ارشيف من :أخبار لبنانية

سهيل بوجي «الحاكم بأمره»

 سهيل بوجي «الحاكم بأمره»

ميسم رزق - صحيفة الاخبار

في وقت تنشغل فيه الطبقة السياسية بمشاورات تأليف الحكومة العتيدة، يختصر الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي حكومة تصريف الأعمال في شخصه. «الحاكم بأمره» في السرايا الحكومية يوزّع «مكرماته» على من يشاء ويحرم منها من يشاء. سهيل بوجي هو «حكومة في رجل».

بين صيغة «8 - 8 - 8» واقتراح الـ«6 - 9 - 9»، والمطالبة بتمثيل الكتل النيابية في الحكومة العتيدة بحسب أحجامها، ينام الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي ملء جفونه عن شواردها، فيما تسهر القوى السياسية جرّاها وتختصم. وبين الرئيس المكلف والرئيس المستقيل، يلعب الرجل دور «الرئيس الوكيل»، حتى ليكاد يصحّ القول بأنه أضاف إلى أنظمة الحكم المعروفة، كالرئاسي والبرلماني، نظاماً جديداً يمكن أن يطلق عليه «نظام الحكم البوجي».

في عرينه في القصر الحكومي، يرابط الأمين العام «الأبدي»، الذي عيّنه الرئيس رفيق الحريري مديراً عاماً للمديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء عام 2000. لا تعنيه كثيراً الصيغ التي تتبادلها الأطراف السياسية لتشكيل الحكومة، ولا الفيتوات المتبادلة في ما بينها. وتحت «شعار» من تسع كلمات: «تعذّر عرضها على مجلس الوزراء والحرص على المصلحة العامة»، يسيّر «الحاكم بأمره» شؤون الدولة، ويصدر قرارات هي في الأصل من صلاحية مجلس الوزراء مجتمعاً، ورئيسي الجمهورية والحكومة!

«الظاهرة البوجية» ليست جديدة، ولا جديداً الحديث عن عدم قانونية بوجي في منصبه بعد انتهاء فترة انتدابه من مجلس شورى الدولة في مخالفة لنظامي الموظفين ومجلس شورى الدولة. وكان الوزير سليم جريصاتي قد أصرّ، في أول جلسة بعد تعيينه وزيراً للعمل في الحكومة الحالية المستقيلة خلفاً للوزير السابق شربل نحاس، على تسجيل تحفظه في المحضر على الوضع الوظيفي لبوجي. وقبله قيلت في الأمين العام لمجلس الوزراء، والقابض على صلاحيات جمّة، ما لم يقله مالك في الخمرة. ولكن هذا كله «كوم»، و«الاختراعات القانونية» التي ابتكرها الرجل منذ استقالة الرئيس نجيب ميقاتي التي أودت بحكومته «كوم» آخر.

فمع دخول الحكومة مرحلة تصريف الأعمال، توالت «الابتكارات البوجية»: أصدر «الأمين العام للدولة» تعميماً أكّد «حصر ممارسة الصلاحية خلال فترة تصريف الأعمال في نطاق الأعمال الإدارية العادية». كما أشار إلى أنه «في حال اعتبار ثمة قرار إداري يدخل في نطاق الأعمال التصريفية التي تقتضي الضرورة اتخاذه في مرحلة تصريف الأعمال، يقتضي إيداع مشروع القرار رئاسة مجلس الوزراء للاستحصال بشأنه على الموافقة الاستثنائية لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء». وهو نفض الغبار عن نظرية «الموافقات الاستثنائية» في الحالات الطارئة، والتي ابتدعها لـ«تسهيل» أمور الدولة في غياب مجلس الوزراء. وهي تقوم على أخذ موافقة شفهية من رئيسي الجمهورية والحكومة على بعض الطلبات «الملحّة» ــ والتي لا تكون دائماً ملحّة ــ وترجمتها الى مراسلة منه الى الوزراء المعنيين مع عبارة «على أن تُعرض لاحقاً على مجلس الوزراء في أول جلسة يعقدها». لكن المفارقة أن الرجل أضاف الى «صلاحياته القانونية» صلاحيات «إلهية»، فالموافقات الاستثنائية يعطيها من يشاء ويحرم منها من يشاء، وهو في كل ذلك ديدنه الدستور، ولكن بحسب تفسير خاص جداً له، لا يخلو من استنسابية في تمرير ملفات وإبقاء أخرى في الأدراج، بحجة «تخفيف مصاريف عن الخزينة مع أنها تُعنى بشؤون الناس»!

لا يحب القاضي بوجي الإعلام، ويتجنّب الردّ على الاتصالات الهاتفية، إلا في ما ندر. وبسبب انشغالاته، تلعب سكرتيرته دور «مفتي الشؤون القانونية» في السرايا الحكومية. يلجأ اليها فريق عمل الرئيس نجيب ميقاتي، للاستفسار عن الملفات العالقة، وما اذا كانت تدخل ضمن مفهوم تصريف الأعمال أم لا، كتعيين الناجحين في مباراة المساعدين القضائيين وكتّاب العدل، أو تعيين رئيس جديد لمجلس الخدمة المدنية، وهما ملفان مجمّدان (كمئات الملفات الأخرى) لأنهما ينتظران تشكيل حكومة جديدة. علماً أن الرجل سبق أن لعب دور «مجلس الوزراء مجتمعاً» عندما أعطى موافقة على تفويض وزراء توقيع اتفاقيات لقبول هبات من دول خارجية.

ومن «مآثره الاستنسابية» توقيعه طلبات صرف نفقات سفر مقدّمة من بعض الوزراء لتغطية أعمال تتعلّق بشؤون وزاراتهم ورفضه طلبات مماثلة لوزراء آخرين، وإعطاؤه موافقة استثنائية على اتفاقية توأمة بين بلدية بيروت ومدينة ميامي في ولاية فلوريدا الأميركية وتفويضه رئيس البلدية التوقيع عليها، على أن يُطرح الموضوع لاحقاً في مجلس الوزراء. علماً أن الموضوع كان قد عُرض على وزارة الخارجية والمغتربين وتقرّر حفظه لحين تشكيل حكومة جديدة، ولا شيء ملحاً في هذه القضية. ولا يجد «الرئيس الوكيل» ضيراً في نقض قرارات يتخذها بعض الوزراء، خصوصاً في ما يتعلق ببعض المناقصات، مستنداً الى ما ورد في تعميمه عن «حصر ممارسة صلاحيات الوزراء في نطاق الأعمال الإدارية العادية بالمعنى الضيق». مع العلم أن ما نص عليه القانون في شأن صلاحيات الحكومة لا ينسحب على صلاحيات الوزير الذي يعتبر رأس إدارته وينيط به الدستور صلاحية تطبيق القوانين والأنظمة التي ترعى شؤون وزارته.

وتتسع صلاحيات بوجي لتشمل قرارات تتعلق بالموازنة العامة. فقد أجاز لنفسه نقل اعتمادين، أحدهما بقيمة 90 مليون ليرة لبنانية من احتياطي الموازنة العامة إلى موازنة وزارة التربية والتعليم العالي على أساس القاعدة الإثني عشرية، وآخر بقيمة مليون و587 الف ليرة لبنانية إلى موازنة وزارة الداخلية والبلديات، تحت عنوان «الحرص على المصلحة العامة».

وآخر مآثره إعطاؤه الموافقة على تفويض وزيري المالية والطاقة والمياه توقيع وتنفيذ عقدي التمويل مع شركة EKF ومصرف HSBC. وأُعطيت الموافقة الاستثنائية، بحسب كتاب وزارة المالية رقم 3788 وكتاب وزارة الطاقة والمياه رقم 8601 ورأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 811، بناء على موافقة مجلس الوزراء على نتائج المناقصة المتعلقّة بتلزيم وإضافة وحدات بقدرة 260 ميغاوات تعمل على المحركات العكسية في معملي الزوق والجية، وتعديل دفتر الشروط وبنود العقد مع شركة BWSC، «ونظراً للضعوطات التي تمارسها السفارة الدانماركية على الحكومة اللبنانية لحثها على الإسراع بتوقيع العقدين».

سهيل بوجي هو «حكومة في رجل»، ويختصر في شخصه الوزراء الثلاثين. لكن أحداً من هؤلاء لم يثر في وجهه إلا في الحدّ الأدنى. إذ إن الخلاف الخلاف بينه وبينهم يقتصر على تفسير تصريف الأعمال في هذه المرحلة. فهو، بحسب ما يقول أحدهم، «يسهّل ما يراه مناسباً للفريق الذي يُمثل»، لا «بل أصبح أكثر فاعلية في الحصول على ما يريد». في هذا السياق، ينطبق عليه وصف «عرف مقامه فتدلل». فالرئيس نجيب ميقاتي يصفه بـ«القيمة القانونية، والأمين بكل معنى الكلمة». علماً أن الرجل لا يخفي هواه الحريريّ، كما لا يخفى على أحد أن الحاضنة الحريرية هي من أبقاه في منصبه رغم تبدّل العهود والحكومات. ولم تفلح محاولات الرئيس عمر كرامي عام 2004 لاستبداله، بسبب رفض السوريين آنذاك إغضاب الرئيس الراحل رفيق الحريري.

ولكن، للإنصاف، تُسجّل للرجل لياقته في التعامل الشخصي مع مختلف الأطراف السّياسية بما يوحي وكأنه على مسافة واحدة من الجميع، وهو ما تساعده عليه سلاسته في التعامل وابتسامته المرسومة أبداً على وجهه، والتي تخفي خلفها نفوذاً قوياً وكلمة لا تُردّ في هذا الزمن الحكومي الضائع.

2013-11-04