ارشيف من :أخبار لبنانية
التجسس الأميركي على الحلفاء .. والأعداء
محمد بلوط - صحيفة السفير
طعنة سيف في ماء. التشبيه الأقرب إلى ما عناه للسفير الأميركي شارل ريفكين استدعاؤه إلى الخارجية الفرنسية ليشرح أمام ديبلوماسيين فرنسيين محرجين، تجسس الشريك الأميركي على شريكه الفرنسي.
لا شيء يرجى من الدعوة، التي تدخل في باب الاضطرار إلى الرد، أكثر مما تدخل في أي من أبواب التنبيه أو التأنيب أو الاحتجاج التقليدي على ما نشرته، للمرة الثانية هذا العام صحيفة «لوموند» الفرنسية، من وثائق تثبت تجسس الوكالة الوطنية للاستخبارات، أم الوكالات الاستخبارية الأميركية الست عشرة، على الفرنسيين وفرنسا، واكتفى مساعد للمتحدث باسم الخارجية الفرنسية بالقول «ذكرنا السفير الأميركي بأن هذا النوع من الممارسات بين الشركاء أمر مرفوض. وينبغي عليه أن يؤكد أنها توقفت».
ووعد المتحدث نفسه، أن يناقش الوزير لوران فابيوس هذه المسألة مع نظيره الأميركي جون كيري في لقاء لوزراء الخارجية الأوروبيين في لوكسمبورغ.
وسمع الفرنسيون جوابا اميركيا مماثلا لما سمعوه ردا على احتجاجهم الأول على قضية التجسس نفسها، في حزيران الماضي، «بأن التنصت أمر روتيني بين الأمم». وذكر البيت الابيض ان الولايات المتحدة تمارس التجسس مثلما تفعل كل الدول.
«الحرب الناعمة» الأميركية لا تستثني أحداً في العالم، ولا تمييز بين صديق أو عدو، من كل الفئات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. إذ تتجسس الولايات المتحدة على الاتحاد الأوروبي، ودول حلف شمال الأطلسي، وتتجسس حتى على أقرب حلفائها الألمان، وتقتنص أكثر من ستين مليون رسالة إلكترونية ومخابرة لبلد هو الأقرب إلى الولايات المتحدة، كما لا تتردد في التنصت على البريطانيين، لكن بموافقة السلطات البريطانية وعلمها.
وهي المرة الثانية التي يستدعى فيها السفير الأميركي إلى الـ«كي دورسيه»، في الملف نفسه، بعدما كشفت صحيفتا «درشبيغل» الألمانية و«الغارديان» البريطانية، مطلع الصيف، عمليات تنصت واسعة تقوم بها الاستخبارات الأميركية، من دون استثناء السفارة الفرنسية في واشنطن، بفضل الوثائق التي كشفها المتعاون السابق إدوارد سنودون مع الوكالة، قبل لجوئه بقليل إلى موسكو، وأصبح سراً شائعاً الحديث عن التجسس الأميركي على الحلفاء من دون استثناء.
لكن الجديد الذي يستدعي السفير إلى الـ«كي دورسيه»، هو ما نشرته «لوموند» من وثائق جديدة، بعدما صرف فريق من صحافييها أسابيع طويلة، لتصنيف أكوام من آلاف الوثائق، تركها سنودون خلفه للمدون الأميركي غلين غرينوالد في ريو دي جانيرو، قبل هروبه إلى موسكو.
وتظهر الوثائق الجديدة اتساع نظام التجسس الأميركي على العالم أجمع، بينما تشرح «لوموند» عناصر هذا النظام، والأهم بالنسبة إلى الفرنسيين، أن لا سر من أسرارهم يستعصي على أجهزة التنصت والاختراق الإلكتروني، إلى حد امتلاكهم ما فاق 70 مليون مخابرة أو رسالة إلكترونية أو نصيصة تبادلها الفرنسيون في شهر آذار من هذا العام.
ويقوم النظام المتشعب لسلسلة من برامج المعلوماتية، على تقسيم قاري، يتولى بعضها قرصنة كل وسائل التواصل الالكتروني والهاتفي في العالم، كنظام «بريسم»، بينما يعمل البعض الآخر «كالمخبر العالمي» على تحليلها، واضعاً الكوكب بأسره في علب التخزين في واشنطن لاستقصاء المعلومات منها.
ويعمل نظام «كي سكور» كنظام تخزين وتحليل مركزي وهو نظام قادر على اختراق محتويات العلب الإلكترونية، والرسائل المتبادلة، وفك رموز العلب، وأجهزة الكمبيوتر نفسها، وإحصاء كل المواقع التي زارها أصحاب الأجهزة.
ويعمل نظام «بريسم»، وهو الأوسع في مجال الالتقاط والتنصت واعتراض الهواتف والإنترنت، وفق اتفاق مع عمالقة الإنترنت أنفسهم، يسري منذ العام 2007. إذ لم تتردد كل الشركات في تقديم ما يلزم لمساعدة وكالة الاستخبارات الوطنية.
ووقعت الوكالة اتفاق تعاون مع كل من «ياهو»، و«مايكروسوفت»، و«غوغل»، و«يوتيوب»، و«بالتوك»، و«فايسبوك»، و«آي أو آل»، و«آبل». وحصلت على مدخل «خلفي» لكل هذه المواقع لاستجواب كل ما قامت بتخزينه.
وقدمت «مايكروسوفت» للاستخبارات الأميركية، و«أف بي آي»، مدخلاً مباشراً، لفك الرموز السرية للمستخدمين، وطرق الدخول إلى «السكاي درايف»، والحصول على الصور والنصوص والرسائل الشخصية للمستخدمين، بالإضافة إلى التنصت على غرف المحادثة و«سكايب».
وتأتي الدول الإسلامية على رأس قائمة الدول التي تتنصت عليها الاستخبارات الأميركية. فبينما تحتج فرنسا على 70 مليون اعتراض أو تنصت على أجهزة اتصال الفرنسيين في شهر آذار الماضي، تنصتت أميركا على إيران في الشهر نفسه، وسجلت 14 مليار مكالمة هاتفية أو رسالة إلكترونية، ما يجعل منها هدف الولايات المتحدة «الإلكتروني» الأول، في الحرب الناعمة التي تقودها ضد العالم.
وتأتي باكستان في المرتبة الثانية مع 13,5 مليار رسالة أو مكالمة. وفي الشهر نفسه، استمع الأميركيون إلى 12,7 مليار مكالمة ورسالة أردنية، و7,6 مليارات مكالمة ورسالة مصريتين، و6,3 مليارات مكالمة ورسالة هنديتين.
ويتقاسم الأميركيون معلوماتهم بشكل خاص، مع ثلاثة أجهزة استخبارات: البريطانية والألمانية والإسرائيلية. وتعمل الوحدة «القان» داخل الموساد على تنسيق التعاون وتحليل المعلومات وتصنيفها مع الاستخبارات الأميركية، وتحصل في المقابل على كل ما تجنيه الآذان الأميركية من معلومات حصلت عليها، بدءاً من المكالمات الهاتفية، فأنشطة الإنترنت، والصور.
والأرجح أن يمضي استدعاء السفير الأميركي إلى وزارة الخارجية من دون عواقب تذكر على العلاقات بين البلدين، وهو لم يكن أصلاً ليقع لو لم تدس «اللوموند» بأنفها في وثائق سنودون، لعلم الفرنسيين وغيرهم مسبقاً بالتجسس الأميركي، وأن التنصت بين الحلفاء مباح، وهو ما تقوم به بعض الأجهزة الفرنسية أيضاً، في الولايات المتحدة.
وكان فابيوس أعلن في وقت سابق للصحافيين، على هامش اجتماع للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، أنه استدعى السفير الأميركي، مضيفاً أن بلاده كانت ردت في وقت سابق على هذا الموضوع «لكن على ما يبدو، لا بد من أن نذهب أبعد من ذلك».
من جهته، عبر رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك إيرولت من كوبنهاغن عن «صدمته» من المعلومات التي نشرتها الصحيفة الفرنسية حول التجسس الأميركي على فرنسا، مطالباً الولايات المتحدة بتقديم «أجوبة واضحة حول هذه الممارسات».
وقال إيرولت «لقد أصبت بصدمة شديدة.. أن تتمكن دولة حليفة كالولايات المتحدة من الذهاب إلى حد التجسس على اتصالات خاصة من دون أي مبرر استراتيجي أو مبرر للدفاع القومي»، مطالباً واشنطن بتقديم «ردود واضحة وتبرير مقنع للأسباب التي دفعتها إلى استخدام هذه الممارسات وإيجاد ظروف الشفافية ليتم وضع حد لما حصل». وشدد رئيس الوزراء الفرنسي على أنها «القاعدة لبناء الثقة في ما بيننا».
ورداً على سؤال عما إذا كان سيصار إلى الاتصال بالرئيس الأميركي باراك أوباما، أجاب إيرولت «أترك لرئيس الجمهورية مهمة اتخاذ الإجراءات التي تفرضها الظروف، لكن هناك في الظاهر مبادرات تطرح نفسها وستتخذ».
وأعلن وزير الخارجية الأميركي، أمس، أن الولايات المتحدة ستبحث مع فرنسا في برنامج التجسس العالمي لوكالة الأمن القومي الأميركية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018