ارشيف من :أخبار لبنانية
حكومة الشمال السوري آخر خرطوشة لأعداء سورية
جوزيف أبو فاضل - صحيفة البناء
«لا حلّ عسكرياً للأزمة السورية بل الحل هو حل سياسي من خلال الحوار والبداية هي في انعقاد مؤتمر جنيف ـ 2».
مقولة تكاد تجمع عليها أكثرية الأطراف في سورية وكذلك المعنيين من عرب وأجانب لكن السؤال متى أوان هذا الحل؟ فقد ضُربت مواعيد كثيرة في السابق وكلها ذهبت أدراج الرياح. واليوم يطرح شهر تشرين الثاني المقبل موعداً لانعقاد مؤتمر جنيف والشروع بالحل السياسي.
لكن المؤشرات الحالية كافةً توحي أن موعد تشرين الثاني هذا سيلحق بالمواعيد السابقة ولن يعقد «جنيف ـ 2» ولا من يحزنون وحرب تدمير سورية مستمرة بوتيرة متصاعدة حتى يقتنع من لا يزال مقتنعاً حتى اليوم أن بإمكانهم في أشهر معدودة أن ينجحوا في أن يحققوا انتصارات على الأرض تمكنهم من امتلاك أوراق المفاوضة فما عجزوا عن تحقيقه خلال عامين ونصف العام لن ينجحوا في تحقيقه في أسابيع قليلة فرهاناتهم كانت خاطئة ورياح المنطقة تجري بما لا تشتهي سفنهم من مصر إلى غزة وتونس والسعودية والعراق.
راهنوا على تدخل اميركي ـ أوروبي ـ عربي يسمح لهم بكسر سلطة وهيبة الدولة السورية على يد الغريب والمحتل لكن فاتهم أن أميركا وفرنسا وبريطانيا ليست مجرد أدوات في أيدي بما يعرف ائتلاف الثورة السورية وأن قادة جيوش هذه الدول ليسوا جنوداً في كتيبة الفاروق أو لدى سليم إدريس فهؤلاء قادة الجيوش لديهم حساباتهم ومصالحهم التي لا يمكن إلا ان يتحركوا في ضوئها.
لقد فشل التدخل الأجنبي بعدما أُدخل السلاح الكيماوي في مسار طويل وشدّ حبالٍ على غياهب النسيان ربما.
أما موضوع تسليح المعارضة فهو وهمٌ ومخدّر تطلقه تلك الدول لتمكين هؤلاء المنشقين عن سلطة الدولة السورية وقانونها الاستمرار في الحرب التدميرية لبلادهم.
مصر والمرسي
فالمؤشرات الإقليمية كلها لا تبشر بالخير لمن يدعي أنه معارضة سورية. فالرئيس «المرسي» الداعم الأول لهؤلاء المخربين أصبح في السجن وبحاجة لمن يدعمه وهذا يعني أن أكبر دولة عربية إما محايدة أو إلى جانب الدولة والنظام. لا يسمح المجال الآن للدخول في الرسائل الإيجابية وتحول هَمّ «الإخوان المسلمين» من قضايا دولية وإقليمية وإسلامية إلى معرفة مكان احتجاز محمد مرسي.
السعودية وأمراء الجيوش
أما الوضع في المملكة العربية السعودية فليس بأحسن الحال فالملك العليل بصحته أصبح لا يتابع الأمور اليومية لما يجري في السعودية أو في خارجها والأمر منوط بلجنة من ثلاثة أمراء يتصارعون فيما بينهم ولكل منهم جيش خاص به فماذا نرى:
الجيش السعودي وقد استعاده جناح الأمير سلطان بن عبد العزيز لا سيما الأميران بندر الأمين العام لمجلس الأمن الوطني ورئيس الاستخبارات السعودية وشقيقه سلمان بن سلطان نائب وزير الدفاع الوطني.
أما الجيش الثاني فهو الحرس الوطني السعودي بقيادة الأمير متعب بن عبدالله بن عبد العزيز وهو نجل خادم الحرمين الشريفين حالياً.
أما الجيش الثالث فهو جيش وزارة الداخلية بقيادة وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز.
ولكل واحد من هؤلاء الأمراء والقادة أهدافه وخطته للوصول إلى السلطة وإبعاد الآخرين عن «الكرسي» لذلك فإن الاهتمام السعودي حالياً ينحصر بمن سيتولى الحكم في السعودية وسورية هي مجرد ورقة في هذا الصراع.
تركيا ـ أردوغان والعزلة المقبلة
أما الجبهة الثالثة فهي تركيا التي بدأت تعاني من مصاعب اقتصادية واجتماعية نتيجة انخراطها في الحرب بسورية والحكومة التركية ستجد نفسها في غضون الأشهر المقبلة في عزلة عما يجري في سورية خصوصاً بعد تحذيرات البنك الدولي مراراً وتكراراً حول السياسة الاقتصادية لحكومة «الإسلام السياسي» بحيث تشبه التحذيرات التي أطلقها تجاهها كمثل الذي أطلقها لليونان والبرتغال والأرجنتين...
وكذلك بعد تنامي الحركات الأصولية والجهادية في معظم المدن والأرياف التركية وبخاصة في العاصمة أنقرة وفي المدن القريبة من الحدود السورية والعراقية والإيرانية. ولا مناصَ من التوقف أمام فشل الاتفاق مع الأكراد ـ وكذلك التظاهرات والاحتجاجات التي تقوم بها المعارضة حاملين صور أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية. وهناك الكثير من الانتكاسات التي تصيب أردوغان يومياً.
ومن أبرز دلالات هذه العزلة شروع تركيا ـ أردوغان ببناء جدار فصل ـ عازل بينها وبين سورية شبيه بذلك الذي أنشأته «إسرائيل» بينها وبين العرب فهل تفوق أردوغان الذي بدأ نجمه بالأفول بعنصريته على عنصرية «إسرائيل»؟
قطر ـ إغلاق الأبواب
أما قطر وهي الجبهة الرابعة المفتوحة على سورية فقد أغلقت جميع أبوابها المفتوحة على مختلف القوى والتيارات في المنطقة بما يشبه العودة إلى ايام الجد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني وتسلّم الأمير تميم بن حمد مقاليد الحكم من والده بطريقة تدل على تراجع قطر وابتعادها عن الدور التي كانت تلعبه لما يسمى بالربيع العربي ودعمها المطلق واللامتناهي للمعارضات المسلحة ضد النظام في سورية خصوصاً وأن قطر بدأت تواجه متاعب نتيجة المنافسة السعودية الحادة لها وخسارتها للساحة المصرية حيث أن القادة الجدد في مصر يصرحون دائماً بأنهم يمهلون ولا يهملون موجّهين الانتقادات الحادة لكل من قطر وتركيا ـ أردوغان.
الأسد.. وحلم المعارضات
إن هذه المؤشرات الإقليمية ـ العربية لا تصب في مصلحة المعارضات السورية التي بدأت تدرك عدم صدق الوعود التي أطلقت كما بدأت تخوض حرباً داخلية لتصفية الحسابات فكل طرف يعمل على إبراز نفسه أنه الطرف الأقوى.
فالأوضاع في المنطقة والعالم لا تسير في مصلحة ما يسمى بالمعارضات السورية فهم ليسوا معارضة واحدة تجمعها وحدة الغايات والأهداف بل هم خليط من مقاتلين من دول شتى بينها الشيشاني والكويتي والمصري والليبي والأفغاني والباكستاني والألماني.. وربما «الإسرائيلي».
لذلك فإن هذه المعارضات انخرطت في حروب داخلية مدمرة على أمل أن يتمكن أحد الضباط أو الأجنحة من إخضاع الآخرين لسلطته وهذا أمر دونه العديد من العقبات والصعوبات.
فكان قرارها بتجاوز الانقسامات وتشكيل حكومة موقتة في الشمال السوري برئاسة أحمد طعمة لا تخضع لسلطة الدولة الشرعية وهذه الحكومة غير الشرعية ستطلب من الدول العربية والأجنبية الاعتراف بشرعيتها تتقدم في ضوء ذلك بطلب الحماية الجوية وإيجاد منطقة حظر جوي فوق مناطقها.
إن هذا الأمر سيكون بنظر الكثيرين مدخلاً لاستجرار عدوان جديد على سورية لأن القيادة السورية الحالية برئاسة الدكتور بشار الأسد تعتبر أن التنازل عن أي شبر من سورية هو تنازل عن السيادة التي لا تقدر بثمن وهو سيكون مضطراً للرد على هذه الخطوة سياسياً وعسكرياً لأنه لا يمكنه التفريط بذرة تراب واحدة من التراب السوري وكذلك سيخوض حرباً لاقتلاع هؤلاء المنشقين في الحكومة اللاشرعية من الأماكن التي يقيمون فيها وهذا ما قد يعرضه لردة عسكرية أميركية ـ أوروبية ـ «إسرائيلية». وفي رأي الرئيس الأسد أنه مستعد لهذه الضربة لأن أكلافها المادية ستبقى أقل بكثير من السكوت على تقسيم وتفتيت سورية.
ولأنه وبعد مرور عامين ونصف العام على اندلاع الحرب على سورية تبيّن أنها حرب لتدميرها حجراً حجراً وبيتاً بيتاً ومصنعاً مصنعاً... ولا علاقة للإصلاح والديمقراطية بها.
حكومة.. تفتش عن أب!!
فهذه الحكومة اللاشرعية التي ينتظر أن تولد خلال الأسابيع المقبلة والتي ستسعى للتفتيش عن أب لها لن تكون سوى الورقة الأخيرة أو الخرطوشة الأخيرة بيد جموع الإرهابيين لاستجرار تدخل عسكري تمكّنها انتصاراً معيناً ويمكنها من الانتقال إلى المفاوضات في «جنف ـ 2» لكنها بالتأكيد ستفشل لأن كل الأمور ستكون معاكسة لها كما أسلفنا في كل من مصر والسعودية وتركيا وقطر وتالياً فإن الرئيس الأسد قد لا يكون عندها مستعداً لهكذا حوار مع مجموعات أجّلت الحوار مراراً وتكراراً لحسابات خارجية وخارجة عن إرادتهم وكل ذلك على أمل الجلوس على طاولة المفاوضات على أجساد ودماء الشعب السوري البريء.
فالرئيس الأسد سيكون خلال الأشهر المقبلة هو صاحب القرار والمبادرة يحدد الخيارات وينتهج الأساليب التي تمكنه من أن يكون رئيساً متجدداً لسورية جديدة التي ستنبثق من رحم المعاناة.
إذن ستنجح سورية بكسر وإفشال ما يخطّط للمنطقة من تقسيم وتفتيت لمصلحة «إسرائيل» وهو المخطط الذي كشفت عن جوانبه صحيفة «النيويورك تايمز» في الأسبوع الماضي كما نجحت في إفشال «إسرائيل» في حرب تموز من احتلال لبنان وتفتيته في عام 2006 والتي تدفع سورية اليوم بسببها وبسبب وقوفها إلى جانب المقاومة اللبنانية فاتورة الدم والدمار الحالية. فسورية في دعمها للمقاومة البطلة بكل الأسلحة الممكنة كسرت كل الخطوط الحمر التي كانت مرسومة في الماضي وذهبت أحلام «إسرائيل» بتحقيق نصر سريع ساحق ماحق أدراج الرياح وتمرّغت بوحول لبنان على مدى 33 يوماً لتخرج مهزومة مصمّمة على الثأر والانتقام ممن ألحق بها هذه الهزيمة وفي مقدمهم سورية وكذلك إيران التي دخلت إلى الملعب الدولي كدولة كبرى وكلاعب أساسي ومركزي . وهزيمة «إسرائيل» اليوم يعدّ انتصاراً لسورية وقضاء على كل آمالها واحلامها بمحاربة إيران التي منذ 22 عاماً تهدد «إسرائيل» بضربها وتتوعد ولا تجرؤ إلا بالكلام.
ما سيرسم خريطة جديدة للمنطقة ـ خريطة المحور القوي والمتماسك الذي سيجمع كل شعوب المنطقة وبعض دولها منطلقاً من طهران إلى بغداد فدمشق فبيروت والقاهرة على أمل التواصل مع القدس. ولن تكون مخططات التقسيم سوى سيناريوهات وضعت على الورق وخرّبت ودمّرت لكنها لم تبصر النور.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018