ارشيف من :أخبار لبنانية

تنبيه أميركي نفطي للسعودية

تنبيه أميركي نفطي للسعودية
باسم العوادي - صحيفة الصباح العراقية

كان ملفتا للنظر حقا عندما نشرت مجلة السياسة الخارجية (فورن بوليسي) مقالا مطولا تحت عنوان (هل تتحول الولايات المتحدة الى اكبر منتج للنفط من السعودية؟) وكان باستطاعة المجلة ان تكتفي بالاشارة الى ان اميركا ستكون اكبر منتج للنفط في العالم خلال السنوات القليلة المقبلة من دون الاشارة للسعودية في المقال، ولكن ذكرها جاء كرسالة واضحة ومباشرة لها وهي تحاول ان تظهر انزعاجها من سياسة اوباما الخارجية فيما يتعلق بسوريا وإيران بأن اميركا لم تعد تلك الدولة المحتاجة والمتعطشة لاستيراد الطاقة كما كانت من قبل وان ما حصل في حرب 1973 من استخدام للنفط كسلاح في المعركة لم يعد فعالا فيما اذا حاول البعض ان يطرحه على الطاولة قولا او فعلا، وتجدر الاشارة الى ان المقال نشر بتاريخ 16 اكتوبر اي في ذكرى اندلاع حرب 1973 ، وقد فصل المقال ليذكر السعودية بمعلومات غاية في الاهمية منها ان اميركا ستتجاوز السعودية وقطر لتصبح المنتج الأكبر للنفط والغاز في العالم هذا العام، وهو ما يعني تحولاً كبيراً في إعادة تشكيل السوق النفطية فضلاً عن إضعاف نفوذ الدول الغنية بمصادر الطاقة التقليدية كالسعودية.

وذكرت الوكالة الأميركية للمعلومات حول الطاقة إن ارتفاع الإنتاج الأميركي ساهم في تعزيز الاكتشافات المثيرة لوجود الغاز الصخري وكذلك النفط الصخري، وهو وضع لم يكن تصوره ممكناً قبل عقد من الزمن وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية فإن الولايات المتحدة أنتجت نحو 22 مليون برميل من النفط والغاز وأنواع الوقود ذات الصلة يومياً خلال تموز الفائت فقط وقد خفضت الولايات المتحدة من وارداتها من النفط السعودي بنحو 250 برميلاً في اليوم على أساس سنوي وهناك خشية من أن تقوم بخفض الواردات إلى حد أكبر لكنها تتحسب من ان الرياض عندها ستخسر كثيرا، هذا وتتطلع الولايات المتحدة الى أن تصبح أكبر منتج للنفط في العالم بحلول العام 2017 وتبني طموحاتها في هذا الصدد على مشاريع كبيرة تنفذها حالياً في استخراج ما يعرف بالنفط الصخري، الأمر الذي سيشكل انقلاباً في عالم النفط والغاز وتوقع تقرير اقتصادي متخصص أن تشهد السوق النفطية العالمية عدداً كبيراً من التطورات مع بداية العام 2014 في ضوء الإعلان عن اكتشافات نفطية جديدة في عدد من دول العالم إضافة إلى التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وقال التقرير إن هناك تحديات تواجه الدول الخليجية النفطية من أبرزها ما يعرف بـ (ثورة النفط والغاز الصخريين) التي تشهدها الولايات المتحدة، وذكر أن هذه الثورة النفطية تحمل في طياتها تداعيات مهمة، متوقعاً طبقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً من الطاقة بحلول العام 2035 وإنه إذا صحت تلك التوقعات فسيعني ذلك تقليل اعتماد وارداتها النفطية من دول الخليج تدريجياً وأضاف أنه في المقابل ستصبح الأسواق الناشئة الوجهة الرئيسية لصادرات الدول الخليجية لا سيما أن الاقتصادات الصاعدة في آسيا تشهد زيادات مطردة في استهلاكها، وأوضح التقرير أن من العوامل التي ستؤثر في السوق النفطية في العالم هي الزيادة الكبيرة التي يشهدها الإنتاج العراقي حالياً والذي بلغ أخيراً نحو 3.4 ملايين برميل يومياً وهو المستوى الأعلى له منذ العام 1979 ويعتبر هذا أحد العوامل التي يمكن أن تهدد الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، وذكر أن العراق يخطط لزيادة إنتاجه إلى 12 مليون برميل يومياً بحلول العام 2017 وذلك وفقاً لجولات التراخيص التي تم توقيعها مع شركات النفط الأجنبية في عامي 2009 و2010 مضيفاً أن ذلك قد يخلق تخمة نفطية في السوق تهوي بالأسعار إلى مستويات تقل كثيراً عن مستوياتها الحالية البالغة 100 دولار للبرميل في المتوسط وهو ما يؤثر مباشرة على النفط السعودي، وقال إن العراق يطالب بحصة داخل منظمة أوبك تصل لنحو 4.35 ملايين برميل يومياً أي أن حصته ستعادل تقريباً حصتي كل من الكويت والإمارات داخل المنظمة موضحاً أن إعادة العراق للعمل بحصص الإنتاج داخل المنظمة سيتأتى على حساب السعودية المنتج الأكبر داخل الأوبك وهو أمر بدأ يقلق السعوديين ويثير استياءهم بدوره.

لذلك لم تتأخر ردة الفعل السعودية كثيرا بعد المقال وجاءت على شكل تصريحات ناقدة من الامير بندر بن سلطان وزير المخابرات والامير تركي الفيصل وزير المخابرات الاسبق وسفير السعودية حاليا في واشنطن تؤكد على ان السعودية ستتخذ مجموعة مواقف سياسية بصورة منفردة وانتقادات اخرى طالت سياسة اوباما فيما يتعلق بموقفه من ازمة السلاح الكيميائي السوري والتقارب مع ايران  بشأن موضوع ملفها النووي، فيما رد بعض المقربين من البيت الابيض مذكرين السعودية بأن 15 من اصل 19 الذين نفذوا هجمات الـ 11 من ايلول سعوديون وان في اميركا من لم ينس هذا الموضوع اطلاقا واذا ما كانت اميركا آنذاك مكتفة بسبب ملف النفط والغاز ولم تذهب بعيدا في مواقفها تجاه السعودية فأنها الآن تشعر بالحرية اكثر من السابق في التفكير بأمور كثيرة، فيما حاولت اطراف اخرى من الطرفين ان تهدىء الامور وتشير الى ان ما يحصل من تبادل للانتقادات هو ازمة عابرة وسوف لن تؤثر كثيرا على مستوى التعاون بين البلدين على مختلف الصعد.

هنا لا تستطيع ادارة اوباما تحديدا في الوقت الحالي ان تقدم تنازلات للسعودية وبالخصوص في الملفين السوري والايراني بعد ان ذهبت السعودية لوحدها كثيرا في الملف المصري فيما يتعلق بإقصاء مرسي ودعم السيسي كما يعتقد بعض الاميركان ولا تزال تعمل بعيدا عن الولايات المتحدة في الملف السوري مع تلميحات اميركية كثيرة خلال الفترة الماضية بأن السعودية تدعم مجموعات ارهابية خطيرة داخل سوريا وان ذلك يعتبر مهددا للامن العالمي بل الاميركي فيما اذا تمكنت هذه الجماعات من تحقيق انتصارات في سوريا على حساب النظام، وعليه فالموضوعات المختلف عليها بين الطرفين موضوعات معقدة وشائكة وتتصل كل واحدة منها على حدة بالامن القومي لكليهما فيما ان الملف النووي الايراني منفصل ولا يسمح كل من ايران واميركا لاي طرف ثالث في التدخل فيه، والاهم من كل ذلك ان هذه  الملفات تحولت الى كونها ملفات ازمة عالمية حيث القت روسيا بثقلها في الملفين الايراني والسوري والتفاهمات التي تمت بين روسيا واميركا ومن خلفها الغرب لا يمكن ان تلغى بسهولة او يتم التراجع عنها فما يتم التوافق عليه بين الكبار ينجز وعلى البقية التأقلم معه سلبا او ايجابا، وهنا تجدر الاشارة كذلك الى تلميحات كثيرة صدرت تؤكد على عدم موافقة اميركا على السياسة التي تتبعها السعودية فيما يتعلق بالازمة البحرينية ومن هنا يتضح ان اميركا والسعودية مختلفان في اهم خمسة ملفات اقليمية محرجة وهي ( الايراني والسوري والمصري والبحريني ويضاف لها الفلسطيني) والسعودية بانزعاجها تطالب الولايات المتحدة بتغيير مواقفها من كل هذه الملفات وهذا ما تعتبره الولايات المتحدة بالامر غير المنطقي اطلاقا.

خلاصة الرد الاميركي هو ان الولايات المتحدة ماضية في سياستها الخارجية لانها تمثل المصلحة الاميركية وهذه لا تتخذ بسهولة او بدون حساب فيما ان على السعودية ان تقرر كيفية الخطوات التي ستقوم بها من طرف واحد والتي اشار اليها الامير بندر بن سلطان وكيف يمكن ان تؤثر هذه المواقف على اميركا وهل السعودية قادرة فعلا على ان تتخذ خطوات تصعيدية ضد الولايات المتحدة في هذه الحزمة من الملفات الشرق اوسطية ام ان تصريحات الاميران بندر وتركي هي مجرد اشارات لاظهار الانزعاج السعودي من سياسة اوباما الخارجية ومحاولة للضغط ليس اكثر؟.

كذلك فان التقارب العراقي ـ التركي الاخير سوف يزعج السعودية ايضا لانه يصب بالاصل في اضعاف موقفها من الازمة السورية اكثر مع التأكيد على ان هذا التقارب يؤكد وجود سياسة تركية جديدة حيال الازمة السورية وكذلك معاقبة لموقف السعودية في مصر بالضد من تركيا وهذا يتزامن مع التسريبات شبة المؤكدة التي اشارت الى رسائل حملتها اطراف لبنانية من قطر لسوريا تحاول فيها قطر ان تدير دفة موقفها في الازمة السورية باتجاه مختلف لعله نكاية بالسعودية او لحصرها في زاوية حرجة وجعلها المسؤول الاول عن الازمة السورية والدافع الاول لضريبتها بعد جنيف 2 ولعل اصل الموقفين التركي والقطري ليس ببعيد عن المواقف الاميركية بالاصل.

في خضم هذا التداخل الدولي والاقليمي للملفات والازمات يتجلي دور العراق الصاعد، فتقارير النفط والغاز الاميركية ذكرت السعودية بالعراق وحصته ودوره في الطاقة عالميا وانفتاح تركيا على العراق مجددا وثبات سياسة العراق باتجاه سوريا ونجاح حوار ايران مع الغرب وانعكاسه الايجابي على العراق كلها مواقف ستحسبها السياسة السعودية بدقة، وهي دلائل لا تقبل الشك بأن طريق عودة العراق لممارسة دور اكبر في المنطقة اصبح امرا واقعا والاهم من كل ذلك هو ان العراق لا يعتمد في حمايته وبقائه على دعم الاقوياء عالميا وسواء اشترت الدول القوية النفط من العراق ام لا وسواء ذهب النفط العراقي الى اوروبا او آسيا فان ذلك لايؤثر على العراق كثيرا مادام ينتج ويبيع، لكن مثل هذه الامور ستؤثر كثيرا على السعودية وبعض دول الخليج التي تعتمد على سياسة ( النفط مقابل الحماية) في التعامل مع الاقوياء، وتذكير الولايات المتحدة للآخرين بقدرتها على انتاج الطاقة انما يصب في الاشارة الى هذا المعنى بالتحديد اي ان اكتفاء الولايات المتحدة من النفط والغاز يدفعها بان لا توفر الحماية للمنتج التقليدي القديم وعلى الآخرين ان يضعوا ذلك في حساباتهم ولاينزعجوا كثيرا مستقبلا.
2013-10-29