليمية رأساً على عقب، في ما يتعلق بالعلاقة السعودية الايرانية، وتطورات الجبهات العسكرية في سوريا. اذ لا يمكن لاي طرف في لبنان ان يتحدث عن احتمال ضئيل لدى الطرف السني اليوم لتسليم تشكيل الحكومة الى الطرف الذي اطاح حكومة الرئيس سعد الحريري وحكومة ميقاتي وعطل لستة اشهر عمل الرئيس المكلف من دون مقابل وبلا اثمان.
وبحسب المعلومات فان ما استجد اخيرا هو ان ثمة قرارا واضحا لدى تيار المستقبل ولا سيما من جانب الرئيس سعد الحريري، بأن لا مناقشة للحكومة على طاولة الحوار. والحريري الذي سبق ان اشاد بمبادرة بري، الا انه في حينه لم يغيّب موضوع الصلاحيات. وهو بحسب المطلعين عليه حاليا، بات متمسكا بأن التشكيل يجب ان يكون حصرا بيد الرئيس المكلف وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية. وقد بدا واضحا من خلال الاتصالات التي تجريها معه قوى 14 آذار وفي مقدمها القوات اللبنانية التي كانت رافضة لمبادرة بري منذ اللحظة الاولى، ان سلوكا جديدا سيعتمد في اتجاه الضغط لمنع انعقاد طاولة الحوار للبحث في الوضع الحكومي. فعملية التشكيل خط احمر، تماما كما هو سلاح حزب الله المطروح بندا وحيدا للحوار. واذا كان المسيحيون معنيين بتشكيل الحكومة ورفض طرحها على طاولة الحوار لاسباب مغايرة، فان رفض المستقبل بات جزءا من المشهد السياسي الداخلي المرتبط بالمشهد الاقليمي العام الذي يشتد فيه الصراع المذهبي في سوريا والعراق.
وهذا الرفض مرشح لان يتفاقم، ولو طويت مبادرة بري بطرح التشكيلة الحكومية على طاولة الحوار. لان اي بحث مستجد في تأليف الحكومة اذا ما تأزم وضع الحدود اللبنانية السورية واحتدم الصراع الصامت بين السعودية وايران، سيأخذ في الاعتبار المستجدات، وسينطلق مجددا من غير الزاوية التي انطلق منها عند تكليف سلام تشكيل الحكومة. حينها سيكون الكلام عن الصلاحيات كلاماً من نوع آخر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018