ارشيف من :أخبار لبنانية
« الاخوان » يوحدون وادي النيل بالفوضى
امين قمورية - صحيفة الصباح العراقية
في الذكرى الاربعين لعبور القناة في 1973 حرب الميادين والساحات والتظاهرات تنغص على المصريين فرحتهم. مصر عبرت وانتصرت قبل اربعة عقود، ثم ثارت على التسلط قبل نحو ثلاث سنوات، ونجحت الثورة باطاحة حاكم مستبد. ثورة تلتها ثورة اخرى على حاكم آخر لم يعمر حكمه طويلا. لكن مصر لم تستريح. والمصريون الذين تجرأوا على قهر العبور الى الضفة الاخرى المحتلة من القناة، وتجرأوا على قهر الاستبداد السياسي ثم الاستبداد "الاخواني" المتسربل بالدين، لم ينجحوا بعد في العبور الى مصر جديدة الى عالم الوطنية المصرية.
قيادات "الإخوان المسلمين" تعرف ان محمد مرسي لن يعود رئيساً لكنها مع ذلك تصر على المحاولة وتخرب مصر معها في محاولاتها. لو كانت مصر تنعم باقتصاد مزدهر وأمن مستتب وحريات شخصية ضمن نظام ديمقراطي، لما بقي عند "الإخوان " ما يقدمونه الى "الغلابة" من الناس، لذلك فهم يسعون الى تخريب مصر لأن شعبيتهم تعتمد على الخراب.
كانت مصر بغنى عن هذا كله لولا الأخطاء القاتلة التي تصر جماعة على ارتكابها.
وفيما الانظار مركزة على القسم الشمالي الغارق في التيه والضياع والبحث عن الحكم المقبول ، تشتعل نار الفوضى في المقلب الجنوبي من الوادي نفسه، في السودان الذي كان حكامه يعتقدون انهم تحاشوا "الربيع العربي" ومخاضاته العسيرة. فبعد التفريط بوحدة البلاد بانفصال جوبا عن الخرطوم وابتعادها عنها. هاهي الخرطوم مجددا تنتفض على حاكمها "الاخواني" وتغرق في الفوضى والخلافات والقمع والدم.
ثمة أسباب كثيرة حالت حتى اليوم دون زعزعة أركان النظام الذي جاءت به "الجبهة الإسلامية" ، اي النسخة السودانية لـ "الاخوان" في ما سمي "ثورة الإنقاذ الوطني" آخر حزيران 1989. بين الأسباب خوف أهل الشمال على وحدة البلاد ومصيرها، خصوصاً أن انفصال الجنوب واكبته حركات تمرد في أكثر من إقليم، من دارفور وجنوب كردفان إلى النيل الأزرق. وكلها حركات مسلحة تنذر بمزيد من التفتيت. فضلاً عن المشاكل الدائمة مع الدولة الجديدة في الجنوب.
ومن الأسباب أن نظام البشير نجح في تعميق الشقاق بين الأحزاب التقليدية التي لم تستطع الاجتماع على كلمة واحدة أو برنامج سياسي يسهل عليها مواجهته، بل حاول بالترهيب والترغيب من استمالة بعضها وتهدئة بعضها الآخر. المعارضة ترفض دعوات "النظام الشمولي" إلى التوافق تمهيداً لإصلاحات دستورية وغير دستورية، قبل وقف الحرب في بعض الولايات وتوفير الحريات وتنازل الإسلاميين "الاخوانيين" عن تفردهم واستئثارهم بالسلطة. وهي تعتبر أن الأزمة المنفجرة اليوم ليست نتاج أوضاع اقتصادية بل هي سياسية في الأساس.
النظام يشدد قبضته الحديدية ويرفع اعداد الضحايا. ولا يبدو أنه خائف بمقدار خوف المعارضة هي من استئساده في ظل ظروف دولية قد لا تكون مؤاتية لتدخل أو ضغوط خارجية حقيقية. ولعل أزمة سوريا خير مثال على ذلك.
ويعتقد السودانيون بأن التظاهرات السلمية، مهما اتسع نطاقها وكبر حجمها، لن ترغم النظام على الرحيل أو على الأقل الرضوخ لمطالبها... إلا إذا كان الثمن باهظاً من الدم والخراب.
والسؤال في ظل التهديدات التي يواجهها النــــظام من الداخل والخارج، هل يسكت المعترضون على المواجهة الدموية للحراك أو الخائفون على مصير النظام وعلى امتيازاتهم ومواقعهم، أم يتحركون قبل فوات الأوان في "انقلاب قصـــــر"، او في تجربة مرة تحاكي السيناريو السوري؟
كل الخيارات صعبة وغير مريحة .. لكن اذا دلت على شيء تدل على ان وادي النيل الذي حلم الكثير من اهل مصر واهل السودان بتوحيده، استطاع "الاخوان" توحيده هذه المرة لكن بالفوضى التي يغرق فيها شقيه.
هؤلاء فشلوا في الحفاظ على وحدة السودان عندما تولوا السلطة في الخرطوم، وتسببوا باحداث شرخ في النسيج الوطني المصري في اقل من سنة من حكمهم ،لم يشهدها التاريخ من قبل. هكذا يفعلون ايضا في سوريا وتونس وفلسطين فهل انتقلوا الان الى المهمة الاخطر بتعميم الفوضى على الجميع.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018