ارشيف من :أخبار لبنانية
اشتباكات طرابلس: طارت الخطة الأمنية؟
غسان ريفي - صحيفة "السفير"
لم يفاجأ أبناء طرابلس بالمواجهات المسلحة التي شهدتها المحاور التقليدية الساخنة في التبانة والقبة وجبل محسن ليل أمس الأول، وامتدادها حتى ساعات الفجر الأولى من يوم أمس، كونها جاءت نتيجة طبيعية للفلتان الأمني الأفقي الذي تشهده طرابلس وللشائعات التي تحاصرها منذ فترة، وترجمة للتسخين المتواصل على تلك المحاور، سواء عبر الاشتباكات المحدودة أو بأعمال القنص أو برمي القنابل اليدوية.
لكن ما فاجأ أبناء المدينة، هو أن يتفلت الأمن من عقاله، في وقت تنتظر فيه طرابلس انطلاق المرحلة الثانية من الخطة الأمنية التي كان من المفترض أن تبدأ قبل عيد الأضحى، وتضع حداً لانتشار السلاح في كل المناطق ومنها المحاور الساخنة، فضلا عن عدم المبالاة من قبل من يعنيهم الأمر حيال ما شهدته العاصمة الثانية، فلا مجلس الأمن الفرعي انعقد، ولا مجلس الدفاع الأعلى حرك ساكنا، ولا أمن العاصمة الثانية كان في سلم أولويات أي من المسؤولين، ليترك أمر معالجة التدهور الأمني للجيش اللبناني وحده والذي نجح في لجمه مؤقتا، باستثناء أعمال القنص التي استمرت طيلة يوم أمس وعطلت كل أشكال الحياة وحصدت جرحى من الطرفين، وبعض الخروق التي تمثلت بتجدد الاشتباكات على بعض المحاور.
وإذا كان ما شهدته طرابلس حتى مساء أمس كان أكبر من «مناوشات» وأقل من «جولة عنف»، لكنه أعطى جملة مؤشرات أبرزها أن المدينة ستبقى صندوق بريد للرسائل المتفجرة، وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات المحلية والاقليمية، ما لم يكن هناك قرار رسمي بضبط الوضع الأمني فيها، وبالحد من نفوذ المجموعات المسلحة التي تخطف مناطقها وأحياءها وتفرض قوانينها على أهلها، والتي بدأ بعضها يشعر بفائض من القوة يجعلها تتمرد على القيادات السياسية والأمنية في آن.
كما طرح التدهور الأمني في طرابلس مزيدا من علامات الاستفهام حول ما إذا كان هناك قرار بإبقاء المدينة على خط التوتر الدائم تمهيدا لمعركة أكبر ربطاً باحتمال انطلاق معركة جبال القلمون في ريف دمشق، وستستمر مفاعيلها لأيام، خصوصا أن بعض المحاور شهدت تجددا للاشتباكات مساء أمس، ورد الجيش اللبناني فيها على مصادر النيران.
تعطّلت الخطة الموعودة، وضاعت معها الوعود بزيادة عديد قوى الأمن الداخلي في المدينة، ولا يدري أحد إذا كانت الصعوبات التي تحدث عنها وزير الداخلية مروان شربل ستؤدي الى غض النظر عن استكمال هذه الخطة.
تكوّنت قناعة لدى أبناء طرابلس، بأن كل يوم تأخير في معالجة الوضع الأمني في مدينتهم يساهم في تعقيد الأمور أكثر فأكثر، ويضاعف من الكلفة التي قد تدفعها المدينة وأهلها إذا قررت الدولة تطبيق المرحلة الثانية من الخطة الأمنية.
وكانت المحاور التقليدية قد شهدت تدهورا أمنيا على خلفية قيام شبان من جبل محسن بإطلاق النار ابتهاجا بالإطلالة التلفزيونية للرئيس السوري بشار الأسد، الأمر الذي أثار حفيظة أبناء التبانة، خصوصا بعد إصابة شخص من المنطقة برصاصة في رجله.
وقد تطور ذلك الى اشتباكات على بعض المحاور استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية، إضافة الى أعمال القنص.
وقد تدخل الجيش بقوة ورد على مصادر النيران وعمل على تهدئة الوضع وسير دوريات مؤللة.
لكن أعمال القنص التي استمرت وأدت الى رفع حصيلة الجرحى، ساهمت في شحن النفوس، فتجددت الاشتباكات بعنف ليلا وامتدت حتى الثانية فجرا واستخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والقذائف الصاروخية وتركزت على محاور: البازار، بعل الدراويش، ستاركو، طلعة العمري، الحارة البرانية، البقار والريفا.
وقد استقدم الجيش تعزيزات إضافية وأطلق بعض القنابل المضيئة في سماء المنطقة ورد برشاشاته الثقيلة على المسلحين وأجبرهم على الانكفاء، لكنه لم ينجح في الحد من أعمال القنص التي استمرت طيلة يوم أمس.
في غضون ذلك، حمّل النائب محمد كبارة مسؤولية ما يجري في طرابلس الى الدولة التي تتفرج ولا تتخذ أية تدابير جدية لإنقاذ العاصمة الثانية، وطالب رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بإعطاء الأوامر للأجهزة الأمنية كافة للقيام بواجباتها تجاه طرابلس وأمنها وسلامة أهلها، وليس من خلال استقباله القادة الأمنيين ومعالجة ما يحصل عن بعد. تفضل يا فخامة الرئيس ولتنهِ عهدك بتعزيز الامن والاستقرار في العاصمة الثانية لكي يذكر الطرابلسيون عهدك بالخير».
وعند الخامسة مساء تجددت الاشتباكات على محور البقار ـ الأميركان واستخدمت الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، فيما استمرت المناوشات وأعمال القنص على مختلف المحاور حتى ساعة متأخّرة من الليل.
وأدت الاشتباكات الى مقتل دانيال أحمد من جبل محسن، وإصابة أكثر من 15 شخصا بجروح عرف منهم: بلال خضير، أسامة قشقوش، فادي الديك، نعيم بكور، محمد ظافر، خضر منصور، جمال صيداوي، محمد أيوب، إضافة الى ثلاثة عسكريين هم: مهدي مصطفى، حسن الأسمر، محمود بردو.
وليلا نقل مسلحون جريحا الى طوارئ مستشفى طرابلس الحكومي، وحصل إشكال بينهم وبين عدد الممرضين فقام أحد المسلحين بطعن الممرض خالد ابو عريضة. وعلى الأثر سرت شائعات عن إقفال قسم الطوارئ احتجاجا.
وفي اتصال مع مدير المستشفى ناصر عدرة أكد لـ«السفير» ان قسم الطوارئ يعمل طبيعيا، ولا يمكن إقفاله في ظل هذه الظروف الامنية الصعبة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018