ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يرى جنبلاط صورة صفقة في الأفق فقرّر استباقها بموقف وموقع؟
اميل خوري - صحيفة "النهار"
إذا كانت الولايات المتحدة الاميركية تجيد ممارسة السياسة البراغماتية والتعامل مع الواقع والتخلي حتى عن اصدقائها وحلفائها خدمة لمصالحها، فان النائب وليد جنبلاط يجيد أيضاً ممارسة سياسة "التقية" وتغيير حلفائه وتحالفاته تبعاً للظروف والمصالح. ومن يقرأ مواقف جنبلاط المتقلبة يرى أنه فقد ثقته بصدقية السياسة الاميركية منذ أن بسطت نفوذها في الشرق الأوسط ورأى بأم العين كيف ترمي بأصدقائها وحلفائها في الهاوية خدمة لمصالحها ولا تتردد في التفاهم حتى مع خصومها لهذه الغاية عندما تفشل في تنفيذ مخططاتها. فكما تخلت عن أصدقائها في لبنان توصلاً الى وقف الحروب فيه بعدما عجزت هي عن وقفها وفرضت عليهم القبول بوصاية سورية عليه دامت 30 عاماً، وفرضت أيضاً على القيادات المسيحية وتحديداً المارونية حضور لقاءات الطائف والقبول بالتنازل عن بعض الصلاحيات المهمة لرئيس الجمهورية لمجلس الوزراء مجتمعاً معززة بذلك الدور السني، فلا شيء يمنع الولايات المتحدة الاميركية من أن تتخلى عن اصدقائها في المعارضة السورية وتفرض عليهم حضور مؤتمر جنيف بدون شروط مسبقة وجعلهم يقبلون بتسوية يتم الاتفاق عليها مع روسيا وايران، وقد يقوم بموجبها حكم جديد في سوريا بديل من حكم الرئيس الاسد ترتاح اليه هاتان الدولتان ولا يشكل خطراً على مصالح اميركا ولا على أمن اسرائيل، ولا يكون للاسلاميين الأصوليين على اختلاف تنظيماتهم اي دور فيه وهو ما تلتقي عليه اميركا وروسيا.
هذه الصورة التي تبدو للنائب جنبلاط وهو يتابع التطورات واتجاه الرياح تجعله يتخذ المواقف التي تجنب طائفته خصوصاً ولبنان عموماً اخطارها، وهو من أجل ذلك يفضل ان يكون قصبة تميل مع الريح ولا تنكسر على ان يكون سنديانة تكسّر الريح اغصانها...
ولا يستبعد النائب جنبلاط بحكم السياسة الاميركية البراغماتية، قيام حكم في سوريا تختاره روسيا وايران كما اقيم في لبنان حكم تختاره سوريا في ظل وصايتها عليه وان يكون ثمن تخلي "حزب الله" عن سلاحه حصة كبرى له في الحكم كما كان ثمن تخلي الميليشيات المسيحية عن سلاحها انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيساً للجمهورية وبعده شقيقه الشيخ أمين اذ لا يمكن أخذ شيء ممن لا يملك شيئاً.
واذا كان الانتداب الفرنسي اعطى رؤساء الجمهورية الموارنة صلاحيات واسعة، جعلت السياسة في لبنان توصف بـ"المارونية السياسية" واعطت الوصاية السورية على لبنان الطائفة السنية مزيدا من الصلاحيات بحيث راح البعض يصفها بـ"السنية السياسية" فقد يكون جاء الآن دور الطائفة الشيعية لتمارس دور "الشيعية السياسية" في ظل النفوذ الايراني الذي قد يمتد الى أكثر من دولة في المنطقة والذي قد يكون له دور مهم في تحقيق السلام الشامل الذي عجزت عن تحقيقه الانظمة السنية.
ولا يرى النائب جنبلاط، بحسب من يقرأ تصرفاته، ما يثير الاستغراب في سلوك الولايات المتحدة الاميركية حيال اصدقائها وحلفائها، اذ انها لا تتوانى عن رميهم في الهاوية، اذا قضت مصالحها بذلك، وفي المنطقة أكثر من دليل على ذلك. ولا ينسى جنبلاط انه عندما وقعت احداث 7 أيار غاب المسؤولون الاميركيون عن السمع تهرباً من اعطاء اي تعليق عليها، وكأنهم يريدون ان تذهب المعارضة والموالاة الى الدوحة للموافقة على ما يقرره الكبار فيهما وهو ما حصل وهي أحداث جعلته يعيد النظر في تموضعه، وغاب المسؤولون الأميركيون عن السمع عندما اسقطت سوريا حكومة الرئيس سعد الحريري في الوقت الذي كان يدخل فيه الى البيت الابيض لمقابلة الرئيس اوباما، وسكتوا عن انتقال الاكثرية من 14 آذار الى 8 آذار تحت عراضة القمصان السود لتتألف حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي. وقد اضطر النائب جنبلاط الى تغيير موقعه وموقفه كل مرة بسبب السياسة الاميركية الغامضة او المتقلبة التي جعلت من يتعاطى معها لا يعرف من تتخلى عنه او تبيعه بأرخص الاثمان.
واذا كان جنبلاط قد غير موقفه وموقعه بعد احداث 7 أيار وبعد عراضة القمصان السود، فلا عجب ان يغير موقعه وموقفه أيضاً بحديثه الصحافي الأخير عندما يترآى له ان الولايات المتحدة الاميركية هي في صدد عقد صفقة مع روسيا لتقاسم النفوذ في المنطقة وعقد صفقة مع ايران قد تضع سوريا تحت نفوذها وربما لبنان اذا كان ذلك يؤدي الى تحييده عن صراعات المحاور وعندها لا يعود يهم لمن يكون الحكم فيه، هل يكون لـ8 أو 14 آذار، ولو لكليهما، هذا اذا بقي وجود لهما بعد عقد مثل هذه الصفقات التي لا بد أن تخلط الاوراق وتقلب التحالفات بحيث يصبح اعداء الأمس اصدقاء اليوم واصدقاء الأمس اعداء اليوم... فهل يصح ما يتصوره جنبلاط ويتخوف منه فيحجز لنفسه منذ الآن الموقع المناسب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018