ارشيف من :أخبار لبنانية

ما بعد الفجور، في القاع والغاز والإغاثة...

 ما بعد الفجور، في القاع والغاز والإغاثة...

جان عزيز - صحيفة "الأخبار"

في مشهد أول، لا يُحتمل منسوب العنصرية الطافح من بعض المطالب الطائفية، وخصوصاً الاستثمار في قصة بيع الأراضي بين مواطنين من مذاهب مختلفة. فالمسألة مخالفة صريحة لنص دستوري واضح، تمثله الفقرة «ط» من مقدمة الدستور نفسه. تلك المقدمة التي غالباً ما تغنى البعض ببعدها ومفعولها الميثاقيين. هي التي تقول أن «أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين· فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون». وهي مخالفة بالمستوى نفسه من البديهية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أفضل مرجعية إنسانية متوافرة لمنظومة الحقوق الأصيلة غير القابلة للتنازل عنها ولا للتصرف بها من قبل أي سلطة كان...

غير أنه بمقدار ما تنم تلك القضية عن عنصرية معينة، تنم مسألة أخرى عن خليط من العنصريات الأكثر خطورة. إنها قضية احتلال مواطنين معروفين أراضي مواطنين آخرين. في جردة أولية يحكى عن أكثر من 130 مليون متر مربع من الأراضي المحتلة، المصادرة داخل الوطن، ولا من يسأل أو يقاوم أو يحرر. اللائحة طويلة، وتشمل كل جغرافيا الوطن بلا استثناء لمنطقة أو فريق سياسي أو قبيلة طائفية. كلهم متورطون، كلهم محتلون مستبيحون، ومحاضرون بالسيادات والحريات. ليست المسألة هنا طائفية، ولا مذهبية، ولا قبلية عشائرية ولا زبائنية إقطاعية. هي مسألة حق مقدس ومفهوم دولة حق. إنه دوس يومي للمادة 15 من الدستور، «الملكية في حمى القانون، فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه...»، وللمادة 17 من الإعلان العالمي، «لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره. لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً»، فضلاً عن كون الموضوع خرقاً لحق إنساني طبيعي، يعلو كل الشرائع والأنظمة. الملكية الفردية، جزء من كرامة الشخص البشري، تماماً مثل حقه في الحياة... كل ذلك منتهك في لبنان، وعلى مرأى من دولته وسلطاته ورؤسائه وحكوماته وكل أجهزته. كل ذلك مغتصب على مدى أكثر من 130 مليون متر مربع من أرضه... في بلدة القاع، مثال قد يكون الأكثر بلاغة في التعبير. هناك، تضيق مساحة الدولة اللبنانية إلى أقل من 5 بالمئة من مساحة البلدة. كل الباقي، نحو 95 بالمئة من أرض الناس وملكهم وحقهم، يستبيحه لبنانيون آخرون. بعض أهل عرسال ذهب في الاستباحة أخيراً حتى استقدام سوريين، لا نازحين ولا معوزين، كالذين تنتهك عنصريتنا كرامتهم كل لحظة في كل مكان آخر من وطن حضارتنا الكذبة. لكن في القاع، استقدم البعض سوريين من نوع خاص: «داعش» و«نصرة» وأخواتهما، استعمروا القسم الشمالي الشرقي، وضموه إلى دولة طالبان اللبنانية. أهل الهرمل من الجانب الآخر لم يقصروا، ردوا على الاعتداء بفعل مماثل، ومن رصيد أرض القاع نفسها...

في القاع يموت وطن كامل. في القاع تحتضر دولة القانون. من يتشدق بدولة وسيادة ومواطنة وعيش مشترك وحريات وحقوق وقانون ومؤسسات... فعليه أولاً أن يحرر القاع، وأن يعيدها إلى أهلها ووطنها. الباقي كذب رخيص مكشوف، من نوع دموع الندابات المستأجرات، في دفن حقيقي لدولة كانت يوماً حقيقة...

في مشهد ثان، لا يُحتمل مقدار الفجور أو حتى الخيانة الوطنية والظلم الإنساني المقصود والمتعمد، في الكلام المنقول عن أحد النواب في اجتماع لجنة نيابية هذا الأسبوع. تردد أنه قال: «كل ملف الغاز والنفط قانوني وكامل. لكننا لن نسمح لكم باستثماره لأسباب سياسية»! تتذكر فجأة كل مقولات المؤامرات طيلة عقدين. لم نكن نصدقها. غالباً ما اعتبرناها من عدة شغل الاتهام السياسي في لبنان. كان يقال أن سياسة الاستدانة الخاطئة كانت سياسة مدروسة ومطلوبة. تماماً كما سياسة الإفقار، وضرب الاقتصاد المنتج، وحصر لقمة عيشنا بالنشاط الريعي المرتبط حتى الابتزاز بالخارج... وكان يقال لنا ان العجز ومن ثم الدين ومن بعدهما الارتهان لسياسات اقتصادية ومالية ونقدية، تجعل بلدنا برمته بيدقاً لدى مؤسسات دولية ودول قريبة أو بعيدة... قيل لنا أن كل ذلك جزء من مخطط لا مكان فيه لعفوية أو عشوائية. وأنه مسار دقيق يوصلنا إلى إلغاء سيادة بلدنا وتسليم قراره. بعدها يصير كل شيء عندنا قابلاً للتحكم عن بعد. من التوطين حتى الدعارة السياسية. لم نكن نصدق. حتى جاء النفط والغاز، دليلاً على قدرتنا على التحرر كدولة وكوطن وكاقتصاد وكشعب. فجأة وقف نائب، بجنسيتين وأكثر من وجه ولسان. قالها لنا بوقاحة، بل بفجور: نعم، ما كان يقال صحيح، وأكثر، والآتي أعظم!

يبقى مشهد ثالث: مسؤول هيئة الإغاثة، فُتح ضده ملف فساد. خرج أمس إلى الإعلام، ليتهم سهيل بوجي، ما غيره، بأنه خلف الاتهام. قال عنه، إنه هدده أمام أكثر من شاهد، بأنه سيقتلعه من منصبه. لماذا؟ لأن هذا المركز، «كان مصنفاً سنياً بيروتياً، ولم يرُقهم أن يتحول موقعاً وطنياً لكل لبنان»...

هل يمثّل المشهد الثالث رصاصة الرحمة في احتضار دولتنا البطيء؟ بل هو ربما علامة الرجاء بقدرتها وقدرتنا على عدم الموت. يكفي أن صاحب الكلام عن بوجي، مسلم سني ايضاً، ومن أبناء طرابلس الحقيقيين، لا من أبناء محاور أشرف ريفي بالتبني. يكفي ذلك دليلاً على أننا ما زلنا نتنفس. ها هو لهاثنا على صحن الشمس، يصرخ لأكلة الجيف: لم نمت، لن نموت!
2013-11-09