ارشيف من :أخبار لبنانية

ناجو «عبّارة الموت»: لحظات ما قبل الغرق

ناجو «عبّارة الموت»: لحظات ما قبل الغرق

أنطوان عامرية - صحيفة "الجمهورية"

أسدل الستار على الفصل الأول من مسلسل «عبّارة الموت»، بعدما عاد الناجون الـ 18 الى لبنان، على أن يبدأ الفصل الثاني غداً بعودة الموقوفين الـ 6 و5 لبنانيّين لم يصعدوا إلى تلك العبارة، في انتظار المشهد الختامي باسترجاع الجثث بعد انتهاء فحوص الحمض النووي. فرحة الناجين لن تكتمل لأنهم يعرفون جيداً أنّهم عادوا إلى وطن يغرق بدوره، بعدما استقلَّ عبّارة المصالح والمحاور الإقليمية والدولية، ولا مَن يرمي له حبل نجاة.

كلّ روى مأساته على طريقته، لكن سؤالاً واحداً جمعهم: كيف نكمل المسيرة بعدما خسرنا كلّ ما نملك وهل ستَعتبر الدولة من مأساتنا وتلتفت إلينا؟ أم سيدخل مصير قضيتنا، مثل غيرها، غياهب النسيان بعد المظاهر البروتوكوليّة؟ سؤال جاء جوابه سريعاً من الناجين أنفسهم، فأكّد أحدهم تكرار المحاولة إذا ما استمرّت المأساة في لبنان، فيما قال مَن قرّر البقاء: «الإنتخابات آتية، وغداً لناظره قريب، ومثلما عاملونا سنردّ الجميل».

عاد 18 لبنانياً الى وطنهم، تاركين وراءهم عائلاتهم وأصدقاءهم بعدما عاشوا معهم شهرين على متن الجزيرة الأندونيسية ينتظرون نقلهم إلى برّ الأمان في القارة الأوسترالية. وبدل حياة جديدة حلموا بها، عاشوا الرعب والجوع والعطش، حتى أنّ جلد الأطفال انسلخ عنهم بسبب الحرارة والرياح.
أربعة أيام عاشوها على "عبّارة الموت" من دون وسائل اتصال. المياه غمرتهم، وأسماك غريبة هدّدتهم، أمّا الموج فحطّم آمالهم.

المطار

منذ الصباح الباكر، غصّ مطار بيروت الدولي بالأهل والأصدقاء وأبناء الشمال لاستقبال الناجين. أما الطقم السياسي فكان على أتمّ جهوزية لمواساة "ناخبيه" والتنديد بالكارثة ومطالبة السلطة بالتحرّك. فحضر النائب هادي حبيش ممثلاً الرئيس سعد الحريري، وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عدنان منصور، النائبان علي عمار وبلال فرحات ممثلين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، النائب خالد زهرمان، وفد كبير من بلدة قبعيت ضمّ إمام البلدة الشيخ علي خضر وأهالي الناجين والضحايا وأقرباءهم.

وعند العاشرة وخمس دقائق حطَّت الرحلة 957 المنتظرة، والتابعة لشركة طيران الامارات، آتية من دبي، لينزل منها 18 لبنانياً عانوا الأمرّين للعودة الى وطنهم، وهم: لؤي بغدادي، احمد العبوة، وسام حسن، مصطفى بو مرعي، حسين خضر، أسعد أسعد، محمد محمود أحمد، عمر سويد، محمود البحري، عمر المحمود، ابراهيم عمر، احمد توفيق محمود، خالد الحسين، خليل الراعي، نديمة بكور، وفره حسن، أفراح ديب وأحمد كوجا. وقد رافقهم مسؤول قسم أفريقيا وآسيا وأوكرانيا في وزارة الخارجية والمغتربين ماهر خير، وممثل عن المديرية العامة للأمن العام.

تهافتت وسائل الإعلام على الناجين تسألهم عن رواياتهم وذكرياتهم ومعاناتهم. روايات اختلفت بين عائلة وأخرى، وبين شخص وآخر، وذكريات "أليمة" سترافقهم كل أيام حياتهم، ومعاناة ستكبر يوماً بعد يوم كلّما تذكروا أنهم سافروا بحثاً عن مستقبل واعد لن يجدوه في بلادهم، فعادوا الى ماض هربوا منه، ليواجهوا مستقبلاً أصعب بعد فقدان عائلاتهم وأصدقائهم.

"خسرنا كل شي"... يقول عمر المحمود الذي فقد عائلته: "كنت أتمنى على المسؤولين اللبنانيين أن يولونا أهمية قبل أن نسافر. ذهبنا الى اندونيسيا بطريقة قانونية وبأموالنا. دفعنا 40 ألف دولار الى عبدالله طيبي، وبعتُ بيتي ومحلي لتأمين هذا المبلغ".

أما أسعد علي سعد، على رغم فقدانه زوجته واولاده الاربعة، فيحمّل نفسه المسؤولية، قائلاً: "أشكر الدولة اللبنانية وكل من ساعد على إعادتنا الى لبنان. نحمّل المسؤولية لأنفسنا، فنحن ذهبنا بأنفسنا".

وبين عمر وعلي، جاء دور السياسيّين، الذي حاول بعضهم رفع المسؤولية عن الدولة اللبنانية وأجهزتها الرسمية، من دون طمأنة الناجين إلى مستقبلهم. فلفت منصور إلى أنّ "السفارة اللبنانية كانت الاسرع والافعل بين البعثات الرسمية الموجودة"، مؤكداً أنّ "الوزارة لم تُقصّر، بل أعطت التوجيهات لحظة بلحظة". أما الجثث... "فتنتظر نتيجة الحمض النووي، خصوصاً أنّها مشوّهة الملامح، والعديد من اللبنانيين أتلفوا وثائقهم الرسمية".

من جهته، حمّل حبيش الدولة اللبنانية مسؤولية عدم إيلاء المناطق المحرومة الاهتمام الكافي، ما دفع أهلها إلى مغادرتها "الى أقاصي الدنيا للاستحصال على لقمة العيش"، محذّراً من أنّ "المناطق المحرومة تنذر بانفجار اجتماعي، وعلى الدولة أن تعتبر بعد هذه الحادثة وتهتمّ بمنطقة عكار وبقية المناطق المحرومة".

ولفت إلى أنّ "السلطة التنفيذية ليست في يد مجلس النواب وحده بل في يد مجلس الوزراء، وهناك اقتراحات عدة مقدّمة لا يزال جزء منها في مجلس النواب وآخر في مجلس الوزراء"، معتبراً أنّ "الخلافات السياسية تعطّل البلد ومسار المؤسسات، وهذا الموضوع يجب أن تكون له أولوية عند تأليف الحكومة حتى لا نواجه كارثة اخرى".

بدوره، رأى عمّار أنّ "عكار دفعت وتدفع ثمناً كبيراً نتيجة الحرمان المزمن المتمثّل في غياب الدولة عنها"، مضيفاً: "نحن الآن واحد في هذه المصيبة، ونسأل الله ان نكون واحداً في عملية النهوض بالبلد وإحقاق الحق وإنصاف المناطق المحرومة".

كذب وتلاعب

من المطار، انطلق الناجون إلى الشمال الذي أعدّ العدة لاستقبال أبنائه. في طرابلس رُفعت اليافطات عند ساحة عبد الحميد كرامي ومستديرة أبو علي وأطلقت المفرقعات والأعيرة النارية لحظة وصول لؤي البغدادي الى منزل أهله في البداوي.

ويروي البغدادي لـ"الجمهورية" الكذب الذي عاشوه في أندونيسيا: "لحظة وصولنا تسلّمنا شخص عراقي وأوصلنا الى فندق حيث بقينا عشرة أيام، ثم نقلنا الى قرية بقينا فيها شهر و10 أيام، قبل أن نعود إلى جاكارتا لنمضي 25 يوماً حتى حان موعد انطلاق الرحلة. عندها جمعونا في منزل واحد، وكنّا 72 شخصاً من جنسيات مختلفة، بينهم 53 لبنانياً، توفّي منهم 35 ونَجَا 18".

ويضيف: "كان الاتفاق أن نلتقي بعد ساعة في باخرة كبيرة تقلّنا الى أوستراليا، وأعطونا الأجهزة المطلوبة من بوصلة وهواتف خلوية للتواصل مع المعنيين هناك، لكننا صدمنا بأنها غير فاعلة. بقينا أكثر من ثلاث ساعات في المياه حتى اكتشفنا أننا تائهون، ومن يقود العبّارة كان شاباً أندونيسياً لا يفقه شيئاً بالبحر. وبعد أربعة أيام "انقطعنا من المازوت"، وبدأت المياه تدخل العبّارة، فعمدنا الى إفراغها يدوياً".

ويتابع: "ولحظة رؤية الجزيرة الأندونيسية، أتت موجة بعلوّ أربعة أمتار وقضت على العبّارة. عندها ما عدتُ أرى أحداً. الجميع انشغل بإنقاذ نفسه. حاولتُ مساعدة البعض لكنّ عُلو الأمواج مَنعني، وقد كنت ثاني الواصلين الى الجزيرة، حينها بدأتُ مع شابّ آخر بإنقاذ الناس".

«مخطط للتخلّص منّا»

ويؤكد الغمراوي "أننا طلبنا الإنقاذ من خفر السواحل الأوسترالية لكن عبثاً حاولنا على رغم أنّ أهالي الجزيرة قدموا إلينا المساعدة الإستشفائية المطلوبة"، لافتاً إلى أنه "كان بإمكان السلطات الأندونيسية والأوسترالية إنقاذنا، لكنها لم تحرّك ساكناً، ما أوحى بوجود مخطط كبير للتخلص منا، كوننا دفعنا مبالغ طائلة وتخوّفوا من أن نطلب استردادها".

وفي هذا الإطار، يوضح الغمراوي: "دفعت ألفي دولار لشخص يدعى ابو علي في منطقة مجدليا قبل السفر، وعندما وصلنا الى أندونيسيا إلتقيت شخصاً آخر يدعى أيضاً أبو علي، ما يوحي بأنه إسم مستعار للعصابة بأكملها.

ثم توجّهوا بنا الى أبو صالح، وهو مسجون بتهمة قتل سعودي، ويحظى باهتمام الضباط الأندونيسيين، فأدخلونا غرفته حيث دفعنا له ثمانية آلاف دولار، كون الرحلة تتطلب عشرة آلاف دولار عن الشخص الواحد".

الخسارة البشرية والمادية التي لحقت بالغمراوي، لم تمنعه من الإعراب عن سروره بالعودة الى "بلدنا الذي نعشق. كنّا قد اتخذنا هذا القرار على العبّارة وعاهدنا أنفسنا العودة الى لبنان إذا نجَونا".

رواية الغمراوي يؤكدها أحمد كوجا، من باب التبّانة، الذي روى كيف أمضى شهرين مع زوجته الحامل في شهرها السادس في أندونيسيا قبل الانتقال الى أوستراليا، بعدما كان من المتوقع البقاء فيها 15 يوماً فقط.

ويقول: "صعدنا إلى العبّارة على أمل الانتقال الى باخرة أكبر، وهنا بدأت المعاناة حيث قضينا أربعة أيام في عرض البحر تائهين. وقد طالبنا السلطات الأوسترالية بإنقاذنا عبر الأجهزة المتوافرة، فوعدتنا بذلك، لكنّ موجة كبيرة قضَت على العبّارة، قليلون أنقذوا أنفسهم، والغالبية فارقت الحياة".

... جَمعتُ عائلتي جثّة جثّة

عكار التي كان لها الحصة الأكبر من الضحايا، نظّمت استقبالات حاشدة لأبنائها رافعة لافتات الحزن. فاحتضنت قبعيت ثلاثة ناجين، هم: حسين خضر واسعد علي الاسعد وافراح الحسن. وشان: وسام حسن، وحيذوق: محمد محمود احمد، وفنيدق: ابراهيم عمر.

"عدتُ الى بلدي وحيداً. بعدما جَمعتُ عائلتي جثة جثة على شاطئ البحر الاندونيسي... لا سَند لي"، يقول حسين خضر، آملاً "عودة جميع الذين قضوا على عبّارة الموت، وسط ظروف صعبة ومخيفة وإهمال معلوم من السلطات الاندونيسية والاوسترالية، لتتحكّم فينا عصابات الموت"، ناصحاً الجميع بعدم تكرار هذه التجربة "لأنّ اوستراليا ترفض استقبال أحد على أراضيها".

أما أفراح فتستذكر المأساة قائلة: "قبل كيلومترين من احدى الجزر الاندونيسية، ضربت موجة كبيرة العبّارة وقسمتها نصفين، فأصبحنا فجأة في المياه. تمسّكت بلوحة من الخشب ساعدتني على الوصول الى الشاطئ، لكن هناك ضحايا قضوا إثر ارتطامهم بمحرّكات العبّارة والخشب المتطاير منها، ومنهم من غرق لأنهم لا يعرفون السباحة، ولا سيّما الاطفال"، محمّلة "أبو صالح العراقي" المسؤولية: "هو في السجن يدير عصابة تعمل في الخارج ولها نفوذ قوي".

أما أسعد الذي غادر لبنان "على أمل ألّا يعود"، فقد عاد وحيداً بعدما فقد زوجته وثلاثة من أبنائه.من جهته، قال إمام مسجد قبعيت لـ"الجمهورية" إنّ "الجثامين لن تصل قبل عيد الاضحى، وإنّ الطبيب المختص باق في اندونيسيا للإشراف على الفحوص".

وأسف لأنّ الوفد الرسمي ذهب الى أندونيسا ولم يتصل بأحد من الناجين، معتبراً أنه "لم يكن هناك من داع لسَفره والإنفاق على حساب الدولة، إذ إنه ذهب فقط من أجل السياحة".
2013-10-07