ارشيف من :أخبار لبنانية
تساؤلات كبرى «للعالم الوردي».. فهل من مجيب؟
حسن شقير - صحيفة "البناء"
يحلو للبعض أن يُشبِّه مؤتمر جنيف 2 المزمع عقده في العاجل من الأيام كما تُرجِّح دوائر القرار في العالم بمؤتمر الطائف اللبناني الذي عُقد في عام 1989 في السعودية حيث طوى بشكل رسمي صفحة الحرب الأهلية اللبنانية والتي امتدت لما يقرب الخمسة عشر عاماً.. ويستند هؤلاء في مقاربتهم ومقارنتهم تلك إلى أنّ الحرب في سورية تماماً كما تلك التي سبقتها في لبنان قد أتت أكُلَها لناحية تحقيق الأهداف التي سُخِّرت وسُعِّرت لأجلها.. وأنّ المظلة الدولية التي ارتأت إطفاء لهيبها قد تشكلت في الحاضر من الأيام.. وذلك لأنّ المحور المقاوم ومن خلفَه في العالم قد شارف على تحقيق النصر فيها.. وتالياً فإنّ السبيل الوحيد لإنقاذها من المزيد من التشرذم والاستنزاف يكمن في الحلّ السياسي لها.. ولأنّ أصحاب المشروع التدميري لها من غرب وعُرب ومتأسلمين وصهاينة.. قد اصطدموا بالحائط المسدود والعجز المطلق عن التقدم والإيغال في تلك الحرب أو حتى إمكانية الاحتفاظ بالجغرافيا التي استولوا عليها على مدى ما يقرب من عامين ونصف العام من عمر هذه الأزمة.
بالتأكيد كلّ ذاك التحليل ليس بعيداً عن الواقع ويمكن الاستدلال عليه من جملة من الظواهر التي يتسارع حدوثها في هذه الأيام على المستويين الدولي والإقليمي على حد سواء.. فيُحكى عن اتفاقات لحلحلة الأزمات في المنطقة قد تمّت فعلاً بين اللاعبين الدوليين تتخطى سورية إلى الفضاء الأرحب منها بكثير خصوصاً أنّ تلك الأزمة تعتبر قطب الرحى في العالم فعليها تحدث الحرب العالمية الثالثة بمختلف أشكالها. ومنها يبزغ فجر النظام العالمي الجديد بصورته النمطية الجديدة.
ولكن السؤال البديهي لكلّ متابعٍ للحدث السوري يتلخص بالآتي: هل انّ سورية الحرب والاحتراب ـ قد صارت اليوم وأشدّد على هذه الكلمة عبئاً على كلّ من أميركا وأوروبا والكيان الصهيوني وتركيا وملحقاتهم من الأعراب من تحالف العدوان على سورية.. وبالتالي فإنّ مطلب الطائف السوري ممثلاً بجنيف 2 قد أصبح الأساس في بلورة الحلّ فيها؟
هذا السؤال يقودنا بحسب المتحمّسين لتبنّي الإجابة عليه بنعم أنّ الحلّ للأزمة السورية هو مقدمةٌ حتمية لحلّ كلّ أزمات الشرق.. كون الجمبع قد اتفقوا على أنّ سورية ترسم العالم من جديد ومن ثَمّ يمكننا أن نتصوّر أنّ الحلّ الآتي عبر البوابة السورية لن يكون إلاّ شاملاً وتفصيلياً بكلّ محطاته وأنّ العالم قد ودّع الحروب وطوى الأزمات.. وآن أوان تقسيم النفوذ وتوزيع المغانم بين اللاعبين.
ولكن مهلاً ولعله ليس من باب التشاؤم لا بدّ من طرح مجموعة من التساؤلات الكبرى لعالم انقلب بين ليلة كيماوية وضحاها إلى آخر مختلف وعلى الصعد كافة!
تساؤلاتٌ عسكرية!
فضمن هذا «العالم الجديد» المنطلق من جنيف ـ 2 سُيعتبر أزيز الرصاص الذي كان مرحلياً في سورية قد أصبح يشكل اليوم خطراً على الكيان الصهيوني! لا بل انّ النفخ والدفع الصهيوني بتلك الحرب بات لا يخدم في مندرجاته يهودية الدولة أو مخططاتها المستعرة - في زمن ما سُمّي بربيع العرب لضرب جغرافيات الدول في محوريْ المقاومة والاعتدال وتحديداً تلك اللامتجانسة في نسيجها الطائفي..! وصولاً إلى أنّ تلك الحرب ما عادت ذات منفعة في استنزاف الخصوم وإضعافهم إلى أقصى الحدود!
تساؤلاتٌ سياسية!
وبناء على ما تقدم فإنّ التسوية الكبرى بين الطبقات السياسية العليا في العالم قد بدأت تتبلور فعلياً وأنّ هؤلاء قد بدأوا بتقسيم مناطق النفوذ وتوزيع المغانم بعضهم على البعض الآخر! والأمر وصل اليوم بأميركا وبحسب التوزع الجديد إلى أنها قد أشاحت ببصرها عن الشرق بشكل كلي! وأنّ حلقة التفاوض الصهيوني الفلسطيني قد اكتملت دورتها أو هي تكاد تحت المظلة الروسية! وأنّ الكيان الصهيوني قد أنجز مهمته في إقامة مظلته الأمنية بمشاركة عربية وتحديداً الخليجية منها!
تساؤلاتٌ اقتصادية!
يلتحق الاقتصاد دائماً بالسياسة أو قد يتقدم عليها وتالياً فإنّ أميركا اليوم قد وصلت إلى لحظة الخلاص من عبء النفط الخليجي ولم تعد تكترث بمصادر الطاقة الواعدة في سواحل المتوسط! ذلك لأنها اكتفت ذاتياً على صعيد الطاقات.. وهي جاهزة اليوم للتصدير أيضاً! لذلك فإنّ السعودية وأخواتها أضحوا عبئاً على أميركا من دون أية فائدة منهم تجاهها! وانّ سورية ولبنان وفلسطين ومصادرهم الواعدة من الطاقات المختلفة.. أضحت جميعها ليس لها أي اعتبار في الاقتصاد الأميركي! ما سينعكس نعيماً على هذه البلدان التي بدورها ستصبح ذات وزن في مشهدية النظام العالمي الجديد في المنطقة!
تساؤلات الإرهاب!
عطفاً على كلّ ذلك يُفترض أنّ القرار الكوني بمحاربة الإرهاب العالمي قد اتخذ فعلاً! وأنّ مجالات استثماره واستغلاله في السياسة عند الكثيرين من الدول قد أقفلت! وهو قد تمّ تجميعه في سورية بهدف القضاء عليه.. وأن أميركا والصهاينة قد تيقنا بأنّ وجهة الجهاد العالمي التالية ستكون فلسطين المحتلة على الرغم من ابتعاده عنها اليوم! ما سيلي تلك التصفية لهؤلاء بأنّ العالم الإسلامي سيتخلّص من لوثة التكفير! وتجتمع مختلف مذاهبه على كلمة سواء في الإسلام.. وتجتمع جميعها في السياسة على أنّ الكيان الصهيوني هو أمرٌ واقع في العالم الإسلامي.. ولا بدّ من ممارسة «التقية» معه حتى تتبدل الظروف وتتغيّر الأزمنة!
تساؤلات الصفقة الكبرى!
تستتبع كلّ تلك التساؤلات الكبرى تساؤلاتٌ حول الصفقة الكبرى والمتعلقة بالكيان الصهيوني وأمنه الذاتي وكذا الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية والحلول المقترحة والمعدّة لها..
فكلّ ما ذُكر سابقاً لا يمكن أن يكون منفصلاً عن هذه الصفقة لا بل انّ ذلك ينبغي أن يكون في مقدماتها ومندرجاتها وصولاً إلى خواتيمها.. فهل فعلاً أنّ أميركا سلّمت الشرق الأوسط إلى روسيا بما فيه ملفّ الصراع العربي ـ الصهيوني! وهل فعلاً كما يشيع البعض أنّ الأمنين الصهيوني والعربي قد دخلا تحت المظلة الروسية التي كان مفتاحها التوصل إلى الاتفاق حول الكيماوي السوري؟ وتالياً سيلي هذا الاتفاق اتفاقٌ على النووي الإيراني ثمّ يليه اتفاق على النووي الصهيوني! ما يعني أن منطقة الشرق الأوسط برمّتها ستتحوّل إلى واحة للطاقة النووية السلمية! ويتوّج كلّ ذلك بأنّ الصراع الصهيوني العربي قد شارف على خواتيمه! وذلك بعودة الحقوق الفلسطينية والعربية إلى أصحابها! وأنّ المقاومات ستُخيّر بين مواجهة العالم بأسره أو القبول بما اتفق عليه عالمياً وهو أنّ الكيان الصهيوني سيبقى محصوراً ضمن الأراضي المحتلة عام 1948 إلى أن تقضي الديموغرافيا أمراً كان مفعولاً!
لقد استوقفتني وأنا أكتب هذا النصّ كلمتان: إحداهما لقائد الثورة الإسلامية الإيرانية السيّد خامنئي والثانية للرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني حيث عبّر الأول عن عدم تفاؤله بالمفاوضات مع أميركا إلاّ أنه أراد أن يعطي التفاوض مداه تماماً كما عبّرنا في مقالتنا الأخيرة حول فلسفة التفاوض بينهما بأنها معركة في الرأي العام - وحذّر الثاني أميركا والغرب من استخدام المفاوضات كورقة للاستغلال السياسي - تماماً كما اعتبرنا انطلاقتها في مقالة سابقة بأنها من جانب أميركا ليست سوى سلّم نجاة نووي تترجّل عنه في هذه الحقبة من عمر الصراع بينهما.
ختاماً لا نشك للحظة واحدة بأنّ أميركا والكيان الصهيوني ومعهما عرب الاعتدال يعيشون في هلعٍ استراتيجي.. فلقد بشّرنا به منذ أكثر من عام ونصف العام عندما تحدثنا عن صمود الدولة السورية ومثلث الهلع الاستراتيجي من أتراكٍ وعُربٍ وصهاينة فهذا مسارٌ مستمر.. إلاّ أنّ وجه الاعتراض كائنٌ في التعويل على «النتائج الوردية» لذاك المؤتمر المشار إليه.. فمهلاً مهلاً.. «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018