ارشيف من :أخبار لبنانية

ما بين طهران وواشنطن والرياض

ما بين طهران وواشنطن والرياض
طارق ترشيشي-الجمهورية

لم تُلغَ زيارة الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني للمملكة العربية السعودية، وانما أرجئت. فالرجل تلقّى دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز في إطار الدعوات الملكية السنوية في موسم الحج الى رؤساء الدول الاسلامية، ولكنها جاءت بالنسبة الى روحاني ذات قيمة مُضافة عَبّر عنها السفير السعودي في طهران، أثناء الاحتفال بالعيد الوطني السعودي الشهر المنصرم، بتأكيد ترحيب الرياض بهذه الزيارة الرئاسية الإيرانية.


ظريف لكيري ووزراء «الخمسة زائداً واحداً»: شفافية البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات»
 
ولذلك تعمل الآن لجان مختصّة في البلدين للتحضير لهذه الزيارة التي سيحدد موعدها فور انتهاء التحضيرات اللازمة لها، حتى تحقق النتائج المرجوّة منها. ويقول مصدر ديبلوماسي ايراني: «إن ايران كانت ولا تزال المبادرة والداعية الى إقامة افضل العلاقات مع جيرانها، ولا سيما المملكة العربية السعودية، وهي مستعدة في أي وقت لعقد لقاءات جادّة وذات جدوى بغية تعزيز التعاون على الساحة الاقليمية عموماً، ومع القيادة السعودية خصوصاً. صحيح اننا مختلفون مع السعوديين في شكل أساسي على الملف السوري، ولكن علينا التركيز على المشتركات بيننا وهي كثيرة، ثم نبني عليها لمعالجة القضايا الخلافية».

«فالسعودية وايران»، يضيف المصدر، «بلدان مهمان في المنطقة، السعودية لها موقعها البارز في العالمين العربي والاسلامي، والتعاون بينها وبين ايران يستفيد منه الجميع. ولذلك، نريد العودة بالوضع الى ما كان قبل الازمة السورية، وهذا ممكن جداً، لأن في عالم السياسة كل شيء ممكن».

ويلفت الى «اننا تلقّينا رداً إيجابياً من وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل عن استعدادنا للانفتاح على السعودية وكلّ دول الخليج، مؤكداً استعداد بلاده لأي خطوات ايجابية في هذا المجال».

ويكشف انّ الحكومة الايرانية «تحضّر للقاء مهم وذي جدوى مع القيادة السعودية على كل المستويات، وهي مستعدة للقاءات في اي مرحلة، ولا تربط الامر بالوضع السوري، ولا نتوقّف عند ما يُقال من انّ الرياض لن تتلاقى مع طهران قبل خروج «حزب الله» من سوريا. فقبل (معركة) القصير وقبل الازمة السورية، لدينا الرغبة في اللقاء مع الجانب السعودي، ونأمل في انعقاده في أسرع وقت.

وكنّا دوماً نأمل من السعودي ان يبادر هو ايضاً في اتجاهنا، ولكن هذه السنة، وبعد انتخاب الرئيس روحاني، عبّروا عن هذه الرغبة. ولذلك، فإننا نحضّر لاجتماعات مُنتجة معهم تَخرج بقرارات جادّة، وقد شكلت الحكومة الايرانية لجنة تدرس كل شيء لضمان ان تكون هذه الاجتماعات مثمرة وايجابية».

العلاقة الايرانية ـ الاميركية


ومن العلاقة السعودية - الايرانية ينتقل المصدر للحديث عن مستقبل العلاقة الايرانية - الاميركية في ضوء ما حصل في نيويورك بين الجانبين وتوّجَ بالاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس باراك اوباما بروحاني، فيكشف انّ الجانب الاميركي اتصل 5 مرات بالجانب الايراني لترتيب لقاء بين الرئيسين، ولكنّ روحاني لم يُجب على هذه الاتصالات. ولكن بعد وصوله الى نيويورك بنحو 5 دقائق، اتصل البيت الابيض طالباً هذا اللقاء، فردّ الايرانيون ان «لا اجتماع ثنائياً».

وشدّد روحاني على انه يحبّذ «لقاءات ذات جدوى، لا لقاءات بروتوكولية تُمَكِّن الاميركيين من استخدامها لمصلحتهم وخدمة لأهدافهم». واثناء الغداء الذي اقامه اوباما على شرف الرؤساء المشاركين في الجمعية العمومية للامم المتحدة، طلب الاميركيون ان ينعقد خلاله لقاء او مصافحة بين اوباما وروحاني، لكنّ الاخير لم يشارك فيه لوجود خمور على المائدة، علماً انّ طهران كانت أعلنت قبيل توَجّهه الى نيويورك انه ليس في برنامج روحاني أيّ لقاء مع المسؤولين الاميركيين، فيما أعلن البيت الابيض انه طلب لقاء مع روحاني ولكنّ طهران رفضت، وذهب بعض وسائل الاعلام الاميركية الى القول إنّ «ايران حَقّرت اميركا، وهذا لا يتناسب مع نهجها الاعتدالي الذي يعبّر عنه الرئيس
الايراني الاصلاحي».

ويروي المصدر ما دار في اللقاء بين وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ونظيره الاميركي جون كيري، على هامش اجتماع لجنة الدول الخمسة زائداً واحداً على مستوى وزراء الخارجية في نيويورك، فيقول انّ كيري أخذ بيَد ظريف طالباً الحديث معه لمدة خمس دقائق، فانتحيا جانباً من قاعة الاجتماع، ودام الحديث بينهما 45 دقيقة.

وأكّد ظريف «انّ إيران لا تعترف بشرعية القرارات الصادرة بحقّها عن الولايات المتحدة الاميركية ومجلس الامن الدولي والاتحاد الاوروبي، لأنها قرارات ظالمة، وهي لا تريد المفاوضات من اجل المفاوضات، وانما مفاوضات تُفضي الى حلول في مهلة أقصاها سنة لكي يتمّ إغلاق الملف النووي.

ونحن على استعداد للقيام بأيّ شيء لكي يطمئنوا الى انّ برنامجنا النووي هو للأغراض السلمية ولا يأخذ المَسار العسكري. لقد فرضتم عقوبات على ايران، ولكنها مَكّنتها من الاعتماد على نفسها وتحقيق الاكتفاء الذاتي، على رغم معاناة الشعب الايراني منها. ولكننا نريد تغيير المعادلة لجَعلها مريحة للجانبين: انتم تريدون الاطمئنان الى سلمية البرنامج النووي وشفافيته، ونحن نريد إزالة العقوبات عنّا بكاملها».

وأكّد ظريف لكيري «انّ تخصيب اليورانيوم للاغراض السلمية هو حق لإيران وهو خط احمر، وفي ضوء ذلك نحن مستعدون للمحادثات. واذا قبلتم، يمكننا التوصّل الى اتفاق خلال أقلّ من سنة». وإذ اقترح كيري حَسم كل الملفات، اقترح ظريف ان يتمّ بِناء الثقة بداية، ثم ينطلق البحث في هذه الملفات، مذكراً بأنّ «كل الضغوط التي مورست ولا تزال على ايران لم تؤثر فيها، وهي مستمرة في برنامجها النووي».

ورحّب بعض الوزراء الذين شاركوا في جانب مِن خلوة كيري ـ ظريف، وهم أعضاء في لجنة الخمسة زائداً واحداً، بإيجابية الطرح الايراني، وأعلنوا استعدادهم البحث وفق جدول زمني محدد على اساس شفافية البرنامج النووي واستمرارية ايران في التخصيب للاغراض السلمية، فردّ ظريف حاسماً: شفافية البرنامج مقابل رفع العقوبات».

بين اوباما وروحاني

وعمّا دار بين اوباما وروحاني خلال الاتصال الهاتفي بينهما، يقول المصدر الديبلوماسي الايراني إنه قبَيل مغادرة روحاني نيويورك بَعث الاميركيون برسالة اليه طالبين اتصالاً هاتفياً بينه وبين اوباما على الاقل، فلم يردّ عليها لا سلباً ولا ايجاباً. وبينما هو في الطريق الى المطار تلقّى السفير الايراني في واشنطن اتصالاً من البيت الابيض يفيد انّ اوباما يريد التكلّم مع روحاني، فاستجاب الاخير وردّ على اوباما الذي رحّب به بعبارات فارسية، ثم قال له: «نحن نعترف بحقكم في إنتاج الطاقة النووية للاغراض السلمية، تعالوا نتّفِق، لماذا أنتم بهذه الصلابة؟ علينا ان نتحدث ونتعاون».

فردّ روحاني: «نحن دائماً قلنا إن أغراضنا النووية سلمية ولم نقل يوماً اننا نريد امتلاك السلاح النووي، وهناك فتوى شرعية تُحرّم تصنيع مثل هذا السلاح». فقاطعه اوباما: «أنا أصدقكم لأنّ الامام الخامنئي هو من أصدر هذه الفتوى». ثم أكمل روحاني فقال: «اذا كنتم صادقون فإني أعطي صلاحية للوزير ظريف للتفاوض معكم، وانتم أعطوا صلاحية مماثلة لشخصية من طرفكم».

فردّ اوباما: «انا أعيّن الوزير كيري لهذه المهمة». وإذ أصرّ اوباما على التفاوض في كل الملفات، ردّ روحاني: «شيئاً فشيئاً، ولا مانع، ولكن ليس بهذه السرعة». وانتهَت المكالمة بقَول أوباما لروحاني بالفارسية: خودا حافظ (اي، في أمان الله). وردّ روحاني عليه بالانكليزية: have a nice day (ليكن نهاركم سعيداً).

وأشار المصدر نفسه الى غضب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من هذا التطور، فحاولَ، خلال زيارته الاخيرة لواشنطن، التشويش عليه، بل حاول تخريب كل شيء، ولكنه عاد منها خالي الوفاض. ولذلك سيمضي الملف النووي الى المعالجة في اجتماع الدول الخمسة زائداً واحداً في 15 و16 من الجاري في جنيف.

وعن ردود الفعل الايرانية الداخلية على الاتصال بين روحاني واوباما، يعترف المصدر انه كان هناك استغراب، اذ انّ ايران التي ترفع شعار «الموت لأميركا» منذ اكثر من 30 عاماً لم تتقبّل الاتصال بين رئيسها واوباما، فالى تبَرّم قيادة «الحرس الثوري»، فإن السيد خامنئي قال ان بعض الامور التي حصلت في نيويورك لم تكن ملائمة، وعَبّر عن عدم الثقة بواشنطن، ما يعني انّ على واشنطن أن تُدرك انّ هناك معارضة ايرانية جدية للانفتاح عليها، وانّ ايران ليست في وارد تقديم ايّ تنازل عن حقوقها في ايّ تفاوض معها، خصوصاً انّ برنامجها النووي سلميّ، وان العقوبات المفروضة عليها هي عقوبات ظالمة.

ويلفت المصدر الى انّ الامام الخامنئي أطلق أخيراً موقفاً حاسماً امام قيادات «الحرس الثوري»، بقوله: «لا مشكلة في المرونة، ولكن يجب ان تكون مرونة بطولية»، مُستلهماً هذا التعبير من كتاب «المرونة البطولية» الذي ترجمه من العربية الى الفارسية، وهو يروي قصة سلام الإمام الحسن بن علي مع معاوية بن ابي سفيان. وقد أراد الخامنئي من هذا الموقف التأكيد «انّ المصالح لا ينبغي ان تكون على حساب المبادىء».

الاميركيون والاسد

وفي ما يتعلق بالازمة السورية، يؤكد المصدر الايراني نفسه انّ طهران ضد سَفك الدماء والقتال، وهي نَادَت ولا تزال تنادي، منذ اليوم الاول لهذه الازمة، بالحلّ السياسي، وان يؤخذ في الاعتبار ما يريده الشعب السوري. ويكشف انّ الاميركيين طلبوا من ايران في الآونة الأخيرة إقناع الرئيس السوري بشار الاسد بعَدم الترشّح للرئاسة بعد انتهاء ولايته في العام 2014، فردّت طهران داعية الى ترك القرار بهذا الامر للشعب السوري.

لكنّ الاميركيين قالوا للايرانيين: «المشكلة أننا أجرينا استطلاعاً تبيّن لنا من خلاله انّ الاسد سيفوز في الانتخابات بنسبة أصوات مرتفعة». فردّ الايرانيون «اننا لسنا مع الاشخاص وانما مع صندوق الاقتراع، ومَن يخرج منه نكون معه، واننا نؤيد جنيف - 2 على أساس انطلاق حوار سوري - سوري وإجراء انتخابات رئاسية بإشراف سوري».

ايران وجنيف ـ 2

ويشير المصدر الى «انّ حضور ايران جنيف - 2 او عدمه ليس مهماً، انما المهم هو الحل السياسي. وحتى الآن لم توجّه اليها دعوة لحضور هذا المؤتمر، ولكن كلّ الدول تشجّعها على المشاركة، فأكدت أنها تحضر من دون ان تفرَض عليها أيّ شروط».

ويقول: «انّ الموقف الاميركي من ايران في هذا الصدد هو أكثر ايجابية من موقف الاوروبيين الذين ذهب بعضهم الى القول إن اميركا قد سبقت اوروبا الى ايران». مضيفاً «أنّ التقارب بين واشنطن وطهران انعكس على العالم كله، وانّ كثيراً من الشركات العالمية بدأت تتهافَت للعودة الى ايران».

ايران ولبنان


ويعتقد المصدر انّ التقارب السعودي ـ الايراني من شأنه ان ينعكس ايجاباً على لبنان، «فصحيح أنه في إمكان اللبنانيين ان يَتّكلوا لحَلّ أزمتهم على جزء من الخارج، ولكن الجزء الداخلي يبقى الاساس. ولذلك، نحن نشجّع الاطراف اللبنانية على الجلوس الى طاولة الحوار للوصول الى الحلول المُرتجاة».

وعن تدخّل «حزب الله» في سوريا ومطالبة البعض إيران بدعوة الحزب الى الانسحاب كشَرط من شروط تسوية الازمة الداخلية، يقول المصدر: «انّ «حزب الله» كان آخر المتدخّلين في سوريا، حيث هناك متدخّلون من العالم كله فيها. وتدخّله كان لحماية 30 ألف لبناني يعيشون في قرى لبنانية تقع خلف الحدود السورية. فإذا خرج الحزب من سوريا هل تصبح المنطقة جَنّة؟ إذا كان الامر كذلك فليخرج الجميع إذاً من سوريا، حتى يتخِذ السوريون القرار بأنفسهم».
2013-10-10