ارشيف من :أخبار لبنانية

حمّود للظواهري: مكانكم محور المــقاومة

حمّود للظواهري: مكانكم محور المــقاومة

وجّه إمام مسجد القدس في صيدا الشيخ ماهر حمود رسالة إلى زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، بعد رسالة الأخير التي دعا فيها التنظيم إلى تجنب قتل المسيحيين والشيعة والأقليات. يدعو حمود في رسالته الظواهري إلى الانضمام إلى محور المقاومة، على قاعدة أن أميركا رأس الكفر العالمي، كما إلى توجيه قدرات تنظيم القاعدة إلى الجهاد ضد أميركا وحدها، ومراجعة كاملة للتجربة التي تخوضها القاعدة.

الشيخ ماهر حمود

بسم الله الرحمن الرحيم
 رسالة إلى أيمن الظواهري

لن أخاطبك كمطلوب للعدالة الدولية ــــ الأميركية التي لا نعترف بها، ولن أخاطبك كخارج عن القانون مدان من قبل دول كثيرة بعضها يدّعي الإسلام وبعضها يدعي الحداثة. لن أخاطبك إلا كمسلم يحاول أن يحقق بعض الأهداف الإسلامية المتفق عليها، ويحاول أن يعيد أمجاد الإسلام وان يوقظ المسلمين الغافلين ليضعهم في طريق النهضة الإسلامية المفترضة... الخ.
يفترض انك داعية إلى الإسلام قبل أن تكون متهماً بالإرهاب وفق التعبير المعاصر، ولقد تم الإجماع أن أهداف الإسلام لا تتحقق إلا بالوسائل الإسلامية، والغاية عندنا لا تبرر الوسيلة: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف108).
وباعتبار أن رسالتك الأخيرة تحمل في طياتها نوعاً من النقد الذاتي ومحاولة لإصلاح ما فسد، فلعلنا في هذه الرسالة نساهم في الإصلاح المرتجى:
ولقد سبق أن مارست عملية نقد ذاتي ناجحة إزاء العمليات التي تمت في مصر الحبيبة أوائل التسعينات، وأدت إلى تغيير جذري في هذا الأسلوب على ما نعلم، كما أن المراسلات التي تمت بينك وبين أبو مصعب الزرقاوي حوالي العام 2003 كانت تهدف إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه من الممارسات المستنكرة التي تمارس باسم الجهاد وباسم الإسلام.
أولا: لقد أكدت على أمر هام تجمع عليه العقول الراجحة فضلا عن العلماء والدعاة العاملين: أميركا رأس الكفر العالمي وينبغي أن نوجه جهادنا باتجاهها، فان الأذناب تسقط بسقوط الرأس، ولكن ما ينسب إلى القاعدة من ممارسات يساعد السياسة الأميركية في المنطقة، بل يعطيها دفعا ومبررا بل مبررات.
لقد ثبت أن المقاومة في لبنان متواصلة مع المقاومة في غزة وسائر فلسطين مرتكزة على دعم لوجستي سوري، مستندة على رؤية سياسية إيرانية تحت شعار (أميركا الشيطان الأكبر)، وعلى ممارسة سياسية متقنة شهد بها العدو قبل الصديق.
لقد ثبت أن محور المقاومة هذا هو الذي يحاصر أميركا وهو الذي كف يدها مؤخرا عن العدوان على سوريا بالتعاون مع حلفائها الدوليين روسيا والصين.
إن كنت فعلا ترى أميركا هي رأس الكفر العالمي، فلماذا لا تنضم إلى هذا المحور، أو بالأحرى لماذا لا تتعاون معه، وهل تستطيع المجموعات التابعة للقاعدة مهما بلغت من قوة التدريب وحنكة التخطيط أن تفعل ذلك أو أن تحقق جزءا مما حققه محور المقاومة. أم انك تصدق ما يقوله بعض البسطاء ممن يعتبرون أنفسهم محللين سياسيين ويبنون موقفهم على أوهام ليستنتجوا ترهات ومنها قولهم أن إيران أو المقاومة عميلة لأميركا (...).
مفهوم انه يمنعك أمر هام: ذلك الوهم الذي نسمعه دائما: نخشى على عقيدة الأمة من انتشار التشيع، مما يدفعنا إلى الحديث عن هذا الأمر في النقطتين التاليتين:
ثانيا: الخوف من التشيع أكذوبة كبيرة ثبت ما يناقضها، كما أن الدعوة إلى مذهب أهل السنة والجماعة تكون بشكل رئيسي من خلال تقديم نموذج صالح يشبه خلافة عمر بن الخطاب أو عدل عمر بن عبد العزيز أو انجاز صلاح الدين الأيوبي في وقت كانت فيه الأمة في أسوأ حالاتها... الخ، ولا تكون الدعوة إلى مذهبنا بالقتل والإبادة وإلغاء الآخر.
ثالثا: لا يزال في طيات كلامكم ما يفيد بأن الشيعة في العراق قد تعاونوا مع الأميركي البشع واتوا به على خلفية عقيدتهم التي تبيح ذلك، ثم يجري تحميل ذلك لكافة الشيعة في العراق، ثم في العالم، فأين القاعدة الشرعية (ولا لاتزر وازرة وزر أخرى).
ثم أليس من الواضح أن الشيعة في إيران وفي لبنان (يعني محور المقاومة) لم يكن راضيا على هذا الأمر بل كان رافضا له ولكن غلب على أمره. ثم ألم يخرج العراقيون الأميركي مذلولاً، ولا أظنك تحتاج إلى دليل يثبت من أين حصل المقاومون في العراق على السلاح وعلى الدعم.
والاهم من ذلك كله، يجب التأكيد، لم تكن خطيئة الشيعة العراقيين في هذا الأمر مستندة إلى خلفية فقهية معينة، وإلا فكيف تفسر موقف (الإسلاميين المزعومين) في مصر وليبيا وسوريا وهم يستنجدون بحلف الناتو والأميركي مما هو أسوأ بكثير مما حصل في العراق، وكيف تفسر موقف ابرز علماء العالم الإسلامي (الشيخ يوسف القرضاوي) وهو يعطي الغطاء الشرعي المزعوم لأبشع تدخل أميركي مفترض؟ هل خلفيته شيعية أم ماذا...، وماذا عن بقية العلماء الذين ساروا على هذا الانحراف؟.
بالخلاصة ينبغي أن تنتهي هذه الأسطورة بأن الشيعة في العراق عملاء لأميركا على خلفية فقهية، بل يخطئ بعضهم ويصيب وفق ظروف تشمل الجميع.

رابعا: اليوم تقول: تجنبوا المسيحيين والشيعة والأقليات ... هكذا، هل هذا يكفي؟ وما المقياس لذلك؟ هل هذا إسلامي أم مصلحي؟ إن كان إسلاميا فان شريعة الإسلام لا تبيح القتل بالشكل الذي يمارس على الجميع بمن فيهم السنة منذ العام 2003 في العراق وصولا إلى سوريا مرورا بمصر وليبيا وغيرها.
هذا القتل الجماعي: سيارات مفخخة، أو انتحاريون في الشوارع والمساجد ومجالس العزاء والأسواق المزدحمة، أين نجد في الفقه أو التاريخ الإسلامي شيئا مشابها، هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الراشدون أو بقية الصحابة؟ بل حتى الخلفاء الذين نعرف منهم وننكر (وفق حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه)، هل مارس احد قبل هذه الفترة مثل هذا القتل الجماعي، وما هو دليله؟ ألا يكفي دليلا على حرمته المؤكدة أصلا والثابتة نصا الآية الكريمة 25 من سورة الفتح {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، لقد أخّر الله فتح مكة حتى لا يُقتل احد من المسلمين خطأ خلال الفتح، ألا يكفي هذا؟ وهل نحتاج أصلا إلى دليل شرعي لتحريمه...
أنت قلت (تجنبوا)، ولم تقل هذا حرام أصلا، وكأنه تكتيك فقط، وبالتالي هو اجتهاد مبني على المصلحة وليس على النص، يعني أنت هنا أهملت الشريعة كلها وعمدت إلى مصلحة مفترضة تتخيلها بشكل ما، وهذه المصلحة يمكن أن تتغير، يعني لو أن هذا القتل الجماعي أدى إلى نتيجة ما أنت ترجوها لشجعت على هذا القتل وبررته...! وهذا ما لا يمكن أن يكون مقبولا.

حمّود للظواهري: مكانكم محور المــقاومة

ولا يمكن أن تكون الدعوة إلى الإسلام من خلال قتل المعارضين والمخالفين ومن خلال تقديم نموذج مرفوض عماده القتل والاغتيالات والممارسات الشاذة، ولا يكون أيضا بتبخيس انجازات الآخرين {... وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ...} (الأعراف85)، وكل هذه الأمور مسلمات لا تحتاج للشرح، خاصة لأمثالكم من أصحاب الاطلاع الواسع، فكيف تكون مخاطبة المنحرفين بمجرد كلمة (تجنبوا).
خامسا: ألا ترى أن من يدعي العمل جهادا من خلال التفجير المحرم أو استعجال قطف الثمرات هو مشمول بالتحذير النبوي الواضح الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الارت (... ولكنكم قوم تستعجلون)، والذي قاله في الحديث النبوي: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)، أليس ما تفعله المجموعات المنتمية إلى فكر القاعدة يشبه هذا الوصف النبوي الشريف، حيث يريد كل من هذه المجموعات أن يقطع الطريق إلى الدولة الإسلامية أو الخلافة الراشدة بقفزة واحدة، أليس هذا مما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
سادسا: لقد تعلمنا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتعامل مع الواقع ونسعى إلى تغييره وفق الأسس الشرعية، فهكذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرة الطائف بجوار (مطعم بن عدي) المشرك وظل يذكره بخير، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة القضاء والأصنام في الكعبة، ثم بعد عام واحد عندما أصبحت الظروف مؤاتية حطم الأصنام إثر فتح مكة.
نحن جميعا نريد أن نحطم الأصنام على ما يبدو قبل فتح مكة وقبل إنشاء الجيش اللجب الذي تحتاجه الأمة والذي يجب أن يكون تحت قيادة واحدة مطاعة نافذة القول، فهل هذا أمر شرعي؟ أم أننا نضع العربة قبل الحصان، بحيث لا نصل إلى مكان.
سابعا: بالنسبة لسوريا تحديدا، قد لا استطيع إقناعك وإقناع الآخرين بصوابية الموقف السياسي للنظام، خاصة بالمقارنة مع الأنظمة العربية الأخرى، كما أن أحدا ليس بوارد الدفاع عن أخطاء النظام وظلمه وانحرافاته... ولكن هل تستطيع أن تقنعني بأن ما يحصل هو جهاد في سبيل الله؟ أين قيادة هذا الجهاد؟ أين المرجع الفقهي؟ أين الخطة المرحلية والبعيدة؟.
أنت تعلم تماما أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كما علي بن الحسين بن علي»رضي الله عنهم رفضا انتفاضة أهل الحرة في وجه يزيد، لأن أهل الحرة لم يتفقوا على أمير واحد للجهاد، فأمير للمهاجرين وآخر للأنصار، وكانت هنا الهزيمة قبل البداية، وكان ما كان من قتل ونهب وتدمير ... الخ. فكيف يكون ما يحصل جهادا، وكل حزب بما لديهم فرحون، وكل أمير فرح بما عنده ويظن انه الخليفة... لقد كان من مسلمات الفقه أن لا يكون هنالك غزو أو جهاد إلا تحت راية خليفة يوحد المسلمين، فكيف بالذي يحصل... إن ما يحصل لا يمكن أن يكون جهادا، على الأقل لجهة الاختلاف والتنازع والفرقة، فضلا عن الخلل في الرؤية السياسية، فضلا عن كون الجميع تحت السقف الأميركي مباشرة أو بشكل غير مباشر، وهذا يشمل من يعلن العداء لأميركا ومن يواليها. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثامنا: نحن لا نشك في إخلاصكم، وكيف يمكن ذلك وقد قدمتم أرواحكم وعائلاتكم وشبابكم للهدف الذين تعتقدون به... ولا نشك في صحة عبادتكم وتوجهكم نحو الله، ولكن هل هذا يكفي؟ انك تعلم تماما أن الخوارج كانوا أفضل الناس صلاة وصياما وعبادة، وكانوا أكثر الناس بذلا للأرواح في سبيل ما يعتقدون، فهل هذا أنقذهم عند الله أم أنهم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية، كما اخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الإخلاص وحده لا يكفي وصحة العبادة وحدها لا تكفي وصحة العقيدة وحدها لا تكفي، ان الذي اوبق الخوارج تكفيرهم وقتلهم لمخالفيهم حتى لو كان هؤلاء المخالفون من وزن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فماذا عن قتل الناس جميعا؟ مساجد سنية وشيعية في العراق وسوريا؟ وماذا عن قتل العلامة البوطي ومن معه خلال درس في المسجد، ... أليس هذا من فعل الخوارج، بل يفوقه قبحا: لقد استحل الخوارج دماء المخالفين من المسلمين، ولكنهم حافظوا على دماء وممتلكات أهل الكتاب بشكل فاق كل توقع، فهل فعلتم مثلهم على الأقل، وحرمتم دماء وأعراض وأموال أهل الكتاب من غير المحاربين، كما الأطفال والنساء والأبرياء؟.

تاسعا: المطلوب مراجعة كاملة للتجربة التي تخوضونها ويدفع الجميع ثمنها، خاصة من (سمعة الإسلام)، ولا تكفي تلك الملاحظات السريعة التي تأتي وكأنها لتجميل بعض التشوهات، فيما الواقع أن كل شيء في هذا الصدد مبني على غير الرؤية الشرعية وغير الأسس الفقهية المجمع عليها: كأن الذي قلتم هو محاولة نقد ذاتي خجولة إلى حد كبير، واقل بكثير من الموبقات التي حصلت باسم الاسلام وباسم تنظيم القاعدة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عاشرا: أليس الهوى والتعصب والتسرع خلف أكثر المواقف وأكثر التحليلات؟ شيء من التوازن وشيء من الموضوعية يمكن أن يوصلنا إلى نتائج معاكسة تماما، لما تفعلون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء...} النساء135.
عسى أن نخوض معكم حوارا مؤثرا يوصلنا إلى شيء.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
 والسلام على من اتبع الهدى
2013-10-12