ارشيف من :أخبار لبنانية
14 آذار.. آن أوان التنازلات
عدنان الساحلي - صحيفة الثبات
تبدو قوى الرابع عشر من آذار نسخة طبق الأصل عن دويلات ومحميات الخليج النفطية؛ خارج العصر. الأخيرة ما زالت تصرّ على الذهاب إلى الحرب ضد سورية والاستمرار فيها، فيما راعيها الدولي وولي أمرها وحامي استمرارية حكمها، الولايات المتحدة الأميركية، بدأت عملياً تنفيذ اتفاقها مع الروس، وها هو وزير خارجيتها جون كيري يؤكد أن "السيناريو العسكري في سورية غير ممكن وغير مقبول"، وبدأ بـ"مغازلة" سورية ورئيسها، بعد أن سبقه رئيسه باراك أوباما إلى "استجداء" اللقاء بالرئيس الإيراني حسن روحاني، واستلحق تمنع الأخير باتصال هاتفي معه وهو في السيارة متوجهاً إلى المطار لمغادرة نيويورك.
تتمسك قوى الرابع عشر من آذار بشروط غير عادلة لتشكيل الحكومة، وتفضح خلفيات موقفها المفرط بالحقوق الوطنية في ملف النفط، وهي أدرى بعجزها عن فرض تلك المواقف، كانت غير قادرة على فرضها عندما كانت مع دويلات الخليج تعلن عن مواعيد متلاحقة غير متحققة لسقوط الدولة السورية، وكذلك عندما راودها حلم بحدوث ضربة أميركية لسورية ومحور المقاومة، فكيف الحال بعد أن تراجع الأميركي وعجز عن تنفيذ وعده لها بالحرب نيابة عنها؟ ولمن يكابر في قبول هذا الاستنتاج، ليراجع اعتراف الفرنسيين بأن أوباما اتصل برئيسهم هولاند، قبل ساعتين من الموعد المعلن مسبقاً لضرب سورية، طالباً إلغاء كل الاستعدادات العسكرية لتلك الضربة!
تزيد قوى 14 آذار بأحلامها بالتسلط والهيمنة والعودة إلى السلطة بأي ثمن، من تعقيدات تشكيل حكومة لبنانية جامعة، وسط استفحال أزمة الحكم التي تصيب السلطات اللبنانية في كل مفاصلها، علماً أن أولياء أمر هذه القوى في المملكة السعودية أثبتوا أنهم يمكن أن يكونوا "براغماتيين" عندما تتطلب مصالحهم ذلك، على الرغم من أنهم أسرى التطرف التكفيري الذي يقاسمهم السلطة والحكم، لكن المملكة "تفوّقت على نفسها" في الأزمة المصرية، عندما وجدت أن مصلحتها تتقاطع مع مصالح قوى "غير موالية"، فتعاونت مع وطنيين و"قوميين" و"ليبراليين" لمنع "الإخوان المسلمين" من السيطرة على الحكم في مصر، لما يشكله هؤلاء من تهديد للحكم السعودي، لأن حكم "الإخوان" سيكون شريكاً مضارباً للأسر الحاكمة في الخليج، و"حليفاً" مرحَّباً به من قبل "السيد الأميركي"، على حساب تلك الأسر وأنظمتها التي تحكمها عقليات القرون الوسطى.
عملت السعودية في الأزمة المصرية على "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، بعد أن خسرت حليفها الضعيف حسني مبارك، وساهمت في إسقاط حكم "الإخوان"، لعلها تحتوي المشكلة التي تراها قادمة من البعيد، وهي عودة مصر إلى ممارسة دورها العربي، الذي سيكون على حساب الدور السعودي وكل دور حاول وراثة زعامة مصر العربية بعد رحيل جمال عبد الناصر، ووجود "حكم مدني" في مصر أقل سوءاً للسعودية من وجود نظام يزاحمها "النطق باسم الإسلام"، خصوصاً أن السعودية تُعتبر من أكبر الخاسرين على صعيد النفوذ وتكوين السلطات في العراق وسورية، وهي رأت أنها مستهدَفة بإطاحة حكومة سعد الحريري في لبنان.
التراجع في المحور الداعم لقوى 14 آذار كان عاماً وشاملاً، وتضمّن سقوط "الحمدَيْن" في قطر، في حين أن أردوغان التركي يعمل على بناء جدار يفصله عن سورية، بعد أن كان يخطط لجعلها "حديقته الخلفية"، والحرب على سورية باتت في عرف الجميع محسومة لصالح دولتها وجيشها، بعد أن علا صوت اقتتال المسلحين على أصوات قتالهم للدولة السورية، وانقلب السحر على الساحر، فهل يعتبر رموز "لبنان أولاً" الذي لم يحمل من "اللبنانية" إلا الاسم؟ وهل تبادر المملكة السعودية إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من دور ونفوذ لها في لبنان؟
هذان السؤالان بات مُلحاً طرحهما على قوى الرابع عشر من آذار، التي تكابر في قبول عروض القوى المناوئة لها، والقبول بمبدأ المشاركة في تشكيل الحكومات، واحترام أوزان القوى السياسية.
هنا يسجَّل لسمير جعجع أنه خطى خطوة إلى الوراء، اعترافاً بتغيير المشهد العام في المنطقة، فأعلن أنه غير مرشح لرئاسة الجمهورية، رغم أن هذا أمر كان يشبه "حلم إبليس في الجنة"، بينما بات كثيرون يرون أن إحجام سعد الحريري عن العودة إلى لبنان، ليس خوفاً من قوى الثامن من آذار، بقدر ما هو خوف من المتطرفين والتكفيريين الذين سبق أن دعمهم ورعاهم آل الحريري، واعتبرهم جعجع حلفاءه، لأن أولئك المتطرفين هم "داعش لبنان"، والحريري وجعجع باتوا بمنزلة "الجيش الحر"، فهل يواصل "المستقبل" وبقية مكونات 14 آذار التمسك بعقليتهم الاستئثارية والإلغائية، والتكفيرية ضمناً، وهذا خيار قاتل، أم ينتقلون إلى ضفة التعاون لبناء وطن بعيداً عن الالتحاق بالمشاريع الأميركية والتبعية لإملاءاتها؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018