ارشيف من :أخبار لبنانية

المسيحيون بين مؤتمرين: فخّ الوقوع في «تقزيم» القضية

المسيحيون بين مؤتمرين: فخّ الوقوع في «تقزيم» القضية

غراسيا بيطار - صحيفة "السفير"

« أنتم مرضى الوهم». إنه الاتهام المباشر للمسيحيين ومؤتمراتهم. وبذلك كل ما نشهده من «حرق 62 كنيسة في يوم واحد في مصر وخطف مطرانين أرثوذكسيين وذبح المطران فرج رحو وإفراغ القدس من مسيحييها واقتصار الجسم المسيحي في بيت لحم على الثلث...» مجرد أمراض وهمية. بين الربوة والحبتور مسيحيون يحاولون الحفاظ على «ظلهم» في الشرق، مستوحين من هيغل الذي قال إن «التاريخ هو ظل الإنسان على الجغرافيا». انتهت مراسم المؤتمرين المسيحيين وفتح باب التقييم. البعض حصر نظره في من حضر ومن تغيب، وتوقّف عند «من جالس من ومن صافح من». لكن كثيرين لم يضيعوا البوصلة في ان «من يفقد أرضه يخسر كل شيء». لا ينكر هؤلاء أن «سيف التطرف لا يوفر أحدا، لكن الضربة الأكثر إيلاما تكون من نصيب الحلقة الأضعف، والسيف ليس فقط التطرف». السؤال الأساس ينتظرهم دوما: «لماذا كل هذا الصراخ المسيحي الآن؟». فيجيبون: «إننا ننزف ببطء، وهل المطلوب ان نؤجل مراسم دفننا فقط؟». والى الغرب رسالة واضحة: «لسنا دبب الباندا نطلب عطفا وانما نطلب ايقاف سياسة الخبث في التعاطي معنا».

ما بين المؤتمرين نجاح لا غبار عليه. فتنظيم مؤتمر مسيحي مشرقي بمشاركة مروحة واسعة كنسية وسياسية من لبنان ودول المنطقة، يشكل نجاحا بمجرد انعقاده. هذا نقطة القوة التي تحلى بها «المؤتمر العام الأول لمسيحيي المشرق» الذي نظم في دير بطريركية الروم الكاثوليك في الربوة. ومن نقاط قوته كذلك الرعاية الرئاسية التي تمتع بها بالحضور الشخصي للرئيس المسيحي الوحيد في المنطقة من المغرب الى باكستان. بالإضافة الى التمثيل الكنسي النادر فيه وتبدى في 13 كنيسة. لكن كل نقاط القوة تلك كانت في الوقت نفسه نقاط ضعف، فكاد أن يخرج من دون بيان حتى ليناقض بذلك مداخلات قوية تليت في جلساتها، وان جاء بعضها «تأريخيا وأكاديميا».

مؤتمر الحبتور جاء سياسيا بامتياز. ربما منذ 1400 سنة لم تشهد المنطقة مثل هذا التجمع المسيحي السياسي لوزراء ونواب سابقين وحاليين ورجال فكر وإعلام وثقافة من لبنان والجوار المشرقي. وإذا كان الفاتيكان قد حرص على تثبيت حضوره في الربوة والحبتور «كمباركة ودعم فاتيكاني صريح» عبر حضور السفير البابوي غابريل كاتشيا شخصيا أو عبر ممثل عنه، فإن الحضور الديبلوماسي توسع في المؤتمر الثاني وكاد ان يتحول هو الحدث. تجاور سفراء سوريا وأميركا وروسيا وإيران مع نظرائهم الشخصيين أو عبر ممثلين. السعودية لم تلب الدعوة من أساسها. كاد ممثل السفير الأميركي ان ينسحب لكون كرسيه مجاوراً لنظيره السوري، لكن سرعان ما عولج الأمر. «المعالجة» جاءت قيصرية سريعة من أعضاء اللقاء المسيحي «قضيتنا ليست هنا، ولا علاقة لها لا بالنظام السوري ولا بداعش ولا بغيرها. نحن قضية عمرها مئات السنين وليست وليدة زواريب السياسة ولا 8 ولا 14 آذار، ومن لديه حسابات أخرى فليعالجها، وهذا من حقه، ولكن ليس في هذا الملف البالغ الخطورة»، يقول الأمين العام المنتخب بالإجماع لـ«اللقاء المسيحي المشرقي» المولود البكر لمؤتمر الحبتور حبيب أفرام. وإذا لم يكن للزواريب السياسية مكان لها هنا، فلماذا إذاً لم يأت الحضور المسيحي جامعاً؟ يجيب: «هذا تكليف وليس تشريفاً، ونحن منفتحون على أي مناقشة وللمشاركة في أي مؤتمر يصب في الهدف عينه».

ولعل الشعور «بأنني لست معنياً» هو الأخطر على ما يتهدد المسيحيين. «القوات اللبنانية» قالتها بعدم مشاركتها وبرفض معراب تحديد موعد لوفد «اللقاء المسيحي». لقاء هؤلاء مع الرئيس أمين الجميل لم يؤد الى أي مشاركة كتائبية. نائب رئيس «الكتائب» سجعان قزي ينتقد «تعددية المبادرات لعقد المؤتمرات، ويرى لزاما على رئاسة الجمهورية وبكركي وسائر القيادات الروحية الانطاكية والمشرقية، المبادرة لعقد مؤتمر عام يتخطى كل الحزبيات وتصدر عنه قرارات وليس بيانات».

كل هذا لا ينزع التهمة عن «اللقاء» بأنه من «لون 8 آذار». أوساط «التيار الوطني الحر» تلاحظ انه «لم يرد في الوثيقة أي كلمة تمُتّ من قريب أو بعيد الى الرئيس السوري أو النظام السوري، وحتى في كلمة العماد ميشال عون الذي طالب كل الأنظمة «الآتية والباقية» بحماية المسيحيين العرب». حان وقت التقييم. هذا ما يقوم به «اللقاء المسيحي» في هذه الأيام. والاستحقاق الأول سيكون الأسبوع المقبل مع زيارة منتظرة لوزير خارجية الكنيسة الروسية على هامش تكريم المطران نيفون صيقلي. لقاءات عدة مرتقبة وستتخللها دراسة الاقتراح الذي تقدم به الوفد الفلسطيني حول عقد مؤتمر عن القدس. وفي الأجندة المسيحية المشرقية كذلك التحضير لمؤتمر يشمل مسيحيي الانتشار. وقبل كل ذلك سيصار الى رفع وثيقة اللقاء «المسيحية المشرقية» الى الجامعة العربية والأمم المتحدة وكل الأفرقاء في الداخل، المسيحيين والمسلمين.
2013-11-06