ارشيف من :أخبار لبنانية

الغسيل الوسخ

الغسيل الوسخ

محمد وهبة, أسامة القادري - صحيفة "الأخبار"

20 مليار ليرة هي قيمة الأموال التي كلّفت بها شركة فتوش نتيحة أرباح رأسمالية وأرباح دخل شخصية تصاعدية. فتوش لا يرى الأمر من هذا المنظار، بل يردّد أن وزير المال محمد الصفدي يريد رشوة. فتوش اشتكى إلى رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي الذي كلف أمن الدولة بالتحقيق ما أثار حفيظة الصفدي.

لم يكد يبدأ السجال، علناً، بين وزيري المال محمد الصفدي ووزير الدولة نقولا فتوش، حتى بدأت تتكشف الوثائق والمستندات عن قضية ضريبية نامت فترة طويلة في أدراج وزارة المال. هذه القضية تخفي وراءها الكثير، وروايتها تتناقض بين مصدر وآخر، لكن القانون الذي يجب أن يبتّها لم يفعل بعد. تكشف هذه القضية عن «الاستخفاف» بالإدارة العامة والاستهزاء بالقوانين التي يجب أن تكون سيف الفصل. هل تهرّب بيار فتوش، شقيق نقولا، من الضريبة؟ أم لم يفعل؟ الإجابة ستبقى خاضعة للسجال خلال الأيام المقبلة. فماذا بين فتوش والصفدي؟ وما هي تفاصيل القضية التي استعر السجال بينهما في ضوئها؟

في 29 تموز 2010، ورد من المفتشية العامة في وزارة المال كتاب إلى مديرية الواردات يفيد بأنه خلال استقصاء معلومات بناءً على إحالة من المفتش العام المالي رقمها 621 بتاريخ 11/11/2009، ثبت وجود معلومات عن عقود هناك شكّ في تسديد رسم الطابع المالي الواجب عليها، إضافة إلى شكّ حول وجود شركات لم تتقيّد بالموجبات القانونية الملزمة بها. ووفق الوثائق والمستندات الموجودة في ملف القضية، فإن القصة بدأت من خلاف بين الشركة التي يملكها بيار فتوش، وبين شركة السلام السعودية التي كانت تنوي تنفيذ مشروع «صنين زينة لبنان» الشهير. وقد سلك الخلاف بين الشركتين المذكورتين طريق القضاء، وصدر حكم يمنح شركة فتوش عمولات وأرباحاً عن تنفيذ العقود الموقعة بينهما.

حتى الآن تبدو القصة عادية، إلا أن وزارة المال تبلغت من المحكمة نتيجة الحكم الصادر الذي يظهر فيه أن شركة فتوش تقاضت تعويضات مالية كبيرة تستحق عليها ضرائب للخزينة العامّة. وصل الملف إلى وزيرة المال آنذاك ريا الحسن، وأحيل بالشكل الإداري المعتاد على الإدارة المعنية بدرس ملفات الشركات وأعمالها لتحديد ما إذا كان يجب عليها ضرائب أو لا، والتحقيق في احتمالات وجود التهرّب الضريبي... عملية الدرس هذه طبيعية إلى حدّ ما، لكنها في الوقت نفسه تأخذ مجراها الإداري الذي قد يكون طويلاً أحياناً. فما الذي حصل بعد ذلك؟

هناك أكثر من رواية. فبحسب الوزير نقولا فتوش، إن «الصفدي طلـب رشـوة ماليـة لتنفيـذ الحكميـن القضائييـن المبرميـن لشقيقـيّ (في قضية إقفال كسارتهما الشهيرة)، فرفضنـا لأن شقيقـيّ صاحـبا حـقّ مكـرّس بأحكـام قضائيـة مبرمـة وتتمتـع بقـوة القضيـة المحكمـة. وهنـا ثـارت ثائرته (الصفدي)، وخـرج من اللجنـة الوزاريـة المكلفـة من مجلـس الـوزراء (لدرس ملف تعويضات الكسارة الصادرة بحكم من مجلس شورى الدولة)، وجنـّد وزارة المال لفـرض ضرائـب غيـر واجبـة على مبالـغ لـم تحصـل عمـلاً بأحكـام المـادة 3 ومطالعـة مفـوض الحكومـة في وزارة المال. أكـدّت وأثبتـت ذلـك وقـد قـام المرتكبـون بإخفـاء هـذه المطالعـة». وبحسب مصادر مقربة من فتوش فإن «الصفدي طلب مليوني دولار لتنفيذ الحكم».

ويضيف فتوش أن «مصلحة مالية زحلة بمثابة عصابـة، مؤلفة من الموظفيـن أ. ق.، ك. ف.، ر. ف.، فالأول اشتـرى من فساده عشـرات العقـارات بعضهـا سجّـل باسمـه والبعـض الآخـر بأسمـاء صوريـة، وحفلـة زفافـه كانـت مثـالاً في البـذخ... والعميـد ف. ح. من ضيوفـه الدائمـين... نقـول لهـؤلاء ومن فوقهـم وتحتهـم إن مـا بيننـا وبينهـم لا ينتهـي بعـام، حروبنـا طويلـة كأشهـر الصيـام».

ووفق رواية فتوش، فإن العميد المذكور هو مدير مكتب مديرية أمن الدولة في البقاع، وإنه يقدّم الدعم للمقـدم في الجيش اللبناني أ. ح. وهو زوج مديرة مالية زحلة أ. ج. ولفت الوزير فتوش إلى أنه تقدّم بشكـوى إلى رئيـس مجلـس الـوزراء على اعتبار أن جهـاز أمـن الدولـة قانونـاً تابـع لرئاسـة مجلـس الـوزراء، ومن مهماتـه التقصـي عن سيـر العمـل في الإدارات والتقصـي عن أداء الموظفيـن. وبدأت المديرية المذكورة التقصّـي والتحقيـق مع المشكـو منهـم بحسب كتاب فتوش... لكن التحقيق «عُرقل بخطوات قام بها المقدم أ. ح.، وهو الذي منع استيضاح الموظفين وكال الشتائـم إلى جهـاز أمـن الدولـة، وحصـل ذلـك أمـام المحقـق م. ز.».

وكشف فتوش أن الصفدي أرسل إلى أ. ج. كتاباً يطلب فيه «في معـرض أي شكـوى أو ملاحقـة قضائيـة تتعرضـون لهـا ناشئـة عن الوظيفـة عـدم الامتثـال أو حضـور أي دعـوى تتلقونهـا من أي جهـاز أو مرجـع قضائـي سـواء كـان عسكـرياً أو إدارياً، ولا سيمـا جهـاز أمـن الدولـة، وذلـك إلا بعـد الحصـول علـى إذن خطـي من الإدارة، وذلـك استنـاداً إلى الفقـرة 2 من المـادة 61 من نظـام الموظفيـن».

كل هذا الكلام جاء بعيداً عن وقائع الملف الضريبي الذي يرفعه الصفدي في وجهه. ما يقوله فتوش قد يكون صحيحاً أو بعضه، لكن بحسب الوثائق والمستندات الرسمية، فإن ملف التهرّب الضريبي هو أيضاً صحيح. فبحسب رواية وزارة المال، هناك تهرّب ضريبي من سداد ضرائب بحسب المادة 45 من الأرباح الرأسمالية وضريبة الأرباح الشخصية التصاعدية من قبل بيار فتوش، وقد ذهبت الوزارة في اتجاه تكليف فتوش بتسديد الضرائب الواجبة عليه، وأبلغته لصقاً، عبر شركة «ليبان بوست» التي يبدو انها لصقته على البناية الخطأ. وفي نهاية كانون الأول 2012، قدّمت الإدارة الضريبية اقتراحات أولية تلافياً لسقوط ضريبة الدخل، وكلّفت شركة فتوش بسداد مبلغ يصل إلى 20 مليار ليرة بسبب الأرباح التي حققتها... تقول مصادر وزارة المال، إن هذا الأمر أثار النائب فتوش إلى درجة أنه ترك كل أعماله وأتى إلى الإدارة الضريبية مهدّداً ومتوعداً...

وقدّم اعتراضاً في 26 تموز 2013 يقول فيه إن الأموال التي حققتها الشركة ناتجة من عقد موقع في سوريا، وبالتالي فهي أموال لا تخضع للضريبة التي تشير إليها وزارة المال. لكن هذا الردّ بحدّ ذاته أمر غريب، نظراً إلى أن المشروع موضوع العقد هو في لبنان، وأن شركة فتوش لبنانية، وأن الأموال الناتجة من العقد هي بسبب مشروع محلي مهما كان شكلها، عمولات أو سمسرات أو غيرها فهي خاضعة للضريبة. لم ينحصر الامر في تبادل الاتهامات بين الصفدي وفتوش، فقد اعلن الصفدي استغرابه واستهجانه قرار رئاسة الحكومة تكليف جهاز أمن الدولة التحقيق في مسألة ادارية، باعتبار ان «التحقيق من صلاحية أجهزة الرقابة الادارية، وفي مقدمها النيابة العامة المالية والتفتيش المركزي... وأن قرار تكليف جهاز أمن الدولة يشكل بذاته ضربا لأعراف ممارسة السلطة، لأن هذا الامر هو من صلاحية الوزير المختص الذي جعلته المادة 66 من الدستور رأس الهرم في إدارته». وهذا ما اضطر رئاسة مجلس الوزراء للدخول على خط السجال موضحة «أنه وردت شكوى ادارية على رئاسة الحكومة، فتمت احالتها على التفتيش المركزي وكذلك على أمن الدولة، الذي يدخل في نطاق صلاحياته الاستقصاء عن مدى صحة ما ورد في الشكوى، علما أن اي تدابير لا تتخذ الا باشراف القضاء المختص، فاقتضى التوضيح».

فما كان من الصفدي الا الرد بـ«إن رئاسة الحكومة تعلم علم اليقين أنه لا يمكن بأي حال من الاحوال، تجاوز الحيثية الدستورية للوزير التي تنص عليها المادة 66 من الدستور سواء بمعرض شكوى إدارية او قضائية. اذ إن إحالة شكوى إدارية تتناول دائرة من دوائر وزارة المال إلى التفتيش المركزي يتولاها الوزير المختص، أي وزير المالية، على الرغم من ان التفتيش المركزي يتبع لرئاسة مجلس الوزراء. لذلك، كان من الواجب الدستوري والقانوني إحاطة الوزير المختص بموضوع الشكوى، والتمني عليه بمعالجتها بالوسائل المتاحة بما فيها اللجوء إلى الأجهزة الرقابية عند الحاجة». واضاف الصفدي «أما في ما يختص بمديرية أمن الدولة، التي تتبع قانوناً للمجلس الأعلى للدفاع، فهي وفقاً لصلاحياتها تتولى الاستقصاء ومن واجبها أن تحيط الوزير المختص علماً بحصول المخالفات أو الجرائم بدليل ورود اكثر من إخبار دورياً من المديرية العامة لأمن الدولة إلى مختلف الوزارات بمخالفات معينة تتعلق بالإدارات التابعة لها».
2013-10-05