ارشيف من :أخبار لبنانية
جنبلاط: لإعتماد صيغة الـ9 – 9 – 6
لم تعد كفتا ميزان وليد جنبلاط تلتقيان عند الوسط. وسطيته صارت تميل أكثر إلى واقعية تتفهّم «8 آذار». تلاحظ «14 آذار» ذلك، وتعضّ على الجرح قائلة «إنه وليد بيك».
يدخل وليد جنبلاط «السفير» وكأنه من أهل بيتها، يعرف كثيراً عنها. يسأل عن الزملاء، ويتحدّث عن قراءاته لمقالاتها.. تركيز على الشأن العربي والدولي، مع متابعة للمقالات الداخلية، فالسياسة في لبنان معطّلة.
تُشجّع صراحته الجرأة في طرح الأسئلة، منها ما يصنّف في خانة النقد وبعضها خارج المألوف في الحوارات الصحافية.
يعرف الزعيم الاشتراكي متى يبتسم تعبيراً عن إجابة غير مباشرة، ومتى يهزّ رأسه محاولاً أخذ الحوار إلى مكان آخر.
لم يعد وليد جنبلاط متعِباً في الحوارات الصحافية، ربما لأنه صار زاهداً إلى حد القول «ما بتحرز». يسترسل في شرح الأفكار، لم يعد ينظر إلى الفراغ، هو اليوم أكثر اعترافاً بمتطلبات الظروف والمرحلة.. والواقعية.
لا حاجة، غالباً، لأسئلة من النوع المراوغ لانتزاع معلومة أو موقف. ما يريد قوله يخرج من فمه ببساطة، وما يريد إخفاءه يطويه بابتسامة يوزّعها في اتجاه أحد الزملاء الحاضرين، يشاركه فيها مفوض الإعلام في الحزب الزميل رامي الريّس. مع ذلك، لا يبدو جنبلاط مستعداً لمناقشة موقعه مع أحد.
دور الوسطية «دوزنة» الآراء
في حديثه لـ«السفير» يؤكد جنبلاط أن الوسطية لا تعني أن تعطي كل طرف ما يريده، إنما أن تسعى إلى لعب دور في «دوزنة» الآراء المتطرفة الآتية من كل طرف لمصلحة خطاب أكثر واقعية وعقلانية، الوسطية، كما يراها جنبلاط، تعني سحب الملفات المتشنجة والشائكة من التداول وترحيلها قدر الإمكان مسافات كبرى بما يمنع اشتعالها وإثارتها للتوتر.
باختصار، يقارب جنبلاط الملفات الداخلية انطلاقاً من ضرورة تمرير المرحلة بأقل الخسائر الممكنة. هذا يعني أن المطلوب من الجميع عدم انتظار الفرج الخارجي، والكفّ عن الرهان على متغيّرات إقليمية أو دولية وانتظار انعكاساتها على الداخل. فبالنسبة له، إذا كانت كل الدول الراعية لا تولي اهتماماً للبنان في هذه الفترة، فهذا لا يعني أن تكون غايتنا انتظار اليوم الذي تميل بنظرها نحونا، إنما استغلال فرصة انكفائها والعمل على بلورة اتفاق داخلي يقضي بتمرير الاستحقاقات من دون طرح عناوين كبيرة، يعرف القاصي والداني أن حلها ليس لبنانياً.
تدخّلوا في سوريا قبل «حزب الله»
انطلاقاً من هذه المقاربة، لا يتردد جنبلاط في إلقاء المسؤولية على «14 آذار» في عرقلة عمل المؤسسات من خلال طرح معادلات غير واقعية وشروط ولاءات يصعب الالتزام بها. ففي البداية رفع هذا الفريق الصوت عالياً، وقرر أن يقاطع «حزب الله»، ربطاً بموضوع المحكمة الدولية، ثم عاد وقرر مقاطعة الحزب ربطاً بالقرار الاتهامي، ثم رفع الصوت بمقاطعته والهجوم عليه ربطاً بسلاحه وعدم الدخول في الحوار، ثم اكملوا على هذا المنوال ربطاً بتدخله في سوريا، علماً انهم هم من تدخّل قبله، بدءًا من عقاب صقر وصولاً الى الشمال.
مشكلة هذا الفريق انه يرفع شعارات كبرى، لكنه سرعان ما يعود ويتراجع عنها وبالتالي يخسر، وبيّنت التجربة والوقائع أنه راهن على وقائع المنطقة وما كان يحضّر من ضربة لسوريا، وثبت ان كل الرهانات كانت «غلط بغلط». راهنوا على الضربة لسوريا، علماً أن مثل هذه الضربة ستزيد الفوضى في سوريا ولبنان ايضاً، وبالتالي لم تحصل الضربة، وما زالوا يعانون من ارتدادات الصدمة.
ويتابع جنبلاط: مشكلة هذا الفريق هي في إصراره على رفض مشاركة «حزب الله» في الحكومة، ثم المطالبة بخروجه من سوريا أو الإصرار على شطب معادلة «الشعب والجيش والمقاومة» من البيان الوزاري، هذا عدا ربطه كل خطابه السياسي بمسألة نزع سلاح «حزب الله»، الذي يعرف أكثر من غيره أن السلاح موجود، ولا يستطيع أحد في الداخل أن ينزعه. هذا السلاح أكبر من الداخل، ولم يعد مسألة داخلية، إنما هو جزء من المعادلات الاستراتيجية في المنطقة.
صرف هذه الوقائع بالنسبة لـ«أبي تيمور»، لا يكون إلا بقليل من التواضع، والذهاب الى تشكيل حكومة في أقرب وقت تسيّر الاعمال وتدير البلد الذي يعيش في فراغ واضح، وتتلاحق أزماته على شتى الصعد والمستويات، كل ذلك يوجب القبول بالصيغة التي تخدم هذا الهدف، وكذلك الجلوس مع الأفرقاء الباقين للتفاهم على العناوين المشتركة والابتعاد عن الأمور الخلافية، التي تحتاج إلى مقومات وظروف ليست متوافرة حالياً.
لو كنت مكانهم لأعطيت «8 آذار» الثلثين
يرى جنبلاط أنه لو كان مكان «14 آذار» لما اكترث بعدد وزراء «8 آذار» بقدر الاهتمام بضرورة العودة إلى الحكومة والمشاركة في الحكم. لو كنت مكانهم لأعطيت «حزب الله» الثلثين ودخلنا في تسيير امور البلد.
يؤكد جنبلاط تمسكه المتجدد بصيغة الـ9 ــ 9 ــ 6، فهي في نظره تشكل الحل الأمثل لكل الفرقاء والتي لا تؤدي الى تحكم طرف بعينه بالحكومة، ثلث معطل لـ«حزب الله» وفريقه، وثلث معطل لـ«14 آذار» ولتجر الأمور هكذا. ومن هذا المنطلق يدعو فريق «14 آذار» الى السير فيها. واما في ما خصّ الخلاف على البيان الوزاري فبعد تشكيل الحكومة، يؤكد جنبلاط، لن يكون إقرار البيان الوزاري عقبة، إذ بقليل من الجهد يمكن أن «نلزق» «إعلان بعبدا» على معادلة «الجيش والشعب والمقاومة».
ويوضح جنبلاط انه ليس اول من طرح صيغة 9 ــ 9 ــ 6، بل ان الرئيس نبيه بري هو الذي طرحها، وعلى الأكيد انه على تنسيق تام مع «حزب الله» حول هذا الأمر. يقول جنبلاط: لقد اقتنعت بهذه الصيغة. صحيح انني كنت متبنياً لصيغة الـ«ثلاث ثمانيات»، الا ان هذه الصيغة سقطت، فهل نبقى هكذا ونسلم بهذا الجمود؟!
ثم أن ما خشيت منه، يتابع جنبلاط، هو ان نقع في ما هو أخطر، الرئيس بري اكد لي رفض السير بحكومة امر واقع، واكد ان هذه الحكومة لن تكون ميثاقية، ووجود مثل هذه الحكومة كعدمه، وبالتالي وانطلاقاً من عدم ميثاقيتها لن تستطيع ان تتحمل أي مسؤولية، كأن تناط اليها صلاحيات رئيس الجمهورية اذا ما وصلنا الى انتخابات الرئاسة ولم تجر تلك الانتخابات، علماً ان الحكومة الحالية المستقيلة تستطيع ذلك لأنها كاملة المواصفات القانونية والميثاقية، وبالتالي اي حكومة تفتقد للميثاقية لن تكون قادرة على فعل شيء، ولا على ملء الفراغ الرئاسي.
لا يوجد في قاموس «البيك» أي عبارة تدل إلى حكومة أمر واقع. يؤكد أن القيام بخطوة كهذه يمكن أن يعيد البلد إلى الوراء، لأنها ستكون حكومة تحدٍّ للشيعة. يجزم «أبو تيمور» أن الحكومة المستقيلة يمكنها أن تحكم أكثر من أي حكومة غير ميثاقية، لا تشمل بين أعضائها ممثلين لـ«حزب الله» و«أمل».
ومن اسباب تخليه عن صيغة 8 ــ 8 ــ 8 التي كان متحمساً لها، يقول جنبلاط أن «حزب الله رفضها لأنه يعتبر الرئيس تمام سلام في «14 آذار»، وهو قول لا يمكن نفيه. لذلك كان من الطبيعي أن تنجح حكومة تعطي «14 آذار»، حصراً، حق امتلاك الثلث المعطل. يوضح جنبلاط أن موقفه هذا ليس موجهاً ضد سلام الذي تربطه به علاقة جيدة جداً، كما يثق بقدرته على تشكيل حكومة وطنية، داعياً إياه إلى مزيد من الصبر، خاصة أن فترة تكليفه كانت فترة استثنائية بكل المقاييس.
واذا كان جنبلاط يحرص على تأكيد علاقته الجيدة مع السعودية، واستمرار التواصل معها، اما مباشرة او عبر من يمثله (الوزير وائل ابو فاعور وابنه تيمور)، فإنه لطالما عوّل على الدور السعودي في لبنان، خاصة ان المملكة كانت على الدوام واحدة من ركائز التسويات الداخلية، بدءاً من تسوية الطائف، وصولا الى تسوية الدوحة التي حمت لبنان والى ما بعدها وما بعدها، الا ان جنبلاط يلاحظ انكفاء المملكة عن لبنان في هذه المرحلة، ويربط ذلك بالتطورات الاخيرة على المسار السوري الدولي، وتطور العلاقات الاميركية الايرانية. وهنا يجب الا نقلل أبداً مما جرى على الخط الايراني ـ الاميركي.الا انه يأمل ان تعود المملكة الى لعب دورها التوفيقي بين اللبنانيين.
يكنّ جنبلاط تقديراً لافتاً لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، ولا يتفق مع المشككين في قدرته، فالرئيس سليمان في نظره نجح في إدارة التوازنات اللبنانية في كثير من المحطات والمواقف الاستثنائية، إلا أن ذلك لا تعني موافقته على التمديد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، بل هو يفضل أن يتمّ انتخاب رئيس جديد، حماية للديموقراطية. عندما يُسأل جنبلاط عن التمديد لسليمان يقول: رئيس الجمهورية سبق وأعلن موقفه، ثم ألم تبق هناك شخصيات مارونية؟ معارضاً الإتيان برئيس من المؤسسة العسكرية بقوله: الأفضل الا يكون عسكرياً.
المهم في نظر جنبلاط هو ان نعرف كيف ندير المرحلة، وخاصة مرحلة الرئاسة حيث اننا نريد رئيساً يعرف كيف يدير الازمة ويتحكم بها.
ورداً على سؤال حول إمكانية انتخاب الرئيس بالنصف زائداً واحداً، كما يردد أكثر من مسؤول، يجزم جنبلاط أن ذلك شبه مستحيل، ثم ان ذلك يشكل إساءة للمسيحيين مذكراً «أننا جربنا النصف زائداً واحداً في السابق والحمد الله أننا لم ننجح».
التوازنات تفرض رئيساً توافقياً
يرى جنبلاط أن التوازنات الداخلية تفرض أن يكون اسم رئيس الجمهورية توافقياً بين مختلف الكتل، فلا يمكن أن يكون منتمياً إلى «8 أو 14 آذار». ويقول: انا لي دوري وموقعي في الاستحقاق الرئاسي، الا انني لا يمكن ان اقدم على خطوة فيه من دون التفاهم مع «حزب الله» والرئيس نبيه بري.
ولا يقول جنبلاط أنه يتوقع الفراغ في الموقع الدستوري الأول، ولكنه يكثر الحديث عن أن «البلد ماشي» بالرغم من الفراغ الذي ينتشر في مختلف المؤسسات الدستورية.
لوليد جنبلاط مقاربات مختلفة عن «8 و14 آذار» لبنانياً وسورياً، مبدياً تحفظه على انخراط «حزب الله» فيها، وانخراط قوى لبنانية أخرى قبله فيها، الى حد أن البعض لبنانياً ربط مستقبله بسقوط النظام السوري منذ بداية الثورة السورية، مؤكداً أن هذا البعض راهن مؤخراً على الضربة العسكرية لسوريا وعندما سقط هذا الرهان، سقطت كل المنظومة التي كان يبني على اساسها سياسياً، داعيا الى سحب موضوع انخراط «حزب الله» في الأزمة السورية من التداول المحلي لأن الموضوع ليس في يدنا بل تتحكم به اعتبارات اقليمية.
يذكّر جنبلاط بمواقفه التي اختلف فيها مع كل من توقع انتهاء الأزمة السورية سريعاً. ورداً على سؤال، يؤكد أنه لا يبحث عن انعطافة جديدة، كما لا يتراجع عن وقوفه إلى جانب المعارضة السورية، إلا أنه، في المقابل، لا يستطيع بعد كل ما جرى إلا أن يكون مع الحل السياسي المتمثل بـ«جنيف 2»، وأن يثق أن ذلك الاجتماع لن يكون كافياً لإنهاء الاقتتال، الذي سيحتاج حتماً إلى «جنيف 3» و«جنيف 4»..، على غرار ما حصل في لبنان.
لم يعد يمكن لجنبلاط أن يتغاضى عن النفوذ الكبير للحركات الجهادية في سوريا، مشيراً إلى أن الغرب، الذي تلكأ في دعم المعارضة، هو الذي يتحمل المسؤولية.
يعترف جنبلاط أنه فشل في إقناع الدروز السوريين في التخلي عن دعم النظام، إلا أنه يؤكد أن هدفه كان الحد من الدماء التي تسال بين الجيران في السويداء ودرعا، واللتين وصل عدد القتلى بينهما إلى نحو 7000.
المصدر: صحيفة "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018