ارشيف من :أخبار لبنانية

«أبو هريرة السكّين» و«أبوكوكو البنزين» - جورج كرم


«أبو هريرة السكّين» و«أبوكوكو البنزين» - جورج كرم

جورج كرم - صحيفة "البناء"


كانت الحرب اللبنانية في أوج بشاعتها في ثمانينات القرن الفائت غداة اغتيال بشير الجميل وتضعضع المشروع «الإسرائيلي» لإقامة دولة تابعة للكيان الصهيوني في لبنان وجرت محاولات لتعويم المشروع الصهيوني سياسياً وقتذاك من خلال صوغ إتفاق استسلام لبناني عرف باتفاق السابع عشر من أيار لكن هذا الاتفاق نُسف بدوره بواسطة جهود الكثير من اللبنانيين الرافضين التطبيع مع العدو الصهيونيّ وبدعم واضح من الشام. والجدير ذكره أن الرئيس أمين الجميل كان عراب الاتفاق الذي صدقت عليه حكومته لكن الجميّل تردّد في توقيع الاتفاق في اللحظة الحاسمة خوفاً من أن يلاقي مصيراً مماثلاً لمصير شقيقه على يد قوميّ «شرتونيّ» آخر انطلاقاً من مبدأ «ما متت ما شفت مين مات». وكان عزوف الجميّل عن التوقيع تحت ضغط القوى الوطنية المعارضة الضربة القاضية للجهود الرامية إلى إلحاقنا سياسياً بركب كامب ديفيد ونهجه المذلّ.

كان وقتذاك لليهود مكتب تنسيق في ما يشبه السفارة في منطقة الضبية وكانوا يروحون ويجيئون بحرّية في المناطق التي كانت تحت احتلالهم وبعضها كانوا يعتبرونها مناطق «صديقة» لهم واستقُبلوا فيها بالعناق يوم أتوا إليها محتلين وشوهد الجنود الصهاينة في البارات مع فتية وفتيات بعض القرى ويقع اللوم في ذلك على الإعلام المتصهين المنظّم آنذاك مثل إذاعتي «صوت لبنان» و«لبنان الحر» ومحطة «إل بي سي» الذي صوّر اليهودي المحتل كصديق آت «لإنقاذ المسيحيين من محيطهم الإسلامي» و«لإقامة دولة لهم «على الطراز الأوروبي مثل «إسرائيل».

والرأي العام اللبناني أو«بغل» الأديب سعيد تقي الدين ليس صعب السوق وكان «المجلس الحربي» للقوات اللبنانية في الكرنتينا وقتذاك يعجّ بضباط الصهاينة ومنسقي جهودهم لكنّ تلك المناطق التي اعتبرها الصهاينة صديقة لم تكن فعلا كذلك وكان فيها مناضلون يعملون ليل نهار لطرد المحتلّ منها. وللأمانة نُفذت عملية على حاجز المونتفردي في قلب المناطق الشرقية ضدّ جيش الإحتلال الصهيوني آنذاك مرّ ذكرها مرور الكرام في الصحف ولم تُعط الأهمية التي تستحقها وقام بهذه العملية رفقاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي وفاءً لقسمهم كي يوصلوا من خلالها رسالة إلى المحتل مفادها أن لا مناطق آمنة له على أرض الأمة وأعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي الموجودون في سائر مدن الأمة وقراها ودساكرها البعيدون عن الطائفية والاصطفاف الطائفي كانوا أساسيين في تلك الفترة في قضّ مضجع اليهود أينما وجدوا بما في ذلك مناطق بيروت الشرقية والمتن الشمالي ولا ضير من التذكير مجدداً بالسوري القومي الاجتماعي حبيب الشرتوني الذي أنهى المشروع الاستعماري الغربي اليهودي في لبنان عندما اغتال بشير الجميل في ضاحية الأشرفية. أما في مناطق الأمة الأخرى فجرت عمليات ضدّ المحتل الصهيوني لا تقلّ أهمية عن عملية الشرتوني ومنها رصاصات المناضل خالد علوان في قلوب الصهاينة الذين أتوا لاحتساء الشاي والقهوة في مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا بعيد احتلال بيروت تلك الرصاصات التي زلزلت أرض بيروت تحت أقدام المحتلين وأطلقت مقاومة شعبية في المدينة أجبرتهم على الهرب. ولا ننسى أيضاً عملية السوري القومي الاجتماعي البطل عاطف الدنف قائد عملية الهرب الكبير من معتقل أنصار يوم اقتحم باصا مليئاً بالجنود الصهاينة في عالية وأعدمهم جميعاً بزنوده الجبلية السورية.

كانت فترة ما بعد إعدام بشير الجميل فترة تضعضع في حزبه وتنظيمه العسكري وتسلّم زمام القيادة بعد بشير ضباط كانوا من أركانه مثل فادي افرام وفؤاد أبوناضر وإيلي حبيقة وسمير جعجع وكانت فترة تطاحن وتنازع على مقاطعة القوات اللبنانية المعروفة بالمنطقة الشرقية وعلى إرث الجميل العسكري هناك فكثرت الثكن العسكرية التي كانت تسمى بأسماء قادتها من الضباط الصغار من أتباع هذا الزعيم القواتي أو الكتائبي أو ذاك كثكنة «الحنون» وثكنة «مشكل» وثكنة «أبو كوكو» في المناطق الشرقية على سبيل المثال. وشاءت المصادفات أن يأتي «أبو كوكو» آخر آنذاك ويفتتح ثكنة وكان «أبوكوكو الثاني» يسيطر على محطة للبنزين الذي كان يُستعمل عادة كسلاح إخضاع وإذلال للمواطنين خلال الحرب وعرف «أبوكوكو الثاني» بإسم «أبوكوكو البنزين» توخياً للدقة. واستمر التفكك والتناحر بين الثكن المختلفة حتى هزم المشروع الانعزالي بالكامل وآل الأمر بأصحاب الثكن إلى السجون أو القبور وبالمحظوظين منهم إلى المغتربات. وما زلت أذكر كيف خزنت برميلي بنزين على سطح منزلنا في تلك الفترة في لحظة طيش ظنتها حكمة هرباً من طغمة «أبوكوكو البنزين» وذلّه ناسياً أومتناسياً أن أصغر شظية قذيفة أوشرارة كان يمكن أن تودي ببراميل البنزين التي خزنتها وببناية والدي وجنى عمره في لحظات ولحسن الحظ اكتشف والدي مخزوني «الاستراتيجي» من الوقود وتخلص منه قبل أن تقع الواقعة التي بقيت سيناريواتها المحتملة لو حدثت تقض مضجعي في كوابيس ليلية لفترة طويلة بعد ذلك. وكنّا نتحدث في السهرات آنذاك وسط فقدان العمل وكثرة وقت «طق الحنك» مع الأصدقاء ونراجع حسابات الثكن حولنا ونتساءل من هو مسؤول الثكنة الفلانية ومن يتبع من السياسيين وما تاريخ ولائه وإنجازاته الإجرامية ومثل جميع المراهقين كنا نخال أننا نعرف كل شيء ونحمل تفاصيل صغيرة عن هذه الثكن في ذهننا ننشرها بين الكبار طمعاً بتنويه أوحتى إصغاء بسيط منهم. وكانت خاتمة حديث السهرة التي لا بد منها مناقشة حول إمكان إنشاء ثكنة تابعة لنا: لم لا ننشئ ثكنة نحن الأصدقاء غير تابعة لأحد ونتجول في جيب «رانج روفر» نرعب الناس ونحصل على الهمبرغر والشورما والبيتزا من المطاعم العديدة وعلى أحذية وملابس السبور «ببلاش» لقاء حماية؟! وكان حساب كلفة الثكنة المرجوة باهظا دوماً ويفوق موازنتنا التي تكاد تعجز على تسديد فاتورة المطعم فنعدل لنعود ونتسلى بالحديث نفسه في السهرة التالية.

حوادث عمرها ثلاثون سنة وأكثر ما انفك شريط وقائعها يتكرّر على مساحة الوطن بأشكال مختلفة إلى يومنا هذا من هجمة اليهود في حرب تموز إلى هجمة يهود الداخل والخارج وحلفائهم على الشام اليوم. وهجمة اليهود علينا في حرب تموز تشبه إلى حد بعيد سياسياً وعسكرياً هجمة اليهود أيام بشير الجميل مع اختلاف بسيط في الظروف وشاسع في النتيجة فهجمة تموز الأخيرة باءت بالهزيمة عسكرياً لكنها على غرار إتفاق السابع عشر من ايار الفاشل في الثمانينات أُتبعت بمحاولة سياسية من الحكومة اللبنانية لترسيخ معادلة استسلام وتطبيع وما إلى ذلك من فضائح نشرت على موقع ويكيليكس عن حرب تموز تثبت تآمر رئيس الحكومة مع الأميركيين و«الإسرائيليين» للقضاء على المقاومة ومن لا يصدق ويكيليكس ويرفض نظرية المؤامرة بالمطلق فلينظر إلى حيثيات اتخاذ قرار الخامس من أيار بعد عامين من انتهاء حرب تموز لتفكيك شبكة إتصالات المقاومة وإلغاء سرّ انتصارها وكيف خرج الوزراء ودخلوا القاعة آنذاك مراراً خلال الاجتماع الوزاري يجرون اتصالات ويتسلّمون تعليمات من مشغّليهم حتى اتخذ القرار المشؤوم. والواضح أن مفهومي الرابع عشر من آذار والسابع عشر من أيار سيان في المؤامرة والتبعية والخيانة والطعن في الظهر.

أما الشام اليوم فتشهد مجدداً حوادث ووقائع «شريط» ثمانينات القرن الفائت في لبنان الذي تكرر في حرب تموز الأخيرة وتتعرض لهجمة صهيونية هذه المرة بتمويل خليجي وإدارة تركية وإشراف أميركي. اليوم بعدما انكسر العمود الفقري لهذه الهجمة عقب اكثر من عامين من فشلها في تحقيق أي من أهدافها «وبرت» أصابع أوباما المهزوم الأسبوع الفائت وهو يحاول الاتصال هاتفياً بالرئيس الإيراني روحاني معترفاً ضمنيا بحق إيران في تخصيب اليورانيوم وراح حمد إلى «موزته» المهترئة وباتت أكبر طموحات مرسي انتظار سلة فاكهة في السجن من «إخوانه» مرة أسبوعياً ولا يدري أردوغان صباح كل يوم إن كان لا يزال رئيساً أم أضحى ضحية انقلاب عسكري ويبكي نتنياهو وملك السعودية على أطلال مشروع ظنّوا أنه سيخلّصهم من دولة الشام المقاومة فأذ بها تخرج من المحنة أقوى عشرات المرات مما كانت عليه وهما يخافان اليوم أكثر من ذي قبل على بقائهما نظاماً وكياناً. وكما شهدنا في الدويلة الانعزالية الفاشية المهزومة في ثمانينات القرن المنصرم في مناطق لبنان الشرقية التي آلت إلى ثكن متناحرة قبيل زوالها نرى أمراء النهب والإبادة في ما يسمى الثورة السورية وقد أضحوا «ثكناً» مكروسكوبية متناحرة منها من يسيطر على بضعة أبنية وفرن خبز عربي مثلاً كثكنة أبومارع «الإفرنجي» أو على بئر نفط ناء في الصحراء ومسلخ بشري وسكين يمثل فيه بجثث الأبرياء بسبب انتمائهم الطائفي أو المناطقي كثكنة أبوهريرة «السكّين». ومثلما علمنا تاريخ أمتنا المعاصر لن تكون نهاية أبو هريرة «السكّين» وأمثاله اليوم أفضل حالاً مما كانت عليه نهاية «أبو كوكو البنزين» وأمثاله في القرن الفائت.
2013-10-05