ارشيف من :أخبار لبنانية
تسوية نووية قبل آذار.. ولبنان على جدول الأعمال
حسين ايوب - صحيفة السفير
إدارة باراك أوباما على تماس مباشر مع ملفين حيويين لها ولحلفائها في المنطقة، خاصة إسرائيل: التخلص من الكيميائي السوري وإقفال الملف النووي الإيراني بأبعاده العسكرية.
تريد واشنطن إقفال هذين الملفين، قبل أن تدير وجهها وطموحاتها إلى جنوب القارة الآسيوية، في مواجهة العملاق الصيني الصاعد والفرص التي يمكن أن توفرها تلك المنطقة للولايات المتحدة في السنوات المقبلة. قبل ذلك، على الأميركيين أن يفكروا بمن يملأ الفراغ، فالعراق الذي احتلوه في العام 2003 خرج من يدهم، بالمعنى الاستراتيجي، وصاروا شركاء مع الإيرانيين في إدارة هذا البلد. ولعل الأصح أن الإيرانيين أثبتوا أن لهم اليد الطولى في هذه الدولة العربية.
كما أن مشروع الولايات المتحدة الهادف الى تعميم النموذج «الإخواني» في المنطقة قد سقط إلى حد كبير على يد «الشخصية الوطنية المصرية».. وها هي إسرائيل تنفخ في مزمار «خوفها»، سعيا الى من «يهدئ» مخاوفها.. لكأن الأدوار والوظائف الإستراتيجية في المنطقة تتغير.
بالنسبة الى الأميركيين، يبدو أن أفضل مدخل لـ«طمأنة اسرائيل»، يكمن في ازالة منظومة المخاطر الأمنية والعسكرية التي تهدد أمنها (منها «الكيميائي» و«النووي»..)، ولعل المدخل الى ذلك «منع قيام أنظمة راديكالية في جوارها»، يقول مرجع لبناني على صلة جيدة بالأميركيين.
أي مستقبل لسوريا؟
صحيح أن الاتفاق الروسي ـ الأميركي حول السلاح الكيميائي السوري، قد قرّب بين موسكو وواشنطن، ولكنه لم يبدد التباعدات حول الرؤية النهائية لكل منهما حول مستقبل سوريا، وتحديدا مستقبل الرئيس بشار الأسد في أية تسوية سياسية مقبلة، وهي قضية لن تبت، على الأرجح، الا بعد أن يتم حسم العنوان الأكبر: سوريا المقبلة ستكون جزءا من أي منطقة نفوذ دوليا واقليميا؟.
يتفق الروس مع فريق دولي على رأسه بريطانيا بوجوب تحديد موعد ملزم لـ«جنيف 2»، بهدف وضع الفريقين أمام مسؤولياتهما، وهنا المقصود الضغط على المعارضة السورية لكي تحسم من يمثلها. غير أن الأميركيين، مسايرة لبعض حلفائهم، خاصة السعودية، لا يريدون إحراج المعارضة، مخافة أن يؤدي الإحراج الى المزيد من التفكك في صفوفها. ويتردد في هذا السياق، أن مسؤولا غربيا سأل مسؤولا سعوديا: اذا قرر بشار الأسد تسليم أحمد الجربا أو ميشال كيلو أو جورج صبرا السلطة، هل يملك أحد هؤلاء تصورا لضبط الأرض السورية وانهاء المجموعات المرتبطة بـ«القاعدة»؟.
يميز الأميركيون، ومعظم حلفائهم الغربيين، بين الأسد والمؤسسات السورية، خاصة العسكرية والأمنية. هم لا يريدون الوقوع مجددا في «الخطأ العراقي»، أي تفكيك الدولة والمؤسسة العسكرية في اطار ما أسميت «عملية اجتثاث البعث»، ولكنهم يصرون في الوقت نفسه على «رحيل الأسد طوعا». هم يدركون صعوبة ذلك، لذلك صاروا يتحدثون عن مرحلة انتقالية، يكون الأسد جزءا منها. ولكن كيف يُقنع الغربُ السعوديين الذين باتوا يراهنون حاليا على أن يأخذوا بالمفاوضات والتسوية ما عجزوا عن أخذه بالقوة والسلاح، أي رأس النظام؟
على الأرجح، فإن السعوديين سينتظرون، ومعنى ذلك أن تدفع سوريا ثمن ذلك الانتظار الثقيل. تدريجيا، سيتقبلون ما تَفَهَّمَهُ غيرُهم. فالأميركيون يدركون يوما بعد يوم، عمق العلاقات الروسية ـ السورية والايرانية ـ السورية.. وما كان يمكن أن يكون قيد الاختبار، في الأسابيع والشهور الأولى للأزمة السورية، صار اليوم عبارة عن حقائق ثابتة سياسيا واستراتيجيا.
ولعل الكلام الذي قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرئيس المخابرات السعودية الأمير بندر بن سلطان في مطلع آب المنصرم، خير دليل على «الخطوط الحمر» التي وضعها الروس في ما يخص الملفين السوري والايراني: «ممنوع سقوط النظام السوري، وموسكو ستدعم حق طهران بالمضي في برنامجها النووي السلمي، وفي الوقت نفسه، ستشكل حاجزا يمنع الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي من اتخاذ أية قرارات دولية جديدة (عقوبات) ضد إيران.
تسوية نووية قبل آذار
«لا بد من انجاز كبير على صعيد الملف النووي الإيراني، في مهلة أقصاها نهاية آذار المقبل». هذا هو الانطباع الذي خرج به سفير دولة عربية، بعد سلسلة الاجتماعات التي عقدت في العاصمة البريطانية، في اطار التمهيد لاجتماعات العاصمة السويسرية.
وللمرة الأولى، منذ بدء الاجتماعات الدولية ـ الايرانية منذ أكثر من عقد من الزمن، على خلفية الملف النووي، يشعر الجميع بأن الجلوس إلى طاولة المفاوضات، خاصة بعد رحلة الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني الأميركية، لا بد وأن ينتج منه «شيء ما» يرفض الطرفان التكهن بشأنه، وذلك استنادا الى «الخرق المعنوي» المتمثل باجتماعات نيويورك الأخيرة.
ثمة اعتقاد ايراني بأن الفرصة سانحة لابرام اتفاق طالما أن باراك أوباما متحرر من عقدة الولاية الرئاسية الثانية. تقابل ذلك قناعة أميركية بوجوب تلقف «فرصة روحاني»، وقد عبرت عنها رسالة الشخصيات الأميركية البارزة (راجع عدد «السفير» بتاريخ 10/10/2013)، وتتضمن دعوة لأوباما للمضي في سياسته الانفتاحية ازاء ايران، وذلك لتشجيع الحكومة الايرانية على خطواتها الانفتاحية.
هذه الحاجة المتبادلة لإبرام صفقة، ليست وليدة لحظة. هي تعبير عن سياق موضوعي أنتج «الظاهرة الأوبامية» (الانسحاب من الحروب الخارجية والاهتمام بالبيت الأميركي الداخلي) وأنتج أيضا «الظاهرة الروحانية» (الالتفات الى البيت الداخلي الإيراني في ظل ما آلت إليه العقوبات الدولية من صعوبات داخلية كبيرة).
الدليل على ذلك أن الانكليز، وبالتنسيق مع الأميركيين، كانوا قد اتخذوا قرارهم بتطوير علاقاتهم الديبلوماسية مع طهران (تبادل قائم بالأعمال غير مقيم) قبل فوز روحاني بأسابيع قليلة، وهذا الأمر لمح إليه وزير خارجية بريطانيا وليام هيغ لأحد المسؤولين الإيرانيين على هامش اللقاء الذي جمعه بروحاني في نيويورك في الشهر الماضي.
كان واضحا منذ اليوم الأول لوصول روحاني أن أبرز إشارة يمكن أن تقدم للغرب، تتعلق بالملف النووي. وشكلت خطوة نقل إدارة الملف من مجلس الأمن القومي الى وزارة الخارجية، خطوة في الاتجاه الذي يعطي انطباعا بأن الرئيس الإيراني الجديد سيكون شريكا أساسيا في إدارة أخطر ملف يواجه علاقة إيران بالغرب.
هذه الخطوة قيّمها الغربيون بصورة ايجابية. يقول مسؤول بريطاني بارز لـ«السفير»: «نقدر ما قام به روحاني. طبعا، إيران لديها مشاكلها وأبرزها الوضع الاقتصادي المتردي، ناهيك عن تمدد الأزمة السورية إلى العراق ولبنان. هذا التسرب له تأثيره على حلفاء إيران في العراق، لا سيما نوري المالكي. الإيرانيون يريدون تسوية سياسية في سوريا تضمن مصالحهم الإقليمية».
ما هي قصة الأرصدة؟
لا يخفي الإيرانيون رغبتهم بإيجاد تسوية للملف النووي. يعيدون التأكيد على مضمون ما أبلغه روحاني لنظيره الأميركي في الاتصال الهاتفي. تفويض وزير الخارجية محمد جواد ظريف إشارة ايجابية. تحديد سقف زمني (بين ثلاثة وستة أشهر). «المهم ـ يقول الإيرانيون ـ الصدق وتوافر إرادة سياسية متبادلة، وبعدها خلق مناخ من الثقة المتبادلة، يترافق مع خطوات عملية من الطرفين».
يوضح المطلعون على الموقف الايراني أن زيارة سلطان عُمان قابوس بن سعيد الى طهران شكلت أول محاولة لاختبار النوايا. اتفق الجانبان الايراني والعُماني على افراج الولايات المتحدة عن أرصدة ايرانية بمليارات الدولارات محتجزة في البنوك الأميركية منذ ثلاثة عقود من الزمن. لاحقا تبلغت طهران أن واشنطن وافقت وأنه سيتم اعتماد العاصمة العُمانية مسقط ممرا الزاميا لكل التحويلات المالية في الاتجاهين.
كان مقررا أن تصل اشارة أميركية ايجابية للايرانيين قبل أن تحط طائرة روحاني في الأرض الأميركية، غير أن ذلك لم يحصل. عندها اتُّخذ القرار الايراني بالاعتذار عن أي لقاء أو حتى مصافحة مع أوباما. ويتردد أن روحاني عاتب نظيره الأميركي، على هذه النقطة، وتم الاتفاق على تجاوز ما أسماه الأميركيون «سوء الفهم».
صحيح أن الانفتاح الأميركي على ايران، قد خفف حماسة الايرانيين إزاء أولوية مد أيديهم باتجاه دول الخليج، غير أنهم لم يهملوا هذا الملف. هم على قناعة تامة أن السعودية ستغادر «حالة الحَرَد» وستنخرط بشكل ايجابي في مناخ التسويات، «وهذا الأمر سيؤدي تلقائيا الى تهدئة الموقف في بعض ساحات المنطقة، خاصة العراق ولبنان».
من هذه الزاوية، يفضّل الايرانيون أن يكون حوارهم مع الأميركيين «موضعيا». عندما يتم الانتهاء من الملف النووي، يتم الانتقال، وبشكل متدرج وموضعي، الى ما تبقى من جدول أعمال يتضمن سبع نقاط تم التفاهم عليها بين الجانبين. هذا الجدول يشمل أيضا سوريا، العراق، لبنان، البحرين، والأهم ملف فلسطين الذي يعتبره الايرانيون «أخطر الملفات وأكثرها تعقيدا»، وهم يعتقدون أن الأميركيين يريدون الوصول في نهاية المطاف الى مرحلة مقايضة التسوية النووية بالملف الفلسطيني.
«ربط نزاع» بديل
ولكن هل يملك الايرانيون تصورا بهذا الصدد؟ المفاجأة التي تنتظر الغرب أن طهران تملك مقاربة أولية قابلة للتطوير. على الأرجح، هم لا يفكرون بتسوية، انما بنوع من «ربط نزاع». بالنسبة الى بعض المسؤولين الايرانيين «متروك للفلسطينيين أن يقرروا.. ونحن سنقبل ما يقبل به العرب والفلسطينيون على صعيد التسوية النهائية»، يذكّر هؤلاء بالموقف الذي أطلقه الرئيس الايراني الأسبق محمد خاتمي باجراء استفتاء بين «السكان الاصليين في فلسطين» لتقرير مصيرهم واختيار «نوع الحكم الذي يرغبون فيه في المستقبل»، ويشيرون الى أن بعض الجهات الايرانية حاولت تطوير طرح خاتمي في مرحلة معينة ولكن السيد الخامنئي اعتبر ذلك «سقف الحد الأقصى».
ووفق مصادر متابعة للموقف الايراني، فإن الأميركيين «عرضوا خلال احدى جلسات التفاوض ضمن مجموعة الدول الست بفكرة إدراج الملف النووي ضمن تسوية شاملة، ولكن الايرانيين رفضوا ذلك لانهم متيقنون ان الاميركي يريد من خلال التسوية الشاملة الوصول الى الموضوع الاسرائيلي. هم يريدون من ايران ان تتنازل عن فلسطين».
يستند «حزب الله» ومعه بعض التنظيمات الفلسطينية الى تجربة تموز 2006 وحربَي غزة للقول ان اسرائيل التي لا يقهر جيشها انتهت، «وعلينا انتظار معطيات تاريخية تصبح معها الدولة العبرية عبئا على الغرب ومصالحه في المنطقة».
تختم المصادر نفسها أن الإيرانيين اتخذوا قرارا استراتيجيا: «لا تنازل عن حقهم بالتخصيب النووي السلمي ولرفض لكل محاولة للمس بسيادتهم الوطنية».
اذا أخذ الأميركيون ما يريدونه من سلاح كيميائي سوري، ومن ضمانات عدم استخدام النووي الايراني لأغراض عسكرية، لن يكون مستغربا مشهد الباحثين عن مبان لأكبر المصارف الاميركية والأوروبية، في طهران، وأولها «سيتي بنك»، كما يردد لبناني عائد من طهران.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018