ارشيف من :أخبار عالمية

تونس إلى مربع الاحتقان الأول

تونس إلى مربع الاحتقان الأول

عاشت تونس ليل الأربعاء يوما داميا بكل ما للكلمة من معنى. حيث قتل سبعة عناصر من الحرس الوطني على أيدي الجماعات التكفيرية الحاملة لفكر تنظيم القاعدة في مدينة سيدي علي بن عون التابعة لولاية سيدي بوزيد. ولم يكد التونسيون يفيقون من الصدمة حتى سرى خبر مفاده وفاة عنصر من الحرس الوطني وإصابة آخر بعد أن أطلق عليهم مسلحون النار بمدينة منزل بورقيبة التابعة لولاية بنزرت شمال البلاد.

وتزامنت هذه العمليات الإرهابية، مع انتظار التونسيين لخطاب رئيس الحكومة علي العريض، الذي كان من المفروض أن يعلن خلاله عن استقالة حكومته خلال ثلاثة أسابيع إيذانا بانطلاق الحوار الوطني، الذي سيفضي وفقا لخارطة طريق المنظمات الوطنية الراعية للحوار إلى تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى قيادة البلاد إلى الإنتخابات على أساس الدستور والقانون الإنتخابي اللذين هما بصدد الإنجاز من قبل المجلس الوطني التأسيسي.

تأخير واتهامات


وقد كان من المفروض أن يلقي العريض خطابه صباح أمس وانتظر الإعلاميون والمتظاهرون من المعارضة بشارع الحبيب بورقيبة وبساحة قصر الحكومة بالقصبة بفارغ الصبر أن يحصل ذلك. لكن العريض لم يلتزم بما تعهد به ولم يتوجه بالكلمة المنتظرة في الموعد المحدد، وسرى خبر مفاده أن رئيس الحكومة ألغى ندوته الصحفية ما جعل اشتباكات تحصل في ساحة القصبة (قرب مقر رئاسة الحكومة) بين متظاهري المعارضة وقوات الأمن.

تونس إلى مربع الاحتقان الأول

وخرج مسؤولون من حركة النهضة إلى وسائل الإعلام ليؤكدوا أن المظاهرات التي نظمتها المعارضة بمناسبة الذكرى الثانية لانتخابات 23 أكتوبر 2011 التي أوصلت النهضة إلى الحكم، هي بمثابة رصاصة الرحمة التي تم إطلاقها على الحوار الوطني، وهو ما زاد من حدة الإحتقان. وفي الأثناء، ووسط هذا الجدل حصلت الإغتيالات التي طالت عناصر الحرس الوطني في سيدي بوزيد ما جعل بعض المعارضين يتهمون حركة النهضة بإثارة هذه الأعمال الإرهابية للتنصل من التزاماتها المتعلقة أساسا باستقالة الحكومة.

غموض

وبعد أن اعتقد الجميع أن ندوة رئيس الحكومة لن تُعقد، خرج العريض إلى قاعة الندوات بقصر الحكومة وألقى كلمته التي اعتبر فيها أن محاربة الإرهاب باتت أولوية الآن بالنسبة إليه. وانتقد المظاهرات التي نظمتها المعارضة في ذلك اليوم. كما دعا المجلس التأسيسي إلى الإسراع في كتابة الدستور لإنهاء المرحلة الإنتقالية. وهي مرحلة كان من المفروض أن تدوم سنة لا غير، ويتهم الفريق الحاكم بتمطيطها من دون تحديد مواعيد سياسية مضبوطة ومن ذلك موعد الإنتخابات القادمة.

أما فيما يتعلق باستقالة الحكومة فإن العريض تحدث عنها بعبارة غامضة ولم يردد العبارة التي كان الجميع ينتظرها صراحة وهي التعهد باستقالة الحكومة خلال أسابيع ثلاثة من تاريخ الأربعاء 23 أكتوبر 2013 أي الموعد المتفق عليه لبداية تطبيق خارطة طريق اتحاد الشغل والمنظمات الراعية للحوار والهادفة للخروج من الأزمة. وأكد رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي لاحقا ما توجست منه المعارضة خيفة، حيث أعلن في خطاب ألقاه ليلا أن العريض لن يستقيل خلال ثلاثة أسابيع.

المربع الأول

وينتظر أغلب الخبراء والمحللين أن تعود تونس إلى مربع الإحتقان الأول وأن تتواصل الأزمة السياسية وتزداد سوءاً وقد تتطور إلى حرب أهلية ما لم تلتزم حركة النهضة بما ورد في خارطة طريق المنظمات الوطنية الراعية للحوار. إذ وضعت المعارضة شرطا لاستئناف الحوار الوطني مفاده إعلان العريض صراحة وليس بعبارات غامضة عن استقالة حكومته، وإلا فإن التصعيد واللجوء مجددا إلى الشارع لإسقاط الحكومة سيكون هو الحل.

ويبدو أن هناك أزمة ثقة بين الفرقاء السياسيين في تونس، فحركة النهضة تخشى من المحاسبة إذا غادرت السلطة وخاصة أنها تورطت في انتهاكات لحقوق الإنسان وفساد مالي. والمعارضة تخشى من جنوح الفريق الحاكم الحالي إلى تزوير الإنتخابات القادمة وخاصة أن العديد من المؤشرات تؤكد ذلك، ومنها التعيينات الإدارية على أساس الولاء للحركة وليس الكفاءة، والهيئة المستقلة للانتخابات التي يبدو أن من تم اختيارهم من أعضائها غير مستقلين بخلاف الهيئة التي أشرفت على الإنتخابات السابقة. كما إن مشاريع القوانين المتعلقة بالإنتخابات والتي سيصادق عليها المجلس الذي تسيطر عليه حركة النهضة تفتح الباب على مصراعيه للتزوير، ومن ذلك أن الطعون في نتائج الإنتخابات يجب أن يبت فيها القضاء خلال 48 ساعة من تاريخ الإعلان عن النتائج، وإذا لم يتم ذلك فإنها تعتبر نهائية ويتم اعتمادها. ويدرك القاصي والداني استحالة النظر في هذه الطعون في هذا الظرف القياسي.
2013-10-24