ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تخلى المصريون عن «الدولة المدنية»؟
امل علي - صحيفة "السفير"
«من النادر في التاريخ البشري أن حدث هذا الكم الهائل من التضحيات الغالية والنفيسة لتحقيق ذلك القدر الهزيل من النتائج »، قالها ونستون تشرشل مرة، وهي الآن هي تطبق على ارض الواقع في مصر.
وبعدما ثار الشعب المصري في «ثورة 25 يناير» العام 2011 ضد الظلم وقمع الحريات، مطالباً بدولة مدنية ديموقراطية، ورافضا، على مدار عامين ونصف العام بعد الثورة، أن يحكم مجدداً بالعصا والنار، يبدو المزاج العام في الشارع المصري اليوم ميّالاً إلى القبول بالحكم العسكري، مع تصاعد شعبية السيسي إلى مستوى غير مسبوق بعد نحو 100 يوم على عزل الرئيس محمد مرسي، غداة «ثورة 30 يونيو»، حتى أن ثمة قناعة ترقى إلى مستوى المخاوف لدى الليبراليين بأنه لو قرر السيسي خوض الانتخابات الرئاسية، فسيكتسح أي مرشح منافس وبنسبة كبيرة جداً.
«يسقط حكم العسكر» - 2011
لم تكد أيام تمضي على خلع الرئيس حسني مبارك في 11 شباط العام 2011، وانتقال السلطة بشكل مرحلي إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة العسكرية، حتى انتفض الشارع ضد «حكم العسكر»، بعد فترة وجيزة من الهدوء. كان ذلك في ليل 25 شباط العام 2011 حين فضت قوات الجيش اعتصاماً في ميدان التحرير بالقوة، وألقت القبض على مئات المتظاهرين، واجبرت الفتيات على اجراء كشوف العذرية .
وقتها دعت حركة «٦ أبريل» والعديد من الحركات الشبابية المصريين إلى العودة مجدداً إلى ميدان التحرير، وظهر وقتها المصطلح العسكري الشهير «القلة المندسة» ، لتبدأ السلطات العسكرية من ذلك الحين اعتماد حزمة من الممارسات القمعية ضد الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والتظاهرات، كأحداث «رمضان 2011» و«محمد محمود» و«مجلس الوزراء».
وما زالت الممارسات القمعية التي اعتمدت خلال هذه المرحلة ماثلة في أذهان الكثير من الناشطين، ولعل أكثرها شدّة، تعرية فتاة في الميدان بشكل وحشي، واعتقال مئات الشبان، واستهداف عيون المتظاهرين بالخرطوش، والقنابل المسيلة للدموع التي قيل وقتها ان بعضها كان يحوي «غاز الأعصاب».
يومها كان شعار المرحلة: «يسقط حكم العسكر».
«تسلم الأيادي» - 2013
كل تلك الأحداث التي مرت بالميدان المصري، تبعث على التفكير في سؤال جوهري: لماذا يريد الشعب المصري فعلاً التصالح مع الماضي وعودة حكم العسكر؟ وماذا وراء التحوّل من شعار «يسقط حكم العسكر» إلى «تسلم الأيادي... تسلم يا جيش بلادي»؟
على أنغام اغنية «تسلم الأيادي... تسلم يا جيش بلادي» المنتشرة بشكل لافت منذ عزل مرسي، والمتضمنة مديحاً مباشراً للفريق عبد الفتاح السيسي بسبب انحيازه لمطالب الشعب المصري في «30 يونيو»، عاد الشارع المصري طواعية للمطالبة بترشيح القائد العام للقوات المسلحة لرئاسة الجمهورية.
ولا يمكن انكار دور الجيش المصري المستمر حتى الآن في التصدي لبقايا نظام جماعة «الإخوان المسلمين»، التي استعادت لقب «المحظورة»، بعد استحلالها دماء واقتصاد المصريين، وإحداثها حالة الانقسام في الشارع. إلا ان العودة إلى الحكم العسكري من جديد والتخلي عن حلم الدولة المدنية الديموقراطية أمر يستدعي الوقوف والانتباه كثيرا .
«المؤسسة العسكرية لها هيبتها. اميركا تخاف من الجيش المصري، لأن على رأسه راجل جدع وشجاع حمانا وخلصنا من الاخوان». على هذه الشاكلة، برر الشارع المصري في استطلاع اجرته «السفير» على عينة عشوائية من اهالي امبابة والجيزة والزمالك تأييدهم للجيش المصري.
اللافت للانتباه ان الجميع لم يجمع فقط على شخص الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الرجل الذي يتمتع بكاريزما عالية لدرجة دفعت البعض إلى تشبيهه بالزعيم جمال بعد الناصر، بل على المؤسسة العسكرية باعتبارها الكيان الوحيد القادر على حكم مصر، في ظل الظروف التي تمر بها دول «الربيع العربي»، وبعض دول الجنوب، كالسودان، وفي ظل المشاكل المستجدة مع دول حوض النيل.
«الرجل تصدى كالأسد امام الاخوان الذين غدروا بنا... فما حاجتنا سوى رئيس يحمينا ويخاف علينا»، يقول اسعد الطاهر (55 عاماً - ميكانيكي سيارات في الجيزة)، الذي يدعم ترشح السيسي، لأنه رجل عسكري يعرف معنى «الضبط والربط» على حد تعبيره، ولأنه «الاصلح لإنقاذ مصر من مؤامرات جماعة الاخوان المسلمين».
الآراء التي أبداها فقراء الاحياء الشعبية كانت متشابهة الى حد كبير، وجميعها كان يدور في فلك ان السيسي رجل شريف وشجاع ويتمتع بكل مواصفات القائد.
وتقول زهرة عبد الفتاح، التي شاركت في التصويت في الانتخابات البرلمانية السابقة واستفتاء الدستور، انها كانت شاهدة عيانا على استغلال «الاخوان المسلمين» لفقراء مصر بتوزيعهم السلع التموينية عليهم في المناسبات السياسية المهمة بهدف حصاد الاصوات الانتخابية.
وتضيف عبد الفتاح «اليوم استطيع ان اعطي صوتي بحريّة للرجل المناسب، ولا يوجد رجل جدع مثل سيادة اللواء عبد الفتاح السيسي... هوّ راجل اسد».
ليس الجميع على دراية بشخص السيسي، حتى أن الكثيرين يجهلون رتبته العسكرية، وهو ما جعل عبد الفتاح مثلاً تصفه بـ«سيادة اللواء»، فالاهتمام بالرجل ينطلق من الكاريزما التي مكنته بسهولة من تحقيق ارضية شعبية كبيرة. ولعل الامر لا يتعلق هنا فقط بانحياز المؤسسة العسكرية لـ«ثورة 30 يونيو»، بل يمتد إلى الدور الذي قام به لإعادة الثقة بكيان المؤسسة العسكرية التى فقدت بعضا من رصيدها خلال حقبة المشير حسين طنطاوي.
على الجانب الآخر، ترى الفئة التي تصنّف نفسها على أنها «أكثر علماً ومعرفة بمجريات الاحداث» ان ترشح السيسي للرئاسة هو الانسب للمرحلة الحالية. ووفق اعتقاد هؤلاء فإن الدول الكبرى ستضع ألف حساب في تعاملها مع رئيس ذي خلفية عسكرية، على عكس ما ستكون الحال مع رئيس ذي خلفية مدنية أو ذي مرجعية دينية.
ويقول المهندس رؤوف عبد القدوس ( 44 عاماً) إن السيسي يجب ان يحكم مصر، مشيدا بحملة «كمل جميلك» التي انطلقت لدفع الفريق أول للترشح لرئاسة الجمهورية.
ويبرر عبد القدوس موقفه بالقول: «لقد جربنا الحكم المدني وكانت النتيجة كارثية... الآن، وبعدما تصدّت المؤسسة العسكرية للجماعة («الإخوان»)، عرفنا من هو عدونا الحقيقي، وعلى الفريق السيسي الترشح فورا».
وجهة النظر التي عبر بها اهل «الطبقة الراقية» في مصر، او من يطلق عليهم بـ«الصفوة»، لم تختلف كثيراً، فكما اتفق الفقراء على كاريزمية الرجل التي تؤهله لحكم مصر بعد حصاده قلوب الملايين، اتفق اهل «الصفوة» وعدد كبير من المثقفين على جدارة المؤسسة العسكرية في إدارة شؤون البلاد في المرحلة الحالية.
هكذا تبدو الكلمة الفصل لدى السيسي، الذي لم يصدر حتى الآن أي اشارة بشأن قرار خوض الانتخابات الرئاسية من عدمه... وبين فئات اجتماعية لا ترى غضاضة في ترشح الفريق أول لا بل تدعمه كموقف حركة «تمرد» وبعض الاحزاب - وبين فئة اخرى رافضة لعودة الحكم العسكري، يبقي القرار النهائي لصوت الشارع المصري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018