ارشيف من :أخبار لبنانية

أميركا تقف على الحافة!

أميركا تقف على الحافة!

جيمس زغبي - صحيفة السفير


لا يتوقف المعلقون السياسيون منذ وقت طويل عن محاولة البحث عن السبب الذي جعل السياسات الأميركية تتحول إلى دوامة عديمة الجدوى وفاقدة التأثير والفعالية، والتي شهدنا أحد مظاهرها خلال الأسابيع الماضية.

والسؤال الذي يطرحه هؤلاء: كيف يمكن لأقلية تمثل الخط المتطرف والمتشدد أن تخلق من الخوف ما يكفي لشلّ قدرة قيادة الحزب الذي تنتمي إليه عن العمل، وتجبر الحكومة على غلق أبوابها، وتجرّ الأمة كلها إلى شفير الهاوية والسقوط؟
لقد كانت هناك إجابات مختلفة عن هذا السؤال، كما وُجّهت أصابع الاتهام نحو اتجاهات مختلفة. وكان على رأس المتهمين: الدور الذي تلعبه «رؤوس الأموال الضخمة» في تشويه العملية السياسية، والحقيقة التي تفيد بأن المناطق الانتخابية أصبحت مقسمة بطريقة غير عادلة بحيث لم تعد الانتخابات لاختيار أعضاء الكونغرس تقوم على مبدأ التنافس بين الحزبين الرئيسيين (الديموقراطي والجمهوري)، وتتأثر بالمستوى الهابط الذي بلغته الوسائط الإعلامية الموجّهة أيديولوجياً في مجال تسميم العمل السياسي. ولن ننسى أيضاً حزب «الشاي» والتأثير السلبي لبقية المجموعات القوية والفاعلة، والافتقار إلى روح المودة والكياسة في تعامل الحزبين في الكونغرس. ويضاف إلى كل ذلك السلوك الديماغوجي والعدواني للسيناتور «تيد كروز» الذي عاهد نفسه على ألا يوفر أحداً.

ولا شك أن هذه الملاحظات صحيحة في مجملها، ولكن إلى درجة محددة فحسب. وكل واحدة منها تشكل في حقيقة الأمر مجموعة من المشاكل المترابطة، إلا أنها لا تمثل أكثر من تذكير مختصر وسريع بأعراض مرض أكثر خطورة بات يعمل عمله في تشويه ثقافتنا السياسية.
وأما الأسباب ذات الجذور العميقة لأمراضنا المستعصية الراهنة، فهي ترتبط بعاهات نفسية أصبحت متأصلة في قلب أمتنا ذاتها. ومنها الصدمات النفسية التي نتجت عن هجمات 11 أيلول 2001. وهناك أيضاً الصدمة التي ما زالت آثارها ماثلة في حياتنا اليومية نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية لعامي 2008 و2009. وهناك أيضاً مشكلة العرق والعنصر.

وكان للهجوم الإرهابي في 11 أيلول 2011 الذي أدى إلى موت 3000 أميركي، أن يضع نهاية لعقد من السلام والرخاء النسبي ميّز فترة ما بعد عهد كلينتون. وعلى رغم التمكن من هزيمة السوفيات وبروز أميركا كقوة عظمى وحيدة في ظرف وجيز من الزمن، إلا أن الشعور بالأمان الذاتي تضاءل وأصبحنا نعيش بشكل متواصل ونحن نحمل الشعور بأننا مستهدفون.

وببقائنا «متسمّرين» أمام جهاز التلفزيون، فنحن لا نتابع الأحداث الدرامية لمجرّد التسلية، بل لأننا عشنا الرعب والخوف الشبيه بما نشاهده، وأصبحنا نشعر وكأنه موجّه ضدنا على الدوام. ويبدو الآن وكأننا نعيش الأعراض والنتائج التراكمية لصدمة الرعب. وما زالت مشاعر الخوف والغضب من هذه الأحداث تتملك العديد من الناس، وهي معرضة للتفاقم في نفوسهم بحيث يمكن أن ينظروا لأصغر مشكلة يواجهونها على أنها تشكل تهديداً خطيراً.
وكان الشعور بـ«الوقوف على الحافة» مقترناً في الأذهان بالانهيار الاقتصادي لعام 2008 الذي كانت له آثاره الكارثية. فقد هبطت أسعار الأسهم والسندات بشكل حاد، وتركت أثراً بالغاً على صناديق المتقاعدين، وأصبح خمس ملاّك البيوت يعيشون هاجس الخوف من أن تسترجع بنوك الرهن العقاري بيوتهم وتتركهم في العراء. وتضاعفت معدلات البطالة. فبالنسبة للعديد ممن واجهوا هذه الحالة من الخوف والافتقاد للأمان الاقتصادي، أصبحوا يشعرون بأن «الحلم الأميركي» انتهى وتلاشى. صحيح أن البنوك وشركات صناعة السيارات تلقت الدعم المالي الكافي لإنقاذها من الإفلاس، إلا أن الأميركيين المنتسبين إلى الطبقة الوسطى والذين عملوا بكدّ واحترموا القوانين هم الذين تحتم عليهم أن يتحملوا نتائج هذا الانهيار.
جاءت انتخابات العام 2008 لتركز على التصدي لهذه المظاهر السلبية. وبرز في هذا الإطار توجهان يمثل كل منهما ردة فعل معاكسة للآخر في مجال التصدي للأزمة. فقد كان تفكير أوباما يتركز على إشاعة الشعور بالأمل والتفاؤل، وكان يطالبنا بأن «نتحدث مع الملائكة القابعة في قرارات أنفسنا». ومن الجهة المعاكسة، كان معارضوه وخاصة منهم ساره بالين، يتضرعون إلى الله أن يحل على أميركا عهد من عدم الاستقرار الأمني والقلق والاستياء، وكانوا يرددون الألفاظ التي تعبر عن الغضب والتشنج والخوف.

واستمر هذا الحال بعد انتهاء الانتخابات، واتخذ أبعاداً جديدة من مظاهر الارتياب والصدمة والخوف التي يتغنى بها المتشددون مثل «رُهاب الأجانب» والعنصرية عندما ظنّ معارضو أوباما أن التركيز على أصله المسلم يمكن أن يخلط الأمور، وتساءلوا عما إذا كان بالفعل يحمل الجنسية الأميركية بالولادة.
وهناك أيضاً أولئك الذين يعتقدون أن «حزب الشاي» وُلد كرد فعل للعجز المتزايد في الميزانية العمومية أو للنتائج التي يمكن أن يؤدي إليها تطبيق قانون الرعاية الصحية «أوباماكير». وفيما كان أقطاب «حزب الشاي» يتمسكون بهذا الموقف، لم يكن هذا هو السبب الحقيقي لتبنيهم هذه المواقف المتصلبة.
وقد أثبت التمحيص الدقيق في البيانات الناتجة عن استطلاعات الرأي عن وجود قرائن قوية تشير إلى أن «حزب الشاي» يتألف من الأميركيين البيض الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، والذين ينتابهم الخوف والقلق من المستقبل. ومما يعزز من شكوكهم هذه وجود أميركي من أصل أفريقي في البيت الأبيض.

وفي هذه الأثناء بات العالم ينظر إلى هذه الجماعة التي أصبحت تمثل الأساس لما أصبح يُعرف باسم «حزب الشاي»، على أنها تعكس مظاهر الصدمات الارتكاسية التي كانت وراء ولادتها وظهورها إلى حيّز الوجود. وهي بكلمة واحدة، حركة تجتاز مرحلة الطفولة، وتتصف بتأييدها للاستبداد، وترى العالم بالأبيض والأسود، وميّالة أيضاً للأخذ بالمذهب التفضيلي، عندما ترى أن من الضروري اللجوء إلى ثقافة التدمير بشرط أن تؤدي إلى ظهور «الطراز الجديد» من البشر ليثبت وجوده! وفي عالمهم، ينتشر الخطر في كل مكان. وهم لا ينظرون إلى الحلول الوسطى والتفاوض إلا باعتبارها من أفعال الشياطين.
ومع هذا، من واجب المرء أن يكون حذراً بعض الشيء في حكمه على هذه الجماعة الشريرة. وذلك لأن شعورها بالقلق والخوف حقيقي وغير مصطنع. وغضبها الذي يفتقر إلى التوجيه، يمكن السيطرة عليه إلى حد ما، إلا أن الخطر الذي يمكن أن تتسبب فيه لا يمكن التنبؤ بحدوده ولا يجوز تجاهله.
2013-10-24