ارشيف من :أخبار لبنانية
الأسد: لغة الوقائع والمبادئ
غالب قنديل - صحيفة الديار
الحديث الذي اجرته قناة الميادين مع الرئيس الدكتور بشار الأسد يشكل محطة مهمة في سياق الحملة السياسية والإعلامية الناجحة التي يقودها الأسد بنفسه منذ حوالى الشهرين عبر وسائل الإعلام العالمية وكان لها حتى الآن تأثير كبير على الرأي العام الدولي وحققت موقعا متقدما للرواية السورية عن الأحداث الجارية على ركام الأكاذيب والصور الزائفة التي اجترتها امبراطوريات إعلامية كبرى في العالم والمنطقة منذ اكثر من عامين ونصف.
أولا ظهر الرئيس الأسد في الحوار من خلال ما أعلنه من مواقف وتصورات وما عرضه من وقائع بوصفه الزعيم العربي الذي يقود الصراع ضد الغزوة الاستعمارية الغربية الصهيونية للمنطقة منذ قمة شرم الشيخ مرورا باحتلال العراق وموقفه الشجاع والفريد خلال زيارة كولن باول بعد أسابيع من احتلال بغداد وقد برهن بالحقائق على ان العدوان الراهن على سوريا ما هو إلا امتداد لسلسلة محاولات قامت بها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة والحكومات الإقليمية التابعة لإخضاع سوريا وللنيل من خيارها المقاوم ومن دورها الاستراتيجي في دعم حركات المقاومة وفي تشكيل التوازنات الجديدة في المنطقة بمنظور تحرري غير خاضع للهيمنة وبالنسبة للرئيس بشار الأسد وبكل واقعية كان خيار التصدي للضغوط والمؤامرات ورفض الإغراءات مكلفا بكل تأكيد لكنه الأقل سوءا من خيار الرضوخ وهو الأفضل لخدمة مصالح سوريا الوطنية ولحماية استقلالها.
يمكن عبر ما كشفه الرئيس الأسد من معلومات عن الأحداث المتلاحقة منذ غزو العراق وما تلقاه من عروض وما صده من تهديدات تكوين رواية واقعية للثبات السوري دفاعا عن خيار المقاومة والاستقلال وعن هوية الشرق العربي في مجابهة الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي ولم يقدم الرئيس في هذا المجال رواية إيديولوجية إنشائية بل قدم رواية عن تفاصيل العروض والتهديدات وعن اللقاءات التي عقدها مع مسؤولين دوليين وإقليميين وزوار وموفدين سماهم وأورد تواريخ اجتماعاته بهم وما حملوه وطرحوه عليه لاستدراج التنازلات او لنقل رسائل التهديد التي تشاركت فيها وتناوبت عليها حكومات الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر وتركيا والمحور الحاسم في كل ذلك كان دائما تمسك الأسد بمبادئ استقلال وسيادة سوريا وكرامة شعبها التي تمثل اليوم مصدر ما يدعوه الخصوم «عناد الأسد».
ثانيا الارتباط الوثيق بالواقع والتواضع في عرض المنجزات الاستراتيجية للصمود السوري شكلا ميزة مهمة في حديث الرئيس الأسد عن الصراع الذي تخوضه سوريا فمن غير مبالغة تناول الرئيس تبلور المعادلات الدولية والإقليمية الجديدة التي ما تزال في طور التشكل انطلاقا من صد قرار العدوان الأميركي ولكنها تؤسس اتجاها جديدا في التوازنات العالمية والإقليمية مشددا على متانة التحالفات والشراكات السورية الاستراتيجية مع إيران والمقاومة وروسيا والصين.
وفي هذا السياق كان عرض الرئيس للتحولات الحاصلة في الميدان السوري بمؤشرات عملية وليس بلغة وصفية فهو تناول تراجع الحاضن الشعبي للتمرد والإرهاب وظاهرة عودة الفارين إلى الجيش العربي السوري والتفكك المتفاقم في تركيبة العصابات الإرهابية ورجحان كفة التشكيلات القاعدية الإرهابية في مكوناتها المختلفة وحين تحدث عن اتجاه المعارك التي يخوضها الجيش العربي السوري وعن فكرة الانتصار التي عالجها علميا كمعيار نسبي ثم قال ببساطة إن هناك تقدما كبيرا يحصل من غير أن يضرب مواعيد او يبالغ في تقدير الحصيلة منوها بأن المعركة ضد الإرهاب تستغرق وقتا ضروريا وهوغير قليل خصوصا مع استمرار الدعم الخارجي.
تحدث الأسد بكل صراحة عن أدوار حكومات تركيا وقطر والسعودية وحركة حماس والتنظيم العالمي للأخوان المسلمين وقدم تشخيصه العملي لحسابات كل منها في تورطها بالعدوان على سوريا وكيف تطورت مواقفها أو تقلبت قبل الأحداث وبعدها ومن غير أي مسايرة وما اعتبره البعض صادما في الحديث هو الحقائق المرة والنافرة التي كان جديرا بقائد عربي مقاوم ان يوردها لشعبه كما هي في حديثه عن جميع هذه الأطراف وادوراها المرتبطة بالمخطط الاستعماري سواء اوهام قطر المتضخمة لنيل التوكيل الأميركي على المنطقة أم رهانات أردوغان الأخوانية ام تبعية السعودية للولايات المتحدة او انتهازية قادة الأخوان وارتهانهم وسلوكيات قيادة حماس الملتوية التي فضلت الجماعة على المقاومة.
ثالثا القاعدة المركزية التي يبني عليها الرئيس بشار الأسد خيارات الدولة الوطنية السورية هي إرادة الشعب العربي السوري في جميع السياسات الخارجية والداخلية بدءا من قرار ترشيحه للانتخابات الرئاسية وصولا لمستقبل العلاقات بجميع الحكومات والجهات التي تورطت في العدوان على سوريا أو احتمال العودة للجامعة العربية فهو قال في موضوع الترشيح ان ثمة بعدين الأول شخصي حيث لا مانع من الترشح والثاني هو الإرادة الشعبية وهذا ما سيكون أوانه في موعد الانتخابات وبأي حال توجد لدى معسكر أعداء سوريا صورة واضحة عن هذا البعد بالاحصاءات والأرقام والنسب المئوية المعلنة لمؤيدي الرئيس من السوريين.
يمثل الاحتكام للشعب عنصر قوة في مواقف الرئيس الأسد من مفردات الوضع السوري ومستقبل الحوار الوطني الذي يريده وبحزم حوارا سوريا يقود إلى حل سياسي سوري من غير تدخلات خارجية ومن الملاحظ ان الأسد ومنذ فترة بعيدة ربط مستقبل اي صيغة للتفاهم السياسي الناتج عن الحوار بضرورة نيلها مصادقة استفتاء شعبي عام.
الخيارات الوطنية والمقاومة التي تمثلها زعامة الرئيس بشار الأسد تنال مساندة غالبية ساحقة في المجتمع السوري على نقيض الواجهات العميلة والمرتزقة التي تولفها اجهزة المخابرات الغربية والخليجية والتركية منذ اكثر من سنتين وتبدل في أسمائها وزعمائها وهي تشكيلات تخشى الاحتكام لصناديق الاقتراع وترتعد فرائصها من هول ما تعرفه مسبقا مع أسيادها ومشغليها حول توازن القوى الفعلي في أي انتخابات سورية حقيقية وشرط عدم الترشح تم تصنيعه في الولايات المتحدة بناء على معرفة دقيقة بهذه الحقيقة.
الحملة العدائية الفظة التي قادها جون كيري وزمرة المجتمعين في لندن ردا على حديث الرئيس الأسد تؤكد مأزق قوى العدوان المصممة على مواصلة الاستنزاف عبر دعم الإرهاب لاختبار الأوهام البندرية بينما هي عاجزة عن التحدي الانتخابي بزمر المرتزقة والجواسيس وحيث لا تمثل فصائل إرهابيي القاعدة جهة قابلة للصرف السياسي وهذا هو سر الهروب من الحوار بعد تساقط الرهانات الخائبة على تعديل التوازنات وتلاشي أوهام العدوان الأميركي المباشر الذي كان آخر الحجارة الملقاة في مستنقع الفشل المتعفن .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018