ارشيف من :أخبار لبنانية

طهران - الرياض: التفاهم المُمكن

طهران - الرياض: التفاهم المُمكن

غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"

ستتردَّد كلمة «جنيف» كثيراً في الايام المقبلة. إسم المدينة السويسرية يتلازم أكثر وأكثر مع مساعي التقارب والتفاوض واستخراج الحلول. لا يتعلّق الامر بمسار الازمة السورية فحسب، فهناك يُرتّب شكل جديد للمنطقة والعالم، والملف النووي الإيراني مدخل مؤكد للعبور الى ملفات اخرى لا تقلّ أهميّة واستراتيجية.

لم يكن انعقاد مؤتمر "جنيف - 2" مؤكداً. فالموعد المضروب لانعقاده كان جزءاً من إشاعة الامل عقب التوافق الروسي - الاميركي في شأن الكيماوي السوري.

التعقيدات التي تلفّ الازمة السورية ليست متصلة بالحسابات الدولية وحسب، ولا بتفاهمات موسكو وواشنطن في شكل منفرد. المستوى الاقليمي في الأزمة له مصالح حيوية في سوريا وحولها، وبدا قادراً على تأخير التئام طاولة الحلّ السياسي او تأجيلها، وربط كل الملفات بعضها ببعض الى درجة باتت تنذر بتعقيد الامور اكثر من ترتيبها.

عندما ارتفع الحديث الاميركي عن ضربة عسكرية لسوريا، عرف المتبصرون والعارفون أنّ أوان التسويات قد آن. لكنَّ السؤال الذي ظلّ محيّراً كان الآتي: من أين سيبدأ استخراج الحلول؟

في المنطقة الآن ثلاثة ملفات رئيسة يتوقف عليها أمنها ومستقبلها. القضية الفلسطينية، والازمة السورية، والمفاوضات الايرانية مع المجتمع الدولي حول الملف النووي. وفي موازاة هذه الملفات الثلاثة، تتفرّع ملفات متفجرة مرتبطة بالنزاع الدائر حول القضايا الرئيسة. ونتحدث هنا عن العراق ولبنان والبحرين واليمن. ومن نافل القول إنّ كلّ هذه القضايا متصلة بملفات النزاع الاساسية، وحلّها مرتبط بالنجاح في إيجاد خرق جدّي في سوريا وفلسطين ومع ايران.

تُظهر خريطة النزاع في المنطقة، نقاطَ احتكاك سعودي - ايراني واضح. من البصرة الى صعدة، ومن لبنان الى البحرين. وفي حين تبقى سوريا منطقة السخونة في العلاقات الايرانية - السعودية، يبدو أنّ ثمّة هامشاً واسعاً بين الرياض وطهران للتنسيق في الملفين الآخرين: القضية الفلسطينية بوصفها قضية عربية واسلامية، ومن خلال موقف سعودي جريء بدعم حق ايران في امتلاك قدرات النووي السلمي، تُؤسّس خطوتان من هذا النوع لمغادرة النزاع بشكله القائم والمنذر بعواقب مذهبية قاسية، وتؤثران تلقائياً في المواجهة الدائرة في سوريا.

ليس ثمّة ما يمنع صياغة تفاهمات ايرانية - سعودية تشكل دفعاً لمساعي التفاهم الدولي الجارية في جنيف على اكثر من صعيد. وبدلاً من أن تكون المسافة الى "جنيف - 2"، مزيداً من العنف والدماء والدمار والشرذمة المذهبية والإثنية، نكون امام نشوء نظام اقليمي مصغّر يدفع بالخطر عن المنطقة ويساهم في استخراج الحلول وصياغتها.

والاهم في ذلك كله هو أنّ طريق الصدام والاستحالات والاستحالات المضادة، قد اوصلت المنطقة الى اختبارات قاسية من شأنها ترك أثر سلبي بالغ الخطورة سيمتدّ لعقود مقبلة.

ليس في منطق الصدام بين ايران والسعودية سوى الخسائر مهما تكن النتائج وأيّاً يكن "المنتصر". نحن في منتصف الفتنة، واولى الخسائر أنّ قضية فلسطين اصبحت في مؤخرة الاهتمام والذاكرة، والاندفاع في استكمال هذه "الفتنة" نحو نهاياتها سيجعلنا نستفيق على خسارات لا تحتمل.

الولايات المتحدة تفاوض ايران. المجتمع الغربي بما فيه اوروبا يلعب دوراً ايجابياً. روسيا تتقاطع مع السعودية في مصر ومع طهران في سوريا. ثمّة مكان للسعودية وثمّة دور يحتاج قراراً استراتيجياً، مستفيداً من المناخات الايجابية القائمة كلها.

ربما هذا ما ينبغي أن يسمعه المسؤولون السعوديون في ايّ لقاء بينهم وبين الايرانيين. المنطقة على مشارف ولادة صعبة لنظام اقليمي مركّب بمصالح معقدة فرضتها ظروف العالم الجديدة. لا تجعلوا أنفسكم خارجها، ولا تعطوا الفرصة لإسرائيل لكي تؤبّد وجودها وشرعيتها.
2013-11-09