ارشيف من :ترجمات ودراسات

على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع ’إسرائيل’

على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع ’إسرائيل’
إعداد: دانييل بايمان/ فصلية The Washington Quarterly ـ صيف 2013
ترجمة إيمان سويد ـ ينشر بالتعاون مع مجموعة الخدمات البحثية



إن أعضاء حماس عبارة عن "نمل..."، هذا ما أعلنه ياسر عرفات، أب الحركة الوطنية الفلسطينية وزعيمها القديم، وذلك خلال كلمة في أحد مجالسه الخاصة في عام 1990. وتابع يقول انه ينبغي لكوادرها أن ينكمشوا في جحورهم لئلا يتعرضوا للسحق من قبل قوات فتح التابعة له (لعرفات). وبدا أن لعجرفة عرفات ما يبررها. لقد حكمت فتح القن على مدى عقود، وبعد ظهور حماس في كانون أول/ ديسمبر 1987 ما أن اندلعت الانتفاضة الأولى، حتى كانت المنظمة الاسلامية في وضع حرج. وبعد بضعة هجمات متواضعة، اعتقلت "إسرائيل" وبسرعة أكثر من 1000 من أعضاء حماس، بما في ذلك أفراد قيادتها العليا. وفي عام 1989، كان هناك أقل من ثلاثة في المئة من الفلسطينيين في غزة يدعمون المنظمة، حيث أثبتت حركة حماس لاحقا أنها الأقوى. وادعى الصحافي زكي شهاب أن الجناح العسكري لحركة حماس لم يكن لديه سوى عشرين رشاشاً عندما خفت حدة الانتفاضة . وبدا أن فتح ستظل القوة المهيمنة في الحركة الوطنية الفلسطينية.

أما على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع "إسرائيل"، والأهم موقعها في مقابل فتح ـ تظهر حماس بمظهر المنتصر. وينبغي لـ"إسرائيل"، الولايات المتحدة، والمجتمع الدولي الاعتراف بالحقيقة البشعة: حماس تربح، وقد يكون الوقت قد فات جداً لعكس هذا الاتجاه.

طائر الفينيق الفلسطيني
يكشف صعود حماس عن منظمة ديناميكية استثمرت أخطاء حركة فتح ، المنافس الفلسطيني الرئيس لها ، وأخطاء "إسرائيل"، عدوها القاتل. ففي كل مرحلة من المراحل، كانت حماس تظهر وهي تعاني من ندوب وانما بمظهر المنتصر الخارج من غابة من الهزائم. أما الآن فإن حماس أقوى حتى، وتبدو على استعداد لأن تلقي بظلالها على حكومة محمود عباس الفاقدة لمصداقيتها، وهو زعيم حركة فتح الذي قاد منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 2004 والسلطة الفلسطينية منذ عام 2005.

وفي عام 1993، بدأ الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في ظل السلطة الفلسطينية، مع وجود فتح وحماس اللتين تمثلان الفصائل السياسية المختلفة. وموضعت حماس نفسها على أنها الصوت الرافض ـ معارضة وجود دولة "إسرائيل"، الاعتراف بها، والتفاوض معها. وجعلت الهجمات الإرهابية لحماس الإسرائيليين يشككون بالمفاوضات وساعدت على موت المحادثات. وبدأت حماس فترة الحكم الذاتي ولم تكن تحظى بشعبية، ولكنها لتستفيد لاحقاً من موقفها الرافض عندما انهارت محادثات السلام بالكامل في عام 2000 وبدء الانتفاضة الثانية. وعلى الرغم من أن العمليات الأمنية الإسرائيلية وتلك التي لفتح في التسعينات قد تركت حماس ضعيفة تنظيمياً، فإن رسالتها ـ بأن المفاوضات خدعة وأن العنف مفتاح التحريرـ تجد صداها الآن، في حين أثبت استخدامها  للتفجيرات الانتحارية أنه يمكن أن يجلب الحرب إلى الداخل الإسرائيلي . أما الفلسطينيون الآخرون الذين كانوا يعارضون الإرهاب ولكنهم ضاقوا ذرعاً بفساد فتح فقد كانوا يقدرون خدمات حماس الاستشفائية والتعليمية وغيرها من الخدمات الاجتماعية.

إرتفع الدعم لحماس ما أن تفجرت أعمال العنف، لكنها مع ذلك خسرت في الانتفاضة الثانية عملياً. فبسبب عمليات الاعتقال والاغتيال المدمرة لقادتها وتشكيك الفلسطينيين العاديين المتزايد بكون العنف مجدياً، قبلت حماس وقف اطلاق النار من جانب واحد في عام 2005. مع ذلك، فإن مصداقيتها السياسية، وصيت استقامتها، وقوتها التنظيمية كلها أمور مكنتها من الفوز في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006. وأسفر هذا الأمر عن حرب أهلية فلسطينية قصيرة في عام 2007،  حيث كانت كل من فتح وحماس ترى أنها الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني. وضمنت حركة فتح تأمين السيطرة على السلطة الفلسطينية، واستولت حماس على غزة (ما حد من سلطة الأمر الواقع للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية). في كل الأحوال، وعلى الرغم من اكتساب حماس قوة حقيقية، فإن غزة التي اصبحت تحكمها الآن،  ظلت في حالة فوضى ، وظلت حماس محصورة في قفص بسبب إسرائيل. ودعمت مصر في عهد الرئيس حسني مبارك احتواء حماس، في حين أن الأمل باستئناف محادثات السلام ( والتي كانت إسرائيل ستجريها فقط مع عباس) وتدفق الدعم الدولي قدم لعباس حجة أفضل بخصوص ادعائه قيادته للشعب الفلسطيني.

دخول المسرح العالمي
بعد تولي حماس السلطة في عام 2007 ، لم تشمل الجبهة المتحدة التي عزلت قطاع غزة "إسرائيل" والولايات المتحدة فقط ، وإنما أيضا أوروبا والحكومات العربية الرئيسة. إن هذا التحالف يتهاوى الآن.  فقد ذهب كبار الزوار، بمن فيهم  رئيس الوزراء المصري السابق، أمير دولة قطر، وزير الخارجية التركي، ورئيس الجامعة العربية إلى غزة في الأشهر الأخيرة ، جالبين معهم الوعود بالدعم و ـ ربما الأهم ـ الشرعية لحكومة حماس .

لم تثر حركة حماس نفسها هذا التغييرـ لقد كان الربيع العربي هو الذي حول حجر الأساس في الشرق الأوسط ووضع حماس بشكل مباشر في صميم المنطقة. وبعد بعض التردد ، تخلصت حماس في شباط/ فبراير 2012 من الرئيس السوري بشار الأسد المؤيد القديم لها، على الرغم من سنوات التعاون العديدة  وبرغم الغضب الذي تسبب به هذا الأمر في طهران، والتي تعتبر المورد العسكري لحماس وحليف الأسد الوثيق . في كل الأحوال، يتم تعويض حماس عن خسارتها لدعم سوريا ، وذلك بزيادة الدعم من الأنظمة الإسلامية المناهضة لسوريا الموجودة في السلطة وذلك في تركيا و المدعومة من قبل دول مثل قطر . إن حماس، وهي المستلهمة من الإخوان المسلمين، لديها روابط ايديولوجية قوية (وفي بعض الحالات شخصية) مع الحركات الاسلامية في أماكن أخرى ، ولا سيما تلك التي تحمل وجهة نظر الإخوان. وعلى الرغم من الآمال بأن انتشار الديمقراطية يحد من العداء العربي لـ"إسرائيل"، كما يقول الصحافي آدم شاتز، فقد كانت "حماس، وليس "إسرائيل"، هي التي "تطبعت" بالانتفاضات العربية".  

على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع ’إسرائيل’هذه الأوضاع الجديدة أتت أكلها خلال مواجهة حماس مع "إسرائيل" عام 2012. إذ شهدت محادثات الهدنة في القاهرة حماس تفاوض مصر وتركيا وقطر، و (بشكل غير مباشر) "إسرائيل"، ولم يكن عباس ظاهراً في أي مكان. أما خالد مشعل ، الذي يرأس الجناح السياسي لحركة حماس ، فقد صاح قائلاً، "لأول مرة يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار وفق الشروط التي وضعتها حماس، وبحضور الأميركيين".

إن الصورة الدولية ليست كلها وردية بالنسبة لحماس بطبيعة الحال ، إذ كان هناك نكسات خطيرة للمنظمة كما كان هناك تقدم . فمعظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تواصل عزل الحكومة الجديدة. وقد ارتفعت آمال حماس عندما فازت جماعة الاخوان المسلمين بالسلطة في مصر ، وكان انقلاب تموز/ يوليو بمثابة ضربة قوية. وشددت مصر اجراءاتها الأمنية على طول غزة الحدود وقامت باغلاق الأنفاق وحتى منع الصيادين من غزة من دخول المياه المصرية . أما بالنسبة لحماس وتصوير نفسها على أنها الصوت المعبّر عن الشعب الفلسطيني ، فإن عليها أن تكون قادرة على تمثيل الفلسطينيين في الخارج ، فضلا عن حكم هذا الشعب في الداخل . إن الوضع ، حتى بين مؤيدي حماس ، معقد . فالتخلي عن سوريا أضر بعلاقة حماس مع طهران و حليفها حزب الله اللبناني. " إن العلاقات بين حزب الله اللبناني وحركة حماس حالياً في حالة من الجمود نتيجة السورية الأزمة "، بحسب ما أعلن أحد مسؤولي حزب الله . وتستخدم ايران غدر حماس في سوريا لزيادة المساعدات المقدمة لمنافسي الحركة في غزة كالجهاد الإسلامي الفلسطيني و لجان المقاومة الشعبية . وقطعت ايران أيضا الدعم المالي لحكومة حماس في غزة ، ما أدى إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية الكبيرة أساساً بالفعل في القطاع.

إنما من المغالاة القول بأن طهران قد ألقت بحماس جانباً. فبعد الخطاب المتشدد جداً في شباط/ فبراير عام 2012 في مصر حيث أدان القيادي في حركة حماس اسماعيل هنية الأسد، سافر زعيم آخر من حماس إلى طهران وأثنى على النظام الإيراني. وكما قالت إحدى الشخصيات البارزة في حماس لمجموعة الأزمات الدولية، (International Crisis Group)، "إن جميع التكهنات حول تخلي إيران عن حماس هي تكهنات سخيفة. من ذا الذي سوف يزود حماس بالسلاح والتدريب؟ قطر؟ تركيا؟ إن إيران هي الخيار الوحيد". في الواقع، وبعد الصدام عام 2012 مع "إسرائيل"، كانت هناك لوحات اعلانية كبيرة في غزة تحمل شعار "شكراً إيران". أما طهران فليس لديها سوى عدد قليل جداً من البدائل. فبينما ينهار موقع الأسد، فإن طهران بحاجة إلى حماس أكثر من أي وقت مضى كجسر للوصول إلى العالم العربي وللحفاظ على مستوى التهديد العسكري لإسرائيل.

وهكذا ، وعلى الصعيد الديبلوماسي، قد تحصل حماس على أفضل ما في العالميْن: استمرار الدعم العسكري من طهران، إنما مع شرعية أكبر من حلفاء الولايات المتحدة مثل قطر و تركيا.

العدو اللدود الإسرائيلي
لطالما كانت حماس العدو اللدود لـ"إسرائيل"، لكنها استخدمت "إسرائيل" كنقيض لها لكسب الدعم الدولي وتحسين موقفها في مقابل منافسيها الفلسطينيين. وحققت حماس ايضاً تغلغلاً وقطعت شوطاً كبيراً ضد "إسرائيل" نفسها، وذلك بتقبلها ( تقبل حماس)، على نحو متزايد، كحقيقة ينبغي استيعابها والتكيف معها.

كانت "إسرائيل" تحتفظ كما هو الحال دائماً بتفوقها العسكري، ومعها القدرة على إجبار حماس على الطاعة ـ وأحيانا ردعها. ففي مواجهة 2012، أثبتت "إسرائيل" مرة أخرى قوتها الهائلة، بتدميرها جميع صواريخ حماس الطويلة المدى تقريباً، وعرض نظام دفاعها الصاروخي مزيداً من تقليل الخسائر بين القوات الاسرائيلية. مع ذلك، ومجدداً، لقد كسبت حركة حماس سياسياً حتى عندما خسرت عسكرياً. فقد أثبتت صواريخ حماس بشكل قاطع، رغم أنها لم تقتل سوى ستة إسرائيليين، أن حماس ظلت لا تقهر حتى عندما كانت غزة تقصف. وعلى الرغم من التصريحات الإسرائيلية بإنهاء الهجمات الصاروخية، كانت حماس قادرة على الحفاظ على استمرار عملياتها على امتداد المواجهة، وذلك في تباين حاد مع أدائها خلال العملية الإسرائيلية "الرصاص المصبوب" في 2008 ــ 2009 ، عندما دمر الجيش الإسرائيلي قوات حماس وضرب غزة بشدة على امتداد عدة أسابيع من دون خسائر تذكر في الجانب الإسرائيلي. وقد أكدت الضربات على تل أبيب ومقدسات سابقة أخرى في عمق إسرائيل رسالة حماس بأنها بدأت تصبح أقوى، وأعادت  حماس عرض صور لإسرائيليين خائفين يختبئون في الملاجئ لتعزيز الفهم بأن حماس تقف في وجه إسرائيل. أما دولياً، فقد صورت حماس اسرائيل بصورة المعتدي الغاشم، متجاهلة ، وبسهولة، أن الهجمات على المدنيين هي التي أثارت الجولة الأخيرة من القتال. وفي المفاوضات، كانت حماس قادرة أيضاً على ضمان تأمين تخفيف حقيقي وملموس للحصار، كوجود منطقة أكبر للصيد واستيراد مواد بناء جديدة إلى غزة، وهما تنازلان هامان.

في الواقع، إن "إسرائيل" الآن تتقبل حماس كواقع غير سار. فعلى سبيل المثال، وفي عملية الرصاص المصبوب 2008 ــ 2009 ، تحدث بعض الإسرائيليين عن إرجاع حركة فتح إلى غزة على حراب جيش الدفاع الإسرائيلي. لم يكن هناك مثل هذا الخطاب في عام 2012،. أما الأمر الأهم حتى، فهو أن "إسرائيل" تفاوضت مع حماس (ولو عن طريق مصر)، ما يثبت أن صفقة تشرين أول/ أكتوبر 2011 المتعلقة بالجندي الأسير في جيش الدفاع الإسرائيلي جلعاد شاليط لم يكن حدثاً لم يتكرر. فكلما كانت حماس تطبِّع موقفها مع "إسرائيل"، كان موقف السلطة الفلسطينية يتلاشى. وبحسب ما أشار أحد المسؤولين الاسرائيليين، "لا يمكن لعباس أن يقوم بزيارة حتى لأرضه في غزة... هذا هو مسرح اللامعقول".

وللسخرية، تحتاج "إسرائيل" أيضاً لحماس كقوة اعتدال ، وذلك بسبب الغضب الذي أطلقه الربيع العربي: فسيناء ، غير المحكومة جيداً أبداً، هي الآن  أكثر فوضوية بكثير ، مع تجذر المنظمات الجهادية التي هي على شاكلة القاعدة هناك و التخطيط لشن هجمات على "إسرائيل" ـ مؤامرات يساعدها طوفان من الأسلحة من الترسانات المنهوبة من ليبيا . في كل الأحوال، وحتى الآن ، تعتبر  كل من "إسرائيل" وحماس الجهاديين بمثابة عدو. إلا أن حماس الضعيفة أو عداء حماس الشامل ، على حد سواء، يزيدان من خطر الهجمات الجهادية على "إسرائيل" من سيناء .

ينبغي أن تكون حماس في مفترق طرق في علاقاتها مع "إسرائيل": الاختيار بين وضع حد للعنف في وقت تصبح فيه حكومة محترمة في غزة والمخاطرة بموقفها السياسي مع هجماتها المتواصلة. مع ذلك،  لدى حماس رفاهية عدم اتخاذ خيار : لا تعطى لها الحرية الحقيقية للحكم وعملية السلام، في أحسن الأحوال، قد بدأت للتو، لذا يمكن لحماس مواصلة تبرير استخدامها للعنف وتكرار مطالبتها الثابتة بأن محادثات السلام مزيفة. نتيجة لذلك، كانت حماس قادرة على تخفيف الخلافات داخل صفوفها حول ماهية التنازلات التي ينبغي القيام بها باسم السلام والحكم، هذا إن وجدت. في الواقع ، يعتقد كثيرون من داخل حماس بأن التنازلات الإسرائيلية فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية في غزة و التغييرات الايجابية في المنطقة ، على حد سواء، ستجعل حماس أقوى حتى لو أنها ، وببساطة، تنتظر وقتها. أما الأمر الأهم حتى، فهو أن حماس كانت قادرة على تفادي المسؤولية عن اقتصاد غزة الضعيف وغيرها من المشاكل ، بدعوى أن المجتمع الدولي و"إسرائيل" على خطأ بالنسبة للفوضى في غزة و أن استخدامها للعنف يفرض شروطاً أفضل من خلال تقديم تنازلات إسرائيلية .

لذا، تستطيع حماس التظاهر بأنها، وعلى حد سواء، معتدلة و متشددة  في القضايا الجوهرية كما لو أن عليها مقاومة "إسرائيل" أو العمل معها. وقال مشعل لرويترز في عام 2007 ، "نحن مجمعون على ضرورة إنشاء الدولة الفلسطينية الدولة وفق حدود 4 حزيران1967"،  وهو موقف يعني قبول الأمر الواقع بوجود "إسرائيل". حتى الآن ، ترفض حماس الاعتراف صراحة بحق "إسرائيل" في الوجود وأعلن مشعل، بعد نزاع عام 2012، في زيارته إلى غزة ، "فلسطين لنا من النهر إلى البحر ومن الجنوب إلى الشمال. لن يكون هناك تنازل عن شبر واحد من الأرض". وبدلاً من دفع ثمن حديثها المزدوج، تسجل حماس النقاط مع كل من المعتدلين و الرافضين .

صعود حماس أم سقوط فتح؟
إن مساعدة حماس على اكتساب مكانة أكبر يعني فشل المعتدلين الفلسطينيين ـ وكذلك الولايات المتحدة، "إسرائيل" والانظمة العربية الداعمة ، وغيرهم ممن يدعون أنهم اصدقاؤهم ـ بتقديم بديل ذي مصداقية. فمنذ الستينات ، كانت فتح القوة المهيمنة في السياسة الفلسطينية . مع ذلك، ومنذ ظهور حماس في عام 1987، وتحديداً بعد انهيار محادثات السلام في عام 2000 ، تراجعت فتح و القوى التقليدية العلمانية، في حين ارتفعت مكانة حركة حماس .

على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع ’إسرائيل’ولمحاصرة  صعود حماس بعد فوزها في الانتخابات في عام 2006 ، شجعت الولايات المتحدة وإسرائيل وضع  " الصفرية" ( تساوي المكاسب والخسارة) الذي يقول للفلسطينيين بوجوب الاختيار بين فتح وحماس . ومع وضع هذا الأمر في الاعتبار، حاولت السياسة الأميركية ظاهرياً اتخاذ الخيار السهل من خلال ربط حركة فتح بالازدهار الاقتصادي، الحكم الأفضل ، الشرعية الدولية ، و احتمالات السلام . بالواقع، إن التوصية الموحدة لمواجهة حماس ، والتي أتفق معها ، هي دعم المعتدلين الفلسطينيين مثل عباس وسلام فياض ، رئيس وزرائه الذين استقال في عام 2013 ، من خلال الدعم الاقتصادي، فضلاً عن الدعم الأمني و خصوصاً مفاوضات سلام قوية . لكن في الواقع ، لم تحقق واشنطن نجاحاً يذكر في ضمان فوز " رجلنا" هذا . ومنذ سيطرة حماس على غزة في عام 2007 ، والولايات المتحدة تدعم التنمية الاقتصادية ، سيادة القانون ، المشاريع الإنسانية، و الإصلاح الديمقراطي لمساعدة الفلسطينيين . وفي أحسن الأحوال ، كانت هذه المسائل تعمل بشكل متقطع ، حتى أن النجاحات كانت تستند الى أسس ضعيفة.

لا يزال الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية ، برغم النمو ، معتمداً بشدة على المساعدات الخارجية . وتبلغ نسبة البطالة أكثر من 20 في المئة ، ويصف صندوق النقد الدولي الوضع المالي للسلطة الفلسطينية بأنه "صعب للغاية". إن الوضع أسوأ في غزة ، بالطبع، ولكن سواء كان ذلك مبرراً أم لا ، يمكن لحماس أن تشير إلى الضغوط الدولية التي تشل الوضع الاقتصادي ككبش فداء لأي إخفاقات لديها . أما السلطة الفلسطينية فليس لديها مثل هذا العذر .

لا يزال الفساد مستوطناً . وقد أدلى إليوت أبرامز ، الرجل المعين من قبل إدارة جورج دبليو بوش للشرق الأوسط ، بشهادته قائلاً بأن الولايات المتحدة و حلفاءها الغربيين فوتوا أهمية الفساد : "لقد أقنعنا أنفسنا بأن من الذكاء  التغاضي عن ذلك ، لجعل الناس يعتقدون بأنها عثرة بسيطة لا وزن حقيقي أو أهمية لها".  وتابع أبرامز مشيراً ، "ذلك كان موقفاً مدمرا للغاية اتخذه بلدنا ، فقد أعطى إشارة للفلسطينيين الذين كانوا يشعرون بالاشمئزاز من الفساد العام بأننا لم نكن مهتمين وبأننا لن نمسك بعرفات للمحاسبة . لقد كان استعلاءً، يوحي بأننا نعتقد بأنه لا يمكن أن نتوقع  حقاً أن يكون لدى العرب، أو العرب الفلسطينيين ، مؤسسات عامة نزيهة  ". أما حماس ، وفي حين أنها بالكاد تكون نقية وطاهرة ، فإن يديها أنظف بكثير ، وذلك عائد جزئياً إلى أن جزءاً منها كان خارج السلطة حتى في الآونة الأخيرة ، ونتيجة لذلك لم يكن لديها الوقت الكافي لتصبح فاسدة .

أما سياسيا ، فإن الوضع أسوأ حتى . إذ لم يجر عباس انتخابات أو أنه استخدم العملية الديمقراطية لإضفاء الشرعية على حكمه. إنه يفتقر إلى الكاريزما ، كما أن الدعم المقدم له ومصداقيته محدودان في أحسن الأحوال . وقد صنفت مؤسسة " فريدوم هاوس" ( Freedom House) في عام 2012 البيئة الإعلامية في الضفة الغربية  بأنها " غير حرة"، كما أن الهجمات على الصحافيين أمر شائع . وتوثق منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، بانتظام ، تعذيب المعتقلين على يد أجهزة الأمن الفلسطينية . إن رئيس الوزراء السابق سلام فياض معجب ، بحق، بالغرب لجهوده في بناء المؤسسات الفلسطينية وتطوير سيادة القانون ، لكن لم يكن يملك سوى دعم ضئيل في الداخل (في الواقع ، إن جزءاً من السبب الذي  دعا عباس إلى استخدام فياض عائد لكون هذا الأخير محط سرور  المانحين الغربيين ، إلا أنه لا يمثل تهديداً سياسياً لسلطة عباس، ولأنه ، في جزء آخر من السبب، يستطيع التخلص منه بسهولة جداً، لأن فياض لم يكن يملك سوى عدد قليل من الأنصار الأقوياء في الداخل) . إن حكومة عباس موجودة في السلطة فقط لأن الأجهزة الأمنية للنظام تمنع أي مجموعة بديلة من تنظيم نفسها، وذلك على نحو متزايد،  . إن عباس شخص معتدل في السياسة الخارجية ، ولكنه دكتاتور في الداخل . وكما يقول فياض نفسه الآن ، " قصتنا هي قصة قيادة فاشلة ، من أول الطريق وحتى الآن" .

كمجموعة، لم تعد أيديولوجيا حركة فتح حيوية أو تتمتع بجاذبية تتخطى  قليلا رعاية العديد من الشباب الفلسطينيين. إن الماركسية والقومية العربية اليسارية ، على امتداد العالم العربي، اللتين هيمنتا على الخطاب في الخمسينات والستينات في تراجع اليوم، مع صعود الإسلام السياسي. وقال حسام خضر، وهو قيادي في حركة فتح،  لقناة " فلسطين اليوم " الإعلامية التابعة لحركة حماس بأن " فتح الآن في حالة يرثى لها. إنها بأسوأ حالاتها بسبب الغياب الكامل لدور قيادتها، تغييب ( كذا ) وتهميش دور المؤسسة، وعدم تقديم الدعم لها من جانب القسم العلوي في هرمية حركة فتح''''''''.

يبدو أن صفقة سلام لا تزال بعيدة، كما أن التوصل إلى اتفاق أمر أبعد حتى. وفي السنة الأولى من عمله كرئيس، حاول باراك أوباما تحريك الكرة وقذفها إلى الأمام عن طريق الدفع باتجاه تجميد الاستيطان. وأسفر هذا عن  نتائج عكسية، وتوحد الإسرائيليون ضد جهود الولايات المتحدة (و خلق شعور دائم بالازدراء تجاه أوباما)، في حين لم يفعل شيئا يذكر لاستمالة الفلسطينيين.

في كل الأحوال، لقد أحيا وزير الخارجية كيري المحادثات في يوليو/ تموز، إلا أنه  سيجد صعوبة في تحقيق اختراق. إن حكومة بنيامين نتنياهو المحافظة تشكك بشأن تنازلات باسم السلام ، كما أن أكثر من نصف الاسرائيليين يعتقدون بأن السلام مع الفلسطينيين لن يحدث أبدا. ورغم أن الانتخابات الأخيرة أدت إلى بعض المكاسب بالنسبة للمعتدلين، فقد كانت برامجهم بكاملها  تقريباً حول القضايا المحلية ، وأوضحوا أن القضية الفلسطينية ليست من الأولويات.

وينقسم الفلسطينيون من جهتهم ، مع وجود الأصوات المؤيدة للسلام الضعيفة سياسياً . فالانقسام بين حماس في غزة و فتح في الضفة الغربية جعل من الصعب على أي زعيم فلسطيني التحدث باسم الشعب الفلسطيني ، وبالتالي أن يكون قادراً على صنع تنازلات مؤلمة ذات مصداقية على طاولة المفاوضات . (في الواقع ، وبسبب الانقسام، فإن أي تنازل جدي من شأنه أن يؤدي إلى إدانة غاضبة من جانب المتنافسين ). كما أن الشكوك والسخرية الفلسطينية قد جعلت هذا الأمر أكثر صعوبة. إذ وجد استطلاع جرى العام الماضي أن معظم الفلسطينيين يعتقدون بأن حل الدولتين لم يعد قابلاً للحياة ، ويعتقد أكثر من ثلثي الفلسطينيين أن فرص نجاح المفاوضات في الخمس سنوات المقبلة "متدنية" أو "غير موجودة'' .

ما يجعل هذا الأمر أسوأ ، هو تقويض إسرائيل المنتظم للمعتدلين من خلال التركيز على تنازلات كلامية في حين تتجاهل ما يجب أن يكون الأهم : أي أمنها الخاص. فقد أعلن مناحيم بيغن ، الذي بالكاد يكون داعية سلام ، قائلا: "إني أعيد التأكيد على أننا لا نتوقع من أحد أن يطلب ، نيابة عنا ، أن يتم الاعتراف  بحقنا في الوجود في أرض آبائنا ".  وفي عام 1993 ، أعلن ياسر عرفات ، في رسائل متبادلة  مع رئيس الوزراء رابين استجابة لمطالب أميركية ودولية ، قائلاً،:"تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بحق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمن'' . رغم ذلك، وفي عام 2009 ، ذهب نتنياهو إلى ما هو أبعد من ذلك مطالباً بالاعتراف  باسرائيل كـ ''دولة يهودية'' وبعد ذلك أعلن  " وجوب أن يواجه عباس شعبه ، الشعب الفلسطيني ، ويقول: سأقبل الدولة اليهودية'' .

وكما اعتبر مارتن إنديك ، الذي اختاره كيري مفاوضاً للسلام، ، " بإمكان الجميع بناء سرد عن كيفية تطرف الفلسطينيين بهذه الطريقة أو تلك ، و الله وحده يعلم أن الفلسطينيين يساعدون في تعزيز هذه الرواية، لكن هناك أيضاً عنصر يزيد باستمرار هذا العائق . لقد كان لدينا وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان – عندما كان وزيراً للخارجية- في منتدى سابان ( Saban Forum) هذا العام والذي قال ، " إلى أن يصبح  الناتج القومي الإجمالي للفرد الفلسطيني 10000 دولار وإلى أن  يدرس الفلسطينيون روسو وفولتير ، عندها سوف يستحقون  قيام دولة". ثم أشار  إنديك إلى أن إسرائيل كان لها دولة عندما كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل بكثير من 10000 دولار وبأن روسو وفولتير موجودان ، في واقع الأمر، في المناهج  الدراسية للفلسطينيين.

إن الأساس الحقيقي لإسرائيل ليس الفلسفة، وإنما الأمن. فقوات الأمن الفلسطيني تقوم بالجزء الأكبر من الحمل الثقيل  في توفير الأمن في الضفة الغربية، مع ذلك لا تحصل هذه القوات سوى على القليل من المصداقية السياسية لقيامها بذلك. إن تحسن الوضع الأمني واستمراره يجب أن يكون شرطا مسبقا، وينبغي التركيز على وجود اتفاق بدلاً من الخطاب الصعب سياسياً الذي ليس له سوى تأثير ضئيل ، أو لا تاثير على الإطلاق ، على حياة الإسرائيليين.

بدلا من ذلك، يبدو أن الحكومات الإسرائيلية تتناول هذه المساعدات الأمنية على أنها أمر مفروغ منه، مخاطرة بذلك بهذا النموذج الحيوي من التعاون. وقد راهن عباس طويلاً على إجراء صفقة مع اسرائيل للمضي قدماً بشرعيته السياسية، إلا أن الرسالة المعتدلة بأن المفاوضات، وليس العنف، ستجلب دولة فلسطينية  ستجد صدى فارغاً إذا لم ينظر لمحادثات السلام على أنها تحقق تقدماً كبيراً. فبالنسبة لقوات الأمن الفلسطينية، وطالما أن هناك تقدماً واضحاً باتجاه دولة مستقلة، فإن بإمكانها  سجن وقمع المواطنين الفلسطينيين في الوقت الذي تدعي أنها تفعل ذلك باسم التحرير على طاولة السلام. مع ذلك، وفي كل الأحوال، ومع عدم وجود أمل بالتوصل الى اتفاق، فإنهم سوف يشعرون بالقلق من ان ينظر إلى التعاون على أنه تعاون مع العدو. وإذا ما أصبح التعاون الأمني أمراً  لا يمكن تحمله سياسيا، فمن الأرجح عودة  الإرهاب على نطاق واسع.

تتعامل الولايات المتحدة مع الأمن بوصفه مسألة تقنية ، وذلك باستخدام التدريب و أشكال أخرى من المساعدات لتحسينه ، إلا أن التعاون الأمني يرتكز على أسس سياسية . فخلال التسعينات ، جعل التعاون الإسرائيلي مع القوات الفلسطينية ظهر حماس إلى الحائط . أما عندما تعثرت محادثات السلام، فإن التعاون الأمني فقد مصداقيته. وعندما اندلعت الانتفاضة الثانية ، سرعان ما أصبح النجاح فشلاً: انضم بعض قوات الأمن الفلسطيني إلى موجة العنف، بينما نظر البعض الآخر، وببساطة ، إلى طريق آخر أو ذهبوا إلى البيت . إن التعاون الحالي معرض لخطر حصول  انهيار مماثل ، مع شعور المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين بأن الافتقار إلى وجود تقدم في عملية السلام سوف يضر بسلامة وحدتهم  وموقعهم السياسي بشكل غير قابل للاسترداد.

باختصار ، إن عباس و المعتدلين لا يوفون بوعودهم. فالاقتصاد الفلسطيني لا زال هشا ، والأسس السياسية للتعاون الأمني  ضعيفة ، وليس لدى حكومة عباس الشرعية الديمقراطية . إن أمل عباس بتحقيق دولة فلسطينية من خلال محادثات السلام قد أصبح فارغاً من أي محتوى حتى الآن. وليس مستغرباً  أن يشكك الفلسطينيون بقيادته ويبحثوا عن البدائل . لذا ، فإن حماس تدفع  باباً مفتوحاً .

حماس تصبح صوت الشعب الفلسطيني
على مدى السنوات الـ 25 اللاحقة، فقد قلبت حماس الطاولة، لتصبح حكومة الأمر الواقع في غزة وتهدد تفوق فتح بصفتها الصوت المعبِّر عن الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن بعد النجاح الذي تنظر إليه ـ اعتراف الدول العربية والإسلامية، العلاقات مع ’إسرائيل’استغلت حماس ضعف فتح، والسياسات الإسرائيلية، وفشل المجتمع الدولي بدعم القادة الفلسطينيين المعتدلين. في الواقع، ومن وجهة نظر حماس ، لقد خطت خطواتها الأكثر أهمية داخل  الساحة الفلسطينية، لتكتسب بذلك المزيد من المصداقية بين الفلسطينيين العاديين على حساب عباس وفتح. أما التحدي الأكبر بعد توليها السلطة في عام 2007 فقد كان، وببساطة، حكم غزة، التي تعاني من الجريمة، والاقتتال بين الفصائل، وانهيار الخدمات الاجتماعية. وعلى ما يبدو ، لقد جعلت العزلة الدولية والحصار الخانق المشكلة أكثر سوءاً فحسب. مع ذلك، فقد ارتفعت حماس إلى مستوى التحدي أكثر، بتطهيرها الهيكلية القديمة التي تهيمن عليها فتح واستبدالها بهيكلية أصغر حجما وأكثر فعالية بكثير. واستعادت حماس القانون والنظام وثبتت أمام التحدي المتمثل في تنظيم القطاع. أما الجناح العسكري لحركة حماس، الذي كان سابقاً، وإلى حد كبير، غارقاً في التفجيرات الانتحارية والهجمات بقذائف الهاون الرخيصة، فقد تحول إلى قوة عسكرية نظامية، مع وجود الآلاف من القوات المسلحة بإمرته إضافة إلى منظومات أسلحة أكثر تقدماً .

إن الدعم الدولي لحماس يتعزز في مقابل منافسيها. ولطالما قال عباس بأن حكومته، وحكومته فقط، هي التي تستطيع حشد الاعتراف الدولي اللازم لإنهاء عزلة غزة و بأنها تمثل من نواح أخرى الفلسطينيين بشكل فعال. ومع تراجع عزلة حماس، فإن هذه الحجة تتداعى.

أما الأهم ، فهو ان "اسرائيل" قد عززت دون قصد حماس إزاء منافسيها. ففي نظر الفلسطينيين، أظهرت حجة حماس بأن القوة ، وليس المفاوضات، هي التي تنتج تنازلات وظهر ذلك صحيحاً مراراً وتكراراً. وتدَّعي حماس أن هجماتها هي التي أجبرت "إسرائيل" على الخروج من غزة في عام 2005 ـ  وهو أمر مبالغ فيه ، ولكن  لم تكن المفاوضات هي التي قامت بهذه الحيلة بالتأكيد. أما عملية تبادل الأسرى اللاحقة عندما  أطلقت "إسرائيل" سراح أكثر من 1000 فلسطيني في مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط فقد عززت وجهة نظر حماس أكثر. والآن ، وبعد نزاع عام 2012، وافقت "إسرائيل" على خفض القيود الاقتصادية على غزة . أما خلال كل هذه الفترة ، فقد توقفت محادثات السلام و نمت المستوطنات؛ على نقيض ما يريده الفلسطينيون. وكما قال أحد الفلسطينيين لصحيفة نيويورك تايمز، " لقد أثبتت حماس أنها أفضل بكثير من المعسكر المفاوض. ففي أيام عرفات، كنا نعتقد أن السلام يمكن أن يتحقق من خلال المفاوضات، ولكن لا أحد يؤمن بهذا الآن'''''''' .

مع ذلك، لا تزال حماس ضعيفة تنظيمياً في الضفة الغربية ، على الرغم من أن موقعها هناك آخذ في التحسن. من الصعب الحكم على مدى قوة الدعم الشعبي لحماس في الضفة الغربية ـ لا يمكن الاعتماد على الاقتراع في دول سلطوية ، على الرغم من أن  البعض يقول بأن حماس سوف تغلب  فتح في الانتخابات الرئاسية. إلا أن  الضغط من جانب الإسرائيليين و أجهزة الأمن الفلسطينية قد دمر كادر حماس هناك. وبينما يوجد عدد أكبر من الفلسطينيين في الضفة الغربية مما في غزة ، تسعى حماس لشق طريقها هناك كخطوة تالية .

في كل الأحوال، إن مصداقية حماس تزداد قوة بسبب التعفن الموجود داخل فتح واستعداد إسرائيل للرد على استخدام حماس للعنف أكثر من الاستجابة لكلمات عباس على طاولة المفاوضات . وقد طرح احد استطلاعات الرأي في كانون أول/ ديسمبر 2012 سؤالاً على الفلسطينيين هو: ''... نظراً إلى نتائج الحرب بين حماس و إسرائيل واعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية ، أي الطريقين أفضل لانهاء الاحتلال الإسرائيلي وبناء دولة فلسطينية: طريقة حماس أم طريقة عباس؟".
وقال 60% طريقة حماس و 20% المئة قالوا طريقة عباس.

الآثار المترتبة على صعود حماس
إن تمكين حماس يجعل السلام أقل احتمالاً، و يعزز وجود قوة غير ديمقراطية وغير ليبرالية داخل المجتمع الفلسطيني، ويزيد مخاطر العودة إلى صراع أكثر دموية بكثير مما شهدناه في عام 2012 . مع ذلك،  ومع انهيار فتح، يجب على العالم أن يدرك ويعترف بأن الحركة الإسلامية هي هنا لتبقى وربما تمثل حتى المستقبل الفلسطيني .

إن احد الانتقادات حول العمل بشكل مباشر أكثر مع حماس هو أنه يضعف المعتدلين الفلسطينيين . هذه الحجة صحيحة، لكن المعتدلين ضعفاء جداً بالفعل. في الواقع ، من المشكوك فيه ما اذا كان عباس لديه الشرعية لعقد اتفاق، وأنه حتى لو فعل، سيكون لديه النفوذ السياسي لتنفيذ أي وعود يقدمها. وبدأت المخاوف الاسرائيلية من أن تمكّن حماس من الحلول محل عباس في الضفة سيصبح نبوءة تتحقق تلقائياً: فبينما تبقى "إسرائيل" في الضفة الغربية، فإنها تقوض بذلك مصداقية عباس وتعزز حماس. بالإضافة إلى ذلك، تبين استطلاعات الرأي أن سكان غزة هم، غالباً، أكثر أهمية بالنسبة لحماس من الفلسطينيين في الضفة الغربية ، الذي قد يهتفون لـ ''المقاومة'' بينما يدفع أهل غزة ثمن عدوانية حماس .

أما المساعدات الخارجية، ويا للسخرية، فتجعل هذا الضعف أكبر حتى. فالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية يعتمد على المساعدات الخارجية، ما يجعل عباس أقل عرضة للمساءلة أمام الفلسطينيين هناك، و يمكّنه من شراء ذمم النقاد ، وكلاهما يحولان دون إرساء الديمقراطية. كما تعزز المساعدات الفساد، وبالتالي إضعاف شرعية الحكومة. وينبغي، على أقل تقدير، اتخاذ تدابير ضد الفساد تكون في صلب أي محاولات أميركية للمساعدة بحيث لا تجعل المشكلة أسوأ .

لكن إذا كان المعتدلون يضعفون بسبب التقاعس، فإن البديل الوحيد هو في محاولة اجبار حماس على الابتعاد عن العنف. ومنذ استيلاء حماس على غزة والولايات المتحدة متشبثة بـ "شروط اللجنة الرباعية" التي وضعتها روسيا، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة: يجب على حماس الاعتراف بإسرائيل، الالتزام بالاتفاقات السابقة، ونبذ العنف. يجب أن تبقى هذه هي الأهداف النهائية، إلا أن نبذ العنف يظل أكثر أهمية بكثير من الاعتراف بـ"إسرائيل" وخطوة أولى ضرورية في أي حال. ينبغي  للسياسة الأميركية أن تدرك هذه الأولوية، لا سيما وأن من المرجح فحسب أن يتحسن موقف حماس .

يجب على الولايات المتحدة ألا تعترف بحماس حتى ترفض العنف رفضاً قاطعاً، ولكن يمكن استخدام حلفائها في محاولة لتحريك هذا الأمر على طول الخط. ولأن حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا وقطر قد تواصلوا مع حماس تلقائياً، فإنه يمكن للولايات المتحدة تشجيعهم على دفع حماس وإرسال إشارة بأنها لن تعارض اتفاقاً عن طريق التفاوض مع "إسرائيل" وبأنها ستبتعد عن العنف. إن عدائهما الخاص تجاه إيران، التي تشجع حماس على تبني العنف، سوف تساعدهما على القيام بهذه الخطوة. (إن حماس تخسر سياسياً أيضاً من علاقاتها مع إيران، التي لا تحظى بشعبية في أوساط معظم الإسلاميين السنة) . أما من وجهة نظر حماس، فإن الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية ودول إسلامية أخرى غيرها يعزز شرعيتها في الداخل وهي علامة على أنها تدرك  بأنها تستطيع تحقيق بعض أهدافها من خلال السياسة بدلاً من وسائل العنف.

إن مصر دولة مؤثرة بشكل خاص نظرا لقربها من غزة، وسيطرتها على سيناء، وانتماء الرئيس مرسي للإخوان المسلمين. ونظراً للفوضى والغموض  في مصر بعد مظاهرات حزيران/ يونيو و"انقلاب" تموز/ يوليو عام 2013، فإن دور مصر في المستقبل فيما يتعلق بحماس ليس واضحاً. مع ذلك، وحتى في ظل النظام الذي يديره الإخوان، فقد ثبت خطأ المخاوف من أن تسارع مصر إلى تبني حماس، شقيقتها الروحية،  وتشجع على العنف المعادي لـ"إسرائيل". إذ كثفت مصر تعاونها مع "إسرائيل" على الحدود ، حتى أنها غمرت الأنفاق مع حماس بمياه الصرف الصحي. بعبارة أخرى، كانت مصر تبعث بإشارة إلى الجميع بأن ما تهتم بشأنه هو القبول الدولي والازدهار في الداخل أكثر من اهتمامها بحماس وغزة. وفي ظل نظام أكثر تأثراً بالعسكرة ، من المرجح أن يتزايد هذا التركيز المحلي، وسوف يكون النظام حذراً إزاء القيام بأي عمل من شأنه أن يزيد نفوذ الإخوان المسلمين في مصرـ بما في ذلك مساعدة حليفها المتصور في غزة.

بإمكان واشنطن الاستفادة من تغيير النظام في مصر عن طريق دفع الحكومة لبذل مزيد من الجهد والقيام بما هو أكثر لابعاد حماس عن العنف. إن سقوط الإخوان المسلمين في مصر جعل قادة حماس أقل ثقة بأن الشرعية الدولية وانهيار القوى الأكثر علمانية أمر لا مفر منه. وأصبحت الحوافز والتهديدات أكثر وضوحاً في هذا السياق.

باختصار، يمكن للولايات المتحدة تحمل الصعود الدبلوماسي لحماس أكثر إذا ما دفعت الحركة الفلسطينية الثمن من خلال الابتعاد عن نموذجها "المقاوم". ومن شأن السياسة الإسرائيلية أن تتطابق مع هذا الأمر مع توافر الفرص على الأرض، وذلك بالاستمرار في توسيع قدرة حماس على الحكم في غزة إذا، وفقط إذا،  لم تستخدم العنف. في الوقت نفسه، ستستمر "إسرائيل"، وبدعم قوي من الولايات المتحدة، بتحسين دفاعاتها ضد صواريخ حماس والاستعداد لتوظيف القوة (واستخدامها متى ما لزم الأمر)، إذا ما استمرت حماس بدعم استخدام العنف.

من الضروري محاولة تحويل حماس عن خطها، وذلك لأن دعم المعتدلين  قد يفشل ولأن حماس تتمسك بالسلطة لوقف عملية السلام ، على حد سواء. في الواقع، وبصرف النظر عن كل الحجج المعتادة (والمبررة) للسلام بين "اسرائيل" والفلسطينيين، فإن التوصل إلى اتفاق السلام أيضاً يجعل من هيمنة حماس كصوت معبر عن الشعب الفلسطيني مسألة أقل احتمالاً. لأنه إذا فشلت المحادثات واستمر تعثر المعتدلين الفلسطينيين ، فإن حماس ستظهر بمظهر المنتصر.

(*) دانيال بايمان أستاذ في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون للخدمة الخارجية ومدير الأبحاث في مركز سابان في معهد بروكينغز. وهو أيضاً مؤلف كتاب  "الثمن الباهظ: انتصارات وإخفاقات في مكافحة الإرهاب الإسرائيلي" (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2011).
2013-11-02