ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تفعلها الرياض؟
غسان جواد-"الجمهورية"
لم يصدر عن الرياض حتى الآن ما ينفي الكلام المنسوب الى مسؤول سعودي رفيع حول «إعادة النظر» في العلاقات السعودية ـ الاميركية وملفات التعاون السياسي والاقتصادي. يبدو انّ ما قيل عن «انتفاضة» سعودية في وجه واشنطن ليس متخيّلاً. طفح الكيل بالسعوديين وهم يشاهدون النتائج المدمّرة لسياسات واشنطن.
أبرز احتجاج علني للمملكة اعتراضاً على السياسات الاميركية الجديدة، تمثّل بالاعتذار عن قبول العضوية غير الدائمة في مجلس الامن. وفي بيان الاعتذار انتقاد لافت لدور هذا المجلس، وضمناً لسياسات واشنطن حيال القضية الفلسطينية والازمة السورية.
من الواضح انّ تياراً عريضاً داخل السعودية بدأ يعبّر بصوت مرتفع عن الخيبة من "البراغماتية" الاميركية المفرطة في تعاملها مع قضايا المنطقة. لم يعد الامر مقتصراً على الرسائل الديبلوماسية والسياسية. ارتفعت نبرة السعوديين وطفح بهم الكيل وهم يشاهدون النتائج "المدمرة" لسياسات واشنطن عليهم وعلى ما يسمى محور "الاعتدال العربي".
آخر الصفعات القوية على هذا المستوى كان الاتفاق مع الروس في شأن الكيمياوي السوري، وعدم توجيه ضربة عسكرية لدمشق، والاندفاع نحو تقارب علني مع طهران، فيما الاخيرة تُبدي تمهّلاً وتضع شروطاً وتستمهل.
فجأة، وجدت الرياض نفسها وحيدة في الاقليم. واشنطن تتراجع في الملف السوري وتتقدم نحو تفاهمات جديدة مع طهران. تركيا تتعثّر، قطر تعود الى تأدية دورها المعهود كسوق حرة سياسية وخاصرة رخوة الى جانب المملكة، وإسرائيل أُسقِط من يدها جرّاء الواقعية الاميركية حيال العلاقة مع إيران.
كان الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال يقول إن الاميركيين متخصصون بأذيّة حلفائهم وتخلّيهم عنهم. وينقل عن الرئيس الراحل كميل شمعون كلاماً شبيهاً في وصف السياسات الاميركية تجاه الحلفاء.
حكام الرياض لديهم خبرة طويلة في العلاقة مع الاميركيين، وهم يعرفون ان تسجيل الموقف لا يؤدي الى تغيير جذري في ما قامت وستقوم به الولايات المتحدة، فيما يؤكد خبراء في العلاقات الاميركية ـ السعودية أن جوهر المشكلة بين الطرفين يكمن في شعور الاخيرة أن واشنطن تخطو خطوات جدية لبدء الاستغناء عن النفط والطاقة من الشرق الاوسط. والخشية هنا من ترك الخليج لمصيره أمام تعاظم النفوذ الايراني واقتراب الاعتراف الاميركي بهذا النفوذ.
ثمّة تحولات سياسية واقتصادية في الولايات المتحدة، تنذر بالانكفاء والاعتماد على بدائل تعوضها الطاقة المستوردة من الشرق الاوسط. عندها، قد تجد المملكة نفسها وحيدة امام مشهد اقليمي مركّب لا تمثل فيه وزناً جدياً. الامر الآن ليس بالسوء الذي تعكسه البيانات والسياسات السعودية. العلاقات بين الدولتين لا تزال جيدة، لكنها تبدو ذاهبة في اتجاه شكل جديد. الرياض تتصرف كالمرأة التي تشعر انّ زوجها سيتزوج غيرها، وتمارس ردة الفعل المتوقعة في مواقف كهذه.
ثمّة رأي قريب من ايران وسوريا و"حزب الله" ينظر الى المسألة من منظار مختلف. البعض يهمس ويتحدث عن "تشجيع" السعودية على انتفاضتها في وجه اميركا.
هذا الرأي يتلخّص من ناحية سياسية وعقائدية بالآتي: "خلافاتنا مع السعودية سببها الاساس تبعيتها العمياء للسياسات الاميركية، وعلينا تشجيع المملكة على خطوات تاريخية تجعلها قادرة على الشروع في فكّ ارتباطها العضوي بأميركا، وهذا الامر اذا نجح من شأنه ان يترك آثاراً بالغة الاهمية على مصالح دول المنطقة وشعوبها".
فالعالم يتغيّر، ومن واجب السعودية إعادة النظر في تحالفها مع واشنطن والالتفات الى قوى اقليمية ودولية صاعدة ومؤثرة، واشنطن تنكفىء وفي طريقها الى مزيد من العزلة والانكفاء، ولا بدّ من تفاهمات وسياسات اقليمية جاهزة لتعبئة الفراغ الاميركي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.
خيار "القطع" مع اميركا خطوة سعودية جبّارة، من شأنها ازالة التوترات المذهبية والنزاعات الاهلية في الاقليم. وبدل الاندفاع نحو تأجيج النزاعات والتهديد بحروب اهلية من لبنان الى سوريا والعراق، لا بد للرياض من قواعد لعبة جديدة، تبدأ بالاستغناء تدريجياً عن حماية واشنطن، وتنتهي بالانضمام الى تحالف عربي إسلامي بات قادراً على ادارة المنطقة واستعادة الحقوق، وفي رأس اللائحة... القضية الفلسطينية.
لم يصدر عن الرياض حتى الآن ما ينفي الكلام المنسوب الى مسؤول سعودي رفيع حول «إعادة النظر» في العلاقات السعودية ـ الاميركية وملفات التعاون السياسي والاقتصادي. يبدو انّ ما قيل عن «انتفاضة» سعودية في وجه واشنطن ليس متخيّلاً. طفح الكيل بالسعوديين وهم يشاهدون النتائج المدمّرة لسياسات واشنطن.
أبرز احتجاج علني للمملكة اعتراضاً على السياسات الاميركية الجديدة، تمثّل بالاعتذار عن قبول العضوية غير الدائمة في مجلس الامن. وفي بيان الاعتذار انتقاد لافت لدور هذا المجلس، وضمناً لسياسات واشنطن حيال القضية الفلسطينية والازمة السورية.
من الواضح انّ تياراً عريضاً داخل السعودية بدأ يعبّر بصوت مرتفع عن الخيبة من "البراغماتية" الاميركية المفرطة في تعاملها مع قضايا المنطقة. لم يعد الامر مقتصراً على الرسائل الديبلوماسية والسياسية. ارتفعت نبرة السعوديين وطفح بهم الكيل وهم يشاهدون النتائج "المدمرة" لسياسات واشنطن عليهم وعلى ما يسمى محور "الاعتدال العربي".
آخر الصفعات القوية على هذا المستوى كان الاتفاق مع الروس في شأن الكيمياوي السوري، وعدم توجيه ضربة عسكرية لدمشق، والاندفاع نحو تقارب علني مع طهران، فيما الاخيرة تُبدي تمهّلاً وتضع شروطاً وتستمهل.
فجأة، وجدت الرياض نفسها وحيدة في الاقليم. واشنطن تتراجع في الملف السوري وتتقدم نحو تفاهمات جديدة مع طهران. تركيا تتعثّر، قطر تعود الى تأدية دورها المعهود كسوق حرة سياسية وخاصرة رخوة الى جانب المملكة، وإسرائيل أُسقِط من يدها جرّاء الواقعية الاميركية حيال العلاقة مع إيران.
كان الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال يقول إن الاميركيين متخصصون بأذيّة حلفائهم وتخلّيهم عنهم. وينقل عن الرئيس الراحل كميل شمعون كلاماً شبيهاً في وصف السياسات الاميركية تجاه الحلفاء.
حكام الرياض لديهم خبرة طويلة في العلاقة مع الاميركيين، وهم يعرفون ان تسجيل الموقف لا يؤدي الى تغيير جذري في ما قامت وستقوم به الولايات المتحدة، فيما يؤكد خبراء في العلاقات الاميركية ـ السعودية أن جوهر المشكلة بين الطرفين يكمن في شعور الاخيرة أن واشنطن تخطو خطوات جدية لبدء الاستغناء عن النفط والطاقة من الشرق الاوسط. والخشية هنا من ترك الخليج لمصيره أمام تعاظم النفوذ الايراني واقتراب الاعتراف الاميركي بهذا النفوذ.
ثمّة تحولات سياسية واقتصادية في الولايات المتحدة، تنذر بالانكفاء والاعتماد على بدائل تعوضها الطاقة المستوردة من الشرق الاوسط. عندها، قد تجد المملكة نفسها وحيدة امام مشهد اقليمي مركّب لا تمثل فيه وزناً جدياً. الامر الآن ليس بالسوء الذي تعكسه البيانات والسياسات السعودية. العلاقات بين الدولتين لا تزال جيدة، لكنها تبدو ذاهبة في اتجاه شكل جديد. الرياض تتصرف كالمرأة التي تشعر انّ زوجها سيتزوج غيرها، وتمارس ردة الفعل المتوقعة في مواقف كهذه.
ثمّة رأي قريب من ايران وسوريا و"حزب الله" ينظر الى المسألة من منظار مختلف. البعض يهمس ويتحدث عن "تشجيع" السعودية على انتفاضتها في وجه اميركا.
هذا الرأي يتلخّص من ناحية سياسية وعقائدية بالآتي: "خلافاتنا مع السعودية سببها الاساس تبعيتها العمياء للسياسات الاميركية، وعلينا تشجيع المملكة على خطوات تاريخية تجعلها قادرة على الشروع في فكّ ارتباطها العضوي بأميركا، وهذا الامر اذا نجح من شأنه ان يترك آثاراً بالغة الاهمية على مصالح دول المنطقة وشعوبها".
فالعالم يتغيّر، ومن واجب السعودية إعادة النظر في تحالفها مع واشنطن والالتفات الى قوى اقليمية ودولية صاعدة ومؤثرة، واشنطن تنكفىء وفي طريقها الى مزيد من العزلة والانكفاء، ولا بدّ من تفاهمات وسياسات اقليمية جاهزة لتعبئة الفراغ الاميركي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.
خيار "القطع" مع اميركا خطوة سعودية جبّارة، من شأنها ازالة التوترات المذهبية والنزاعات الاهلية في الاقليم. وبدل الاندفاع نحو تأجيج النزاعات والتهديد بحروب اهلية من لبنان الى سوريا والعراق، لا بد للرياض من قواعد لعبة جديدة، تبدأ بالاستغناء تدريجياً عن حماية واشنطن، وتنتهي بالانضمام الى تحالف عربي إسلامي بات قادراً على ادارة المنطقة واستعادة الحقوق، وفي رأس اللائحة... القضية الفلسطينية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018