ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: «الجولة 17» تضع أوزارها.. وأفق الحلّ مجهول

طرابلس: «الجولة 17» تضع أوزارها.. وأفق الحلّ مجهول
غسان ريفي-"السفير"

أسدل الستار على جولة العنف الـ 17 في طرابلس، بعد ثمانية أيام دامية حصدت 13 قتيلا و85 جريحا وضاعفت من حجم الدمار والخراب على المحاور الساخنة بين التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، ومن الازمات الانسانية والاجتماعية والاقتصادية في تلك المناطق، وفي العاصمة الثانية بشكل عام.

أسدل الستار على الجولة 17، وهو بات ستارا تقليديا أيضا، يُسدل بعد كل جولة، من دون أي أفق لحلول سياسية أو أمنية أو إنمائية تضع حدا نهائيا لآلة الحديد والنار التي تعمل منذ العام 2008 بشكل «دوري»، فتنشط في كل مرة عندما تدعو الحاجة الى تبادل الرسائل المحلية والاقليمية بدماء الفقراء الذين يشكلون وحدهم وقود هذه المعارك العبثية الهادفة الى تحقيق مكاسب هنا، أو مصالح هناك، أو تسجيل نقاط بين الأطراف المتنازعة هنالك.

لم يعرف أبناء طرابلس سبب انطلاق المواجهات المسلحة، وسبب توقفها، تماما كسابقاتها من الجولات، إلا أنهم باتوا على يقين بأن مدينتهم باتت «التنفيسة» الوحيدة لكل احتقان محلي أو إقليمي، خصوصا أن الاشتباكات في مناطقها الفقيرة لا يتردد صداها في العاصمة بيروت، ولا تؤثر في حركة الوسط التجاري فيها، ولا تعطل أوجه الحياة في أي من المناطق اللبنانية الأخرى.

هو السيناريو نفسه يتكرر في طرابلس: احتقان سياسي ومذهبي يؤدي الى فلتان أمني، فجولة عنف بين المحاور التقليدية، اجتماعات، اتصالات، اعتصامات للمجتمع المدني، تهديد بالعصيان، دعوات للجيش اللبناني والقوى الأمنية للضرب بيد من حديد، رفع الغطاء عن المسلحين، محاولات للاستثمار السياسي والانتخابي بدم الفقراء، وضع خطة عسكرية، دخول الجيش الى محاور القتال، وقف إطلاق النار، إحصاء الأضرار، مطالبة الهيئة العليا للاغاثة بدفع التعويضات، والاحتجاج على عدم السرعة بدفع التعويضات وقطع الطرقات... وذلك الى أن يحين موعد الجولة المقبلة.

ويمكن القول إن طرابلس تجاوزت قطوع الجولة 17 بأقل الخسائر الممكنة، خصوصا بعدما أريد منها تحويل المدينة الى ورقة سياسية يتم التفاوض عليها بين الفرقاء الاقليميين عشية التسوية المقبلة على المنطقة ككل، وسعي بعض الأطراف الى توسيع رقعتها خارج المحاور التقليدية الى خطوط تماس مستحدثة في الأسواق وسائر المناطق الأخرى، أو تفجيرها بشكل كامل على صعيد المدينة من خلال المواجهة مع الجيش اللبناني الذي تعرض لسلسلة من الاعتداءات بالنار، وقدم شهيدا و20 جريحا.

ومما ساهم في حماية طرابلس من تداعيات هذه الجولة، هو الجهود المضنية التي بذلها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بالتنسيق مع نواب المدينة الذين أبقوا اجتماعاتهم مفتوحة في منزل النائب محمد كبارة لمتابعة كل التطورات وتذليل كل العقبات، فيما لعبت قيادة الجيش اللبناني الدور الأبرز، وهي تعاطت مع تفاصيل هذه الجولة بكثير من الحنكة والحكمة وضبط النفس، والتخطيط العسكري.

وقد نجح الجيش، أولا، في عدم الانجرار الى معركة مفتوحة مع المسلحين لا يمكن لأحد أن يتكهن بنتائجها الكارثية، وذلك على خلفية اتهامه من قبل بعض المراجع السياسية بالانحياز الى طرف دون آخر. كما نجح الجيش، ثانياً، في فرض طوق على محاور القتال، فمنع بداية تمدد المسلحين الى شوارع طرابلس، كما أوقف عددا من المسلحين الذين قاموا بالاعتداءات عليه سواء في طرابلس أم في جبل محسن.

كذلك عمل الجيش على محاصرة كل المسلحين في محاورهم وضمن مقراتهم من خلال تعامله بالنار مع كل منهم لدى ظهوره، ما أدى الى التخفيف كثيرا من حدة الاشتباكات، واستبدالها بأعمال القنص المتبادلة وبعض المناوشات، وذلك لحين استكمال انتشاره على كل المحاور صباح أمس، وإزالة كل المظاهر المسلحة مع الشوادر والدشم، تمهيدا لاعادة الحياة الى طبيعتها اعتبارا من اليوم.

ولا شك في أن ما شهدته طرابلس يتطلب كثيرا من الجهود السياسية على صعيد اتخاذ المزيد من الخطوات الاستباقية لتدارك أي جولة عنف جديدة محتملة، خصوصا أن النفوس ما تزال مشحونة جدا على خلفية ما تم كشفه من قبل الأجهزة الأمنية من معلومات حول تورط أشخاص من جبل محسن في تفجيري مسجدي «التقوى» و«السلام». وهذا الأمر قد يكون عرضة للاستخدام والاستثمار من قبل بعض المستفيدين من أجل الابقاء على سخونة المحاور، خصوصا في ظل الحديث الدائر عن استمرار محاصرة جبل محسن واستهداف أي عنصر من «الحزب العربي الديموقراطي»، وهذا ينافي كل المواقف السياسية التي صدرت عن قيادات طرابلس وأكدت «أن الجريمة لا تشمل إلا صاحبها، وأنه لا يجوز أن تؤخذ طائفة أو منطقة أو فئة بجريرة ما حصل، لأن المجرم لا دين ولا طائفة له». ويتطلب ذلك أيضا جهودا إضافية من القيادات السياسية والدينية ومن المفتي مالك الشعار لقطع دابر الفتنة.

وبالمقابل، ينسحب هذا الأمر أيضا على أبناء جبل محسن، وعلى «الحزب العربي الديموقراطي» تحديدا، بعد الوقائع «غير المريحة» التي كشفها التحقيق، في العمل على إعادة التواصل مع قيادات المدينة، ومصارحة الطرابلسيين وتبديد هواجسهم.

كما أن إسراع القضاء اللبناني في التحقيقات وفي كشف كل المتورطين وإنزال العقاب العادل بهم، يساهم في تبريد النفوس وفي تحصين طرابلس من إمكانية إستخدام هذه القضية لمآرب أمنية جديدة.

وكان الجيش اللبناني استمر ليل أمس الأول في التصدي بالنار لكل المظاهر المسلحة على محاور التبانة والحارة البرانية بعد انتشاره في جبل محسن والمنكوبين والبقار والريفا، وتعرضه لكمين مسلح في شارع سوريا عطل استكمال خطته.

وشهدت فترات الليل سلسلة اجتماعات واتصالات تبرأ فيها مسؤولو المجموعات المسلحة من التعرض للجيش وأكدوا أنهم ملتزمون بالخطة العسكرية.

وعلى هذا الأساس دخل الجيش بأرتال من الملالات العسكرية عند السادسة صباحا الى شارع سوريا والحارة البرانية، وعمل على تعزيز نقاط تواجده السابقة واستحدث مواقع جديدة له، وسارع مع كوادر المنطقة الى إزالة الشوادر التي تفصل بين الشوارع وبعض الدشم.

وشهدت مناطق التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن هدوءا تاما طيلة يوم أمس، ما سمح للأهالي بالعودة وتفقد الأضرار التي ألحقتها الجولة 17 بممتلكاتهم، فيما علت الأصوات مطالبة الهيئة العليا للاغاثة بالتعويض على المتضررين والاسراع في دفع التعويضات السابقة.
2013-10-30