ارشيف من :أخبار لبنانية

الإدارة الأمريكية والتسوية مع العالم الإسلامي

 الإدارة الأمريكية والتسوية مع العالم الإسلامي

"الخليج" - عدنان السيد
 
يقول مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في معرض حديثه عن السلام في الشرق الأوسط، مع بداية عهد باراك أوباما: “لا يجوز الاستهانة بتركة الأعوام ال 16 الماضية. ففي هذه الأعوام، تغير نهج سياسة الولايات المتحدة تجاه النزاع الفلسطيني  “الإسرائيلي”، وعدلت واشنطن عن دور الوسيط المحايد الذي يحاول التوفيق بين طرفين للوصول إلى السلام. وانحازت إلى “إسرائيل”، وقوض هذا الانحياز عملية السلام”.


ويدعو بريجنسكي الإدارة الأمريكية الحالية إلى اتخاذ خيارات مؤلمة في الشرق الأوسط حفاظاً على سياسة الأمن القومي الأمريكية.


يفتح هذا التصور آفاقاً سياسية رحبة أمام إدارة باراك أوباما من خلال دفع العملية السلمية في الشرق الأوسط، التي تعثرت طويلاً. ويبقى السؤال حول مدى قدرة الإدارة الحالية  إذا أرادت  على الضغط باتجاه إيجاد تسوية عادلة، وقابلة للحياة.


أوباما يمهد الطريق من على منبر جامعة القاهرة لحوار عميق مع العالم الإسلامي. فيتحدث مدافعاً عن حقوق المسلمين في العيش الكريم، وعن سماحة الإسلام. ويرفض بالمطلق الموقف العدائي من الإسلام، سواء كان موقفاً غربياً عاماً أو موقفاً أمريكياً خاصاً. وها هو يستخدم رصيده الشخصي الكاريزمي لبناء الثقة مع العالم الإسلامي، من جذوره الإسلامية إلى أصله الإفريقي الأسود إلى رغبة إدارته في الانفتاح على العالم لمعالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة، التي ستترك بلا شك آثاراً سياسية على مستوى النظام الدولي، كما ألمح بحق الرئيس الروسي ميدفيديف.


ويبدو أن الرئيس الأمريكي يدرك مدى مركزية قضية فلسطين في العلاقة المهتزة بين العالم الإسلامي والغرب. وكثيراً ما توصلت مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية إلى هذه الخلاصة في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع حرب إدارة جورج بوش على الإرهاب التي أخفقت بجميع المعايير.


هل سيقوى أوباما على مواجهة نفوذ المتشددين في إدارته ومن هم حولها؟


يقال إن قسماً من اليهود الأمريكيين صار مع حل الدولتين، الفلسطينية و”الإسرائيلية”، ويعرف مقدار التبدلات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد حربي لبنان وغزة اللتين شنتهما “إسرائيل” بدعم أمريكي، هذا فضلاً عن الإدراك العميق لمخاطر الأزمة العالمية، وضرورة قيام توافق دولي لمعالجتها. توافق قوى دولية عدة، أي نظام متعدد الأقطاب على غرار النظام الأوروبي الناشئ بعد حروب نابليون مع انعقاد مؤتمر فيينا الشهير سنة ،1815 كما يتوقع وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر. بيد أن ذلك لا يفتح الطريق إلى التسوية العادلة في الشرق الأوسط إذا لم تتوفر عوامل إضافية.


من هذه العوامل على سبيل المثال لا الحصر: وجود إرادة دولية لصنع مثل هذه التسوية، إرادة أوروبية وروسية وآسيوية، وإرادة عربية تخرج عن الفشل السياسي الذي تتخبط فيه منذ الحديث عن خيار السلام الاستراتيجي بالتزامن مع تصدع الموقف العربي الرسمي، وتبعثره تحت وطأة حروب الخليج وغيرهما. بتعبير آخر، لا بد من إرادة أممية تحاول روسيا بعثها الآن مع التحضير لعقد مؤتمر دولي خاص بأزمة الشرق الأوسط.


الطريق إلى ذلك ليس سهلاً، ولا هو مأمون الجانب. ثمة أزمة عالمية ضاغطة على الجميع، وقد تترك نتائج اقتصادية وسياسية خطيرة على الدول العربية إذا لم تحزم أمرها ولو لمرة واحدة. لا بد من سياسة مساومة بين حق الفلسطينيين والعرب التاريخي والمشروع، وبين مساهمة هذه الدول في تسوية الأزمة العالمية او احتوائها على الأقل. ولا بد من التوصل إلى تفاهم يعيد الثقة بين دول عربية وإيران وتركيا من خلال المصالح المشتركة الجامعة، بدلاً من التناحر السياسي والطائفي.


في مطلق الأحوال، ثمة فرصة مهمة أمام العرب  وخاصة الفلسطينيين  لتوحيد مواقفهم، والاقلاع عن التناحر الداخلي في السلطة وعليها. الفرصة ناتجة عن طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، وما طرحته من شعارات الحوار والتغيير والدبلوماسية، إضافة إلى نتائج الأزمة العالمية التي أخذت تدق أبواب العرب، كما سائر مناطق العالم، وتنتظر فرص الحل أو الاحتواء التدريجي. ولا يبدو عمر هذه الأزمة قصيراً، بينما يصعب التكهن بنتائجها الاقتصادية والسياسية؟


قد يكون مفيداً أن تلتئم منظمة المؤتمر الإسلامي لصوغ سياسة موحدة مع الإدارة الأمريكية، انطلاقاً من مركزية قضية فلسطين نظراً لما تختزن من معطيات أمنية وسياسية، وربما حضارية كذلك. هذا ما يساعد على تحقيق هدفين: الاقتراب من إنجاز التسوية العادلة نسبياً، وحماية أمن العالم الإسلامي على المستويات كافة.
 


2009-06-10