ارشيف من :أخبار لبنانية

«دول» تتحكم بطرابلس.. و«الدولة» تنأى بنفسها!

«دول» تتحكم بطرابلس.. و«الدولة» تنأى بنفسها!
دنيز عطالله حداد-"السفير"

تقول جولات العنف والاقتتال في طرابلس الكثير. تفضح كذب اجماعاتنا الوطنية وهشاشة تكاذبنا. تحكي معارك طرابلس كلاما خطيرا، يبدأ من مفهوم الوطن والمواطنة ولا ينتهي بصراع الدول. وبين هذه وتلك، فراغات سياسية يمكن ملؤها بأوهام كبيرة تأسس عليها «لبنان الكبير»، وصولا الى التسويات الكبرى التي يضج بها العالم اليوم.

اسئلة الاقتتال العبثي في طرابلس لا تقلق كل اللبنانيين، ولا تغيّر يومياتهم واهتماماتهم وانقساماتهم. هذا وحده يفترض ان يكون مصدر قلق جوهري، لمن يدعون الحرص على فكرة الوطن والدولة. ففيما جرح «العاصمة الثانية» مفتوح، وأهلها يعيشون اجواء الحرب ومآسيها، يتابع البلد عيشه على ايقاع اهتماماته الصغيرة.

تنجر طرابلس الى اقتتال طائفي. يُقتل ابناؤها. ُتدك منازل اهلها. يزداد فقراؤها فقرا. يشحب لون بحرها، وتواصل سائر المدن اللبنانية الانهماك في انشغالاتها التي لا تندرج معاناة الفيحاء على جدولها. كأن الحرب في مكان آخر، في بلد آخر، نتعاطف معه تعاطفنا مع قضايا الفقر والأمية والحروب العبثية... هناك.

هذا «النأي اللبناني بالنفس» عن حروب طرابلس يندرج في صلب السياسة إن لم يكن في أصلها. فيصح السؤال «البيزنطي: هل نأت الدولة بنفسها عن طرابلس فتحولت ساحة تعيش اليوم ما نشهده؟ ام ان ما تعيشه المدينة من صراعات الدول على ارضها اكبر من قدرات الدولة على الحسم، فاختارت الاخيرة ان تنأى بنفسها؟

لعل من اخطر ما تواجهه المدينة التسليم بأنها صندوق بريد يرسل عبره كل فريق داخلي أو خارجي تهديداته ـ رسائله، فيتكفل السياسيون اللبنانيون، في مقلبي انقساماتهم، بضمان الترجمة لمن لا يفهم لغة الرسائل.

يأسف قيادي في «8 آذار» أن «يتم إدخال طرابلس في لعبة توازن الرعب في المنطقة. وما يتم ترويجه من ان جبل محسن رهينة في مقابل معركة القلمون دليل أن فريقا لبنانيا يربط مصير البلد بمصير المعارك في سوريا وفقا لأجندة خارجية». يسمي القيادي نفسه الامور بأسمائها فيقول إن «السعودية لا تريد ان تقرأ التطورات في المنطقة والعالم. فهي تصر على الا تفهم دلالات التغيير في قطر وفي ايران نفسها، كما لم تفهم اشارات تأجيل الانتخابات في العراق والتقارب الايراني ـ الاميركي والتسوية التي حصلت في ملف السلاح الكيميائي في سوريا. تصر على المكابرة وتجر فصيل لبناني معها الى مواقفها المتعنتة. وتتحول طرابلس في هذا المعنى الى رهينة وعنصر «ربط نزاع» مفترضين ان الوقت لمصلحتهم وأنهم قادرون على الضغط في هذا المجال».

في المقابل ينزع فريق «14 آذار» القفازات من يديه وهو يتحدث عن اوضاع طرابلس واحداثها الدامية. يحمّل المسؤولية بالكامل الى «الفريق الايران - السوري وأزلامه في لبنان ممثلين بحزب الله والحزب العربي الديموقراطي». يستعملون التعابير نفسها. فطرابلس في قاموسهم ايضا «رهينة» واهلها «مستباحون للقتلة وواضعي المتفجرات للمؤمنين والمصلّين. يتعاطى النظام السوري وخلفه مشغِّله الايراني مع طرابلس باعتبارها خط الدفاع الاول عن النظام والهاء ابنائها بيومياتهم الدموية. بالتالي ما تشهده هذه المدينة منذ سنوات هو مخطط مدروس وقد رصدت له الاسلحة والاموال والماكينة الاعلامية التي تصور المدينة وكرا للتطرف والارهاب، فيما الحقيقة انها تخضع لكل ذلك على يد عصابات مدرّبة ومجهّزة».

اللافت للانتباه أن كلا من «8 و14 آذار» يحمّلان المسؤولية لـ«الدولة اللبنانية المتهاونة في حفظ امن طرابلس والطرابلسيين». اما ترجمات تحمّل المسؤولية العملية على الارض فتختلف بحسب قائلها. فبالنسبة الى «14 آذار» فإن «الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية متهاونة في فرض سيطرتها على جبل محسن حيث يتم تصدير قتلة المصلّين الأبرياء واصطياد الآمنين بالقنص».

لا يسلم الجيش اللبناني من الانتقاد لأنه «لا يضرب بيد من حديد. ولا عذر له بالقول إنه يحتاج الى غطاء سياسي. فكل المسؤولين في الدولة بدءا من رئيس الجمهورية الى رئيسي الحكومة بالتصريف والتكليف وصولا الى نواب المدينة وفاعلياتها منحوه التغطية، لا بل طالبوه بالحسم والتدخل». بدورها تطالب «8 آذار» الجيش ان يضرب «بيد من حديد». لكن في ادبياتها ان يستهدف «المليشيات ورؤساء المحاور في باب التبانة وبعض طرابلس، الذين يتصرفون وكأن لهم دويلتهم المستقلة. هؤلاء معروفون وعناوينهم معروفهم وصورهم تحتل وسائل الاعلام، فلم تركهم على غاربهم؟».

ووسط تبادل الاتهامات وتراكم الاسئلة تبدو طرابلس وحيدة وبعيدة، متروكة الى قدر مقلق قد يفتح ابواب الجحيم عليها وعلى البلد.
2013-10-26