ارشيف من :أخبار لبنانية

إستحقاقات لبنان تنتظر التسوية السورية

إستحقاقات لبنان تنتظر التسوية السورية

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

هناك من يعتقد أنّ رئيس «جبهة النضال الوطني»، النائب وليد جنبلاط، لم يكن مسروراً حين أعلن قبل يومين ما يُشبه انتصار إيران وحلفائها في المعركة الدائرة في الشرق الاوسط منذ سنوات طويلة مع دوَل الخليج والسائرين في خطّها.

أعلن جنبلاط ذلك انطلاقاً من قراءته المستجدات على الساحة اللبنانية مُلقياً اللوم على فريق 14 آذار وحساباته الخاطئة التي تعرقل مسار الاوضاع وتؤدي الى أزمات متلاحقة. واعتقاد هؤلاء صحيح كَون جنبلاط ، الذي تقلّب كثيراً في مواقفه، كان يبدو أقرب، لا بل رأس حربة فريق 14 آذار عندما كان يسمع همسة أو يلتقط إشارة بوجود قرار بتصفية "حزب الله"، كما حصل بين عامي 2005 و2008، قبل أن تعيده حركة 7 ايار الى موقع المهادنة، او بصدور قرار دولي كبير بإسقاط النظام السوري وإنهاء نفوذ ايران، كما حصل بدءاً من العام 2011 حيث جلس على ضفة النهر منتظراً مرور جثة خصمه، قبل أن يُعيده الانفتاح الاميركي على إيران الى مواقعه السابقة.

ويدرك جنبلاط، من خلال انتهاجه مبدأ السياسة الواقعية، انّ "الحلم" بإسقاط الرئيس بشار الاسد اصبح بعيداً جداً، أقلّه في هذه المرحلة، وأنّ ما حُكي عن وجود قرار بتحجيم ايران وضرب تمَدّدها خارج حدودها، انقلب بفتح خطوط التواصل تمهيداً للتفاهم معها.

وبَدا انّ بريطانيا تعمل بنشاط على هذا الخط، وهو ما كانت قد باشرَته منذ أشهر بعيدة، يوم كان الصراخ عالياً في الشرق الاوسط وقرقعة السلاح في سوريا تصمّ الآذان. وقد قرأ كثيرون، في ما بعد، في معارضة مجلس العموم البريطاني لتوجيه ضربة لسوريا وجود "قطبة مخفيّة" حاكَها الحزب الحاكم، وهو الناشط في الكواليس المفتوحة مع طهران.

ويتردّد انّ لندن، التي تستمر في تأدية دور كاسحة الألغام لفتح الطريق جدياً بين واشنطن وطهران، مُنهمكة في ترتيب الملفات المطلوبة بالتفاهم مع الادارة الاميركية. أمّا باريس، فلقد أوكِل اليها دور ترتيب وضع المعارضة السورية لكي تكون جاهزة عندما يحين أوان الجلوس الى طاولة المفاوضات. ومن هنا البداية.

ذلك انّ ايران متمسّكة بأولوية الملف السوري، والذي سيشكّل المدخل الإلزامي للولوج الى الملفات الاخرى. لكن الوضع في سوريا بات في قمة التعقيد، خصوصاً بعد نجاح التنظيمات المرتبطة بـ"القاعدة" في السيطرة على مناطق واسعة ومفاصل ميدانية وتَداعي "الجيش السوري الحر".

وقد ساهم هذا الواقع في عودة الرهان الغربي على جيش النظام كخيار لا بدّ منه لضرب التنظيمات المتطرفة، والتي باتت تتألف من إرهابيين ومتطرفين من كل أصقاع الدنيا يستعدون لنَقل "خبراتهم" الجديدة الى بلدانهم. وقدّم النظام "عَينه" خدمات لـ "الجيش الحر" عندما توَلّت 9 مرابض مدفعية قصف المجموعات العسكرية لـ"داعش" التي كانت تشنّ هجوماً على مواقع "الجيش الحر" في ريف حلب، ما أدى الى وَقف تقدّمها.

ذلك انّ الجميع بات يعرف انّ التفاهم الاميركي ـ الروسي ينصّ في أحد بنوده الاساسية على توحيد جهود الجيش النظامي و"الجيش الحر" للإطباق على المتطرفين. وفي الوقت نفسه، اندفعت روسيا في ديبلوماسيتها الذكية لتُعطي مهلة السنة بُغية إنجاز ملف الكيماوي، ما يعني الإقرار ضمناً بالتمسّك ببقاء الاسد في موقع الرئاسة طوال هذه المدة لضمان تنفيذ الخطة، أي أن موعد الانتخابات في حزيران المقبل لم يعد يملك قيمة، ما دفع البعض الى الحديث عن تمديد تجنّباً للإحراج في إجراء الانتخابات والتجديد للأسد.

والذي راقب حِنكة الديبلوماسية الروسية، لا بد له من ان يتوقّع منذ الآن أن إقفال ملف الكيماوي بعد سنة لن يعني بالضرورة رحيل الاسد. ومن هنا بدأ كلام وزير الخارجية الاميركي جون كيري يتضمن كثيراً من الغزل تجاه الاسد، ما حَدا بأحد الديبلوماسيين الى التعليق ساخراً: يكاد كيري يقترح مَنح الاسد جائزة نوبل للسلام.

في أيّ حال، فإنّ واشنطن لم تقطع يوماً الحبل نهائياً أمام احتمال بقاء الاسد، بدليل انها لم تسعَ يوماً لإحالته الى المحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، مثلما فعلت مثلاً مع معمر القذافي لدى اندلاع الثورة في ليبيا.

والواضح انّ ايران نجحت في جعل النظام السوري قابلاً للعودة الى الحياة من زاوية العواصم الغربية. وفي أوضح دليل على ذلك موافقة دولة الإمارات على سفر وزير الخارجية السورية وليد المعلم الى نيويورك عبر مطارها، ما يعني موافقة سعودية ضمنية، والّا لَما كانت الإمارات لتوافق على ذلك.

وعلى رغم انّ الأفق بات واضحاً لجهة ولوج مفاوضات اميركية ـ ايرانية ستكون شائكة وطويلة وصعبة ومن خلال المدخل السوري، إلّا انّ ذلك لن يعني سكوت الجبهات في سوريا الآن وفوراً، لا بل على العكس.ففي انتظار انعقاد مؤتمر "جنيف ـ 2"، سيحاول كلّ فريق في سوريا فَرض نفسه من خلال تحقيق انتصارات ميدانية يترجمها على طاولة المفاوضات لاحقاً.

وهكذا تحاول المجموعات المتطرفة إقصاء "الجيش الحر" لتكون الطرف الوحيد في مواجهة النظام الذي يعمل على إنجاز سيطرته الكاملة على الحدود مع لبنان، خصوصاً في منطقة القلمون المحاذية لعرسال اللبنانية، إضافة الى توسيع سيطرته في ريف دمشق، وقد نجح في فتح الطريق بين حماه وحلب موجّهاً بذلك رسالة ميدانية قوية عنوانها حلب.

أمّا الملف اللبناني، فهو لن يُفتح الّا بعد إنجاز تفاهم، ولو أوّلِي، حول الملف السوري، أي إسقاط النتائج العسكرية والسياسية في سوريا على التوازنات الداخلية في لبنان. وبمعنى أوضح، وَضع مَلفيّ الحكومة والاستحقاق الرئاسي في ثلّاجة انتظار التفاهم حول سوريا.

ومن هنا قراءة جنبلاط وانعطافته الجديدة، ومن هنا تراجع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن سياسته الهجومية التي طبعت المرحلة الاخيرة، ومن هنا حديث البعض عن احتمالات الفراغ في الرئاسة الاولى، على رغم انّ العواصم الكبرى، وفي طليعتها واشنطن، تبدو واثقة من إنجاز التفاهم في سوريا قبل أيار المقبل موعد الانتخابات الرئاسية اللبنانية، ما دفعها الى التأكيد دائماً أنها لن تسمح بحصول فراغ رئاسي في لبنان، وهو ما ترجَمه البعض على غير معَناه الحقيقي أو وفق ما يتمنّاه.
2013-10-14