ارشيف من :أخبار لبنانية
ايران.. والتوازن الاقليمي
عباس عبود - صحيفة البيان العراقية
باتصال هاتفي لم يتجاوز الربع ساعة اتجهت الخريطة السياسية في الشرق الاوسط نحو التحول، فقد انقشعت حواجز الكونكريت بين واشنطن وطهران، لتذيب جبال الجليد بين حضاريتين وقوتين تصارعا خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل ترك ضلاله الواضحة على توازن القوى في المنطقة.
فمع انفجار الثورة الايرانية نهاية سبعينيات القرن الماضي تحولت واشنطن -في نظر طهران- من حليف قوي الى شيطان اكبر يقف على رأس الاستكبار العالمي ويهدد الجمهورية الاسلامية بالزوال من خلال شتى انواع الضغوط. ولم تكن الحرب العراقية الايرانية الا نتاج هذه العلاقة التصارعية بين واشنطن وطهران، بعد ان فشلت مشاريع الرئيس الامريكي جيمي كارتر صاحب التصريح الشهير في اعقاب الثورة الايرانية ، بان بلاده لن تسمح لاي قوة بالسيطرة على ثلثي منابع النفط في العالم، بالضغط على الجمهورية الفتية من خلال تشكيل قوات الانتشار السريع وتكثيف وجودها العسكري في المنطقة.
ولم تكن ثماني سنوات من الحرب كافية لاعادة توازن القوى في المنطقة بل جاءت بالنفع لطهران التي استفادت كثيرا بعد ان تشتت حلفاء واشنطن في الخليج عندما دخلوا دوامة صراع توج بحرب جديدة.
فبينما اخذت الحرب والمقاطعة الاقتصادية تدمر البنية التحتية للعراق وتجهز على طبقته الوسطى وسط انشغال العالم بمغامرات صدام وصراعاته، كانت ايران تحت قيادة رفسنجاني تعمل بهدوء مستفيدة من انسلاخ جمهوريات اسيا الوسطى من موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لتمد نفوذها شرقا نحو اذربيجان واوزبكستان، وتكون بلاد فارس قد استفادت من القاعدة العلمية والتكنولوجية المتقدمة لهذه الجمهوريات، كذلك وفر لها ارتفاع اسعار البترول عائدات ضخمة مكنتها من ترميم علاقاتها بروسيا والصين وبناء ترسانة سلاح هي الاكبر في المنطقة.
لكن ذلك كله لم يجعل طهران على وفاق مع واشنطن على الرغم من خلاف عدوها التقليدي مع الاخيرة، وعلى الرغم من كل التطورات التي مرت على المنطقة اختارت طهران الانكماش والحذر ازاء واشنطن، التي جاءت باساطيلها الى الخليج على رأس قوات من ثلاثين دولة لاخراج العراق من الكويت ، فاختارت طهران ان تكون بعيدة عن هذا الصراع الذي وقع على سواحلها وحدودها مع جارها التقليدي العراق.
وفي حملتها الاخيرة لاسقاط نظامين معاديين الى طهران هما نظام طالبان في افغانستان شرق ايران ونظام صدام في العراق الجار الغربي لايران، تمكنت الولايات المتحدة من تطويق طهران لكن الاخيرة نجحت في لعبة تحويل مسار ازمة تنتظرها واصبحت المستفيد الاكبر من سقوط عدوها وخصمها اللدود صدام حسين.
كما نجحت ايران في التحكم بخياراتها في لعبة المفاوضات المضنية بشأن برنامجها النووي وجعلت من الوجود الامريكي في العراق ورقة تتفاوض عليها من موقع قوة، مثلما تخلصت من الجماعات العسكرية المناهضة لها (جماعة خلق) والتي كانت تحصل على مآوى على الارض العراقية الامر الذي يشكل تهديدا لطهران.
رحلة مضنية من الصراعات والحروب مكنت تركيا والسعودية وقطر من الانفراد بلعب دور سلاطين المنطقة عندما اتفقت اراداتهم في اسقاط البعث السوري وتهشيم سلطة العلويين في دمشق لاسباب طائفية قومية استراتيجية وحدت الثلاثي الناري الذي اشعل حرائق الربيع العربي.
لكن مثلث الشر التركي القطري السعودي لم يدم طويلا فقد عصفت به سوء التقديرات وانتهى الى هزات داخلية اعطت شيئا من القوة الى طهران التي اعادت نسج بيتها الداخلي عندما اسقطت مرحلة التعصب التي كان محمود احمدي نجاد علامتها الفارقة لتبدأ مرحلة اخرى في ظل قيادة معتدلة بدأت تصحح المسارات وتسعى لإسقاط ورقة الدعم الامركي من مثل اشعال الحرائق.
اذن هو التقارب الايراني الامريكي وتراجع الرهانات على إسقاط العلويين لصالح السلفيين في سوريا، واهتزاز عرش السلطان اردوغان في اسطنبول، وسقوط الاقنعة على امارة قطر بسلسلة هزات اسقطت الامير وستسقط امبراطورية الكارتون التي نسجتها بالاستثمارات واللعب بالنار.
ستتمكن ايران من الحصول على دور هام في لعبة توازن القوى التي ستستمر طويلا لتصل الى مرحلة الاستقرار لكن بعد بوادر الانفراج بين واشنطن وطهران نستطيع القول في اقل تقدير ان هناك قواعد جديدة للعبة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018