ارشيف من :أخبار عالمية

المحمود و«العزة بالإثم»

المحمود و«العزة بالإثم»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

أكدنا من قبل بأن الكلمة ليست اختراعاً جديداً ملفقاً لتجمع الوحدة ورئيسه عبداللطيف المحمود، وليست تزييفاً أو قولاً مفترى عليهم، هذه كلمتهم، وثّقها من قبل حسابهم الخاص عبر موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) وموقعهم الرسمي، وأنكرها رئيس الدائرة السياسية والعلاقات الدولية بتجمع الوحدة في فضيحة «مهنية» و«أخلاقية» و«سياسية».

«شعب الفاتح» كلمة أطلقها رئيس تجمع الوحدة عبداللطيف المحمود، لم يحسب لها حساباً ولا وزناً في خطبة يوم الجمعة 23 أغسطس/ آب 2013 والتي تحدّث فيها عن «الموقف الأميركي والدولي من مجزرة الغوطة الكيماوية بسورية، وعن مصر الكنانة»، وكالعادة تجمع الوحدة سرعان ما تبرأ منها في ذلك الوقت، بعد أن فهموا متأخراً تداعياتها ومخاطرها ومدركاتها السياسية، فاستعجلوا تكذيبها رغم توثيقهم لها!

إلا أن الواقع يفرض نفسه، فقد عاد المحمود من جديد ليعيد حديثه عن وجود شعبين في البحرين، وهما «شعب الفاتح» وشعب يحمل اسم «شعب البحرين»!

فقد أعاد المحمود تكرار كلمته «شعب الفاتح» في مقابلة صحافية مطولة مع «الوسط» نشرت يوم الأحد الماضي (3 نوفمبر)، حيث يصف المحمود مفردته «شعب الفاتح» بأنها «غصّة» في نفوس من كانوا يريدون أن يأكلوا البحرين ويبيعوها للخارج»، إلا أن الحقيقة بأن هذه المفردة «غصة» لأنها مزقت البحرين، وجعلت منه شعبين، هو تأكيد لكلمة سابقة نعيدها ونكرّرها على مسامع المحمود وتجمعه، عندما تحدّث علناً وبكل وضوح عن «انقسام سني شيعي في البحرين»، في تصريح له لوكالة الأنباء الفرنسية في 27 مايو/ أيار 2012، وقال بالحرف الواحد: «الآن انتهت الثقة بين الطائفتين السنية والشيعية»!

يقول المحمود في حديثه إلى «الوسط» إن هناك من يشعر بالألم عندما يسمع كلمة «شعب الفاتح»، وهو أمر صحيح، فالألم نابع من سياسة تمزيق الوطن، وتشتيته إلى شعبين، ضمن مخطط مرسوم وواضح الهدف منذ «التقرير المثير» إلى خلق شعبين، شعب بامتيازات عليا، وشعب مطحون بالتمييز والاضطهاد.

وسيبقى السؤال، ما هو الجديد الذي سيخرج به الآن رئيس الدائرة السياسية والعلاقات الدولية في تجمع الوحدة، للتغطية على حديث رئيسه المحمود من جديد عن «شعب الفاتح»؟

في المرة الأولى، فشل المفكر السياسي لتجمع الوحدة في ردّه على مقالنا السابق «شعب ودولة الفاتح... فأينك يا وزير العدل؟»، في ذكر مفردة «شعب الفاتح» وتحدث كثيراً عن أن شعب البحرين شعب واحد وليس شعبين، إذ كان خجِلاً جداً من ذكر «شعب الفاتح» في توضيحه، والذي أحلّ محلها مفردة «أهل الفاتح»، بعد أن أدرك سقطة رئيسه السياسية، وحاول بحديثه المتوتر والمتشنج «ترقيع» ما أفسده المحمود كالعادة.

المحمود قاله بالحرف: «الفاتح ليس خاصاً بمذهب ولا دين، والذين حضروا تجمع الفاتح هم مجموعات من الشيعة الجعفريين الذين رفضوا التيار الولائي الصفوي، كما حضره الكثير من أهل السنة والبهرة والمسيحيون واليهود. فمن حضروا هم شعب البحرين». ولكن من لم يحضر تجمعات الفاتح، هو في نظر المحمود من أي شعب؟ بالتأكيد هم ليسوا من «شعب الفاتح»، بل هم من الشعب الثاني الذي لا يعترف بوجوده المحمود!

كنا نعتقد أن التجمع ورئيسه سيتداركون الأمر وسيكفون عن الحديث الهابط عن وجود «شعب الفاتح» باعتبارها كلمة عفوية، مجرد هفوة! زلة لسان، خطأ غير مقصود، أو إرباكاً والتباساً، أو أنها لحظة من لحظات السهو وأعمال الشيطان، وقد نقبلها ونتجاهلها ونمررها كما مررنا الكثير غيرها من قبل، إلا أن الواقع يقول بأن الكلمة مقصودة، في مواقع ذكرها والإشارة إليها، وذلك مع التأكيد أن القصد لم يكن بوعي سياسي أو فهم لتبعات العبارة، وإنما هي «العزة بالإثم».

في المقال السابق خاطبت وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف باعتباره مسئولاً عن الجمعيات السياسية والمنابر الدينية وسألته: هل هذا الخطاب، وتقسيم الشعب البحريني إلى شعبين، مسموحٌ به رسمياً؟ ألا يخالف ذلك قانون الجمعيات السياسية؟ ألا يتعارض مع التوجيهات والقرارات الصادرة مؤخراً بترشيد الخطاب الديني عبر المنابر؟ أم أنه حديث متعمد لتمزيق شعب البحرين إلى شعبين، وتفريق المجتمع البحريني إلى قسمين؟ ونعلم، بل بتنا متأكدين، أن الوزير لن يردّ، ولن يطبّق القانون، ولن تكون عصاه غليظةً، ولن يهدّد أو يتوعّد بالضرب بيدٍ من حديد، لأن المخطئ ليس من المغضوب عليهم وليس من المعارضة.

ولأن وزير العدل لم ولن يرد، على ما نطرحه من أسئلة عليه، فإننا سنطرح أسئلة جديدة ليس عليه بل على السلطة التي اقتحمت مقر جمعية سياسية (الوفاق) وصادرت مقتنيات متحف فني بتهمة «تحويل مقرها لمقر يكرس الكراهية»، أليس خطاب المحمود عن وجود «شعب الفاتح» داخل شعب البحرين، وأن ما ذهب للفاتح هم شعب البحرين، ومن لم يذهب هم ليسوا من شعب البحرين، أليس ذلك خطاباً يكرّس الكراهية أيضاً؟

ألا يستدعي هذا النوع من الخطاب المساءلة والمقاضاة، لأنه خطاب يبث روح الكراهية بين الشعب الواحد، ويمزّق وحدته الوطنية؟

«شعب الفاتح» طرحٌ مريضٌ سياسياً، يهدف إلى تقسيم هذا الشعب والوطن بين فئتين، فئة مرضي عنها سماها المحمود بـ«شعب الفاتح»، وفئة مغضوب عليها وهم «شعب البحرين».
2013-11-06